تراجع النفط ومخاوف الاضطرابات

30 يونيو 2020
الصورة
الغلاء يتكاتف مع كورونا في مدينة ابوجا النيجيرية (Getty)

ربما يقود انهيار أسعار النفط إذا استمر لفترة طويلة إلى أزمة معيشية طاحنة تتسبب بموجة اضطرابات سياسية في العديد من الدول البترولية الفقيرة وتلك التي تعتمد بشكل غير مباشر على انتعاش أسعاره، خاصة في أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية. 

وربما تؤدي جولة جديدة من انهيار أسعاره كذلك إلى تغييرات جيوسياسية جذرية في العالم. فالنفط سلعة استراتيجية وتكتسي أهمية بالغة على عدة مستويات، على صعيد الإنفاق بالميزانيات بالدول المنتجة، وعلى صعيد أسواق المال وتداعيات تراجع أو انهيار سندات الدين التي تصدرها الشركات النفطية ومستويات البترودولار وتدفقاتها على المصارف التجارية بالمراكز المالية.

كما سيؤثر على مستوى التوظيف بالمنطقة، إذ تعد الدول النفطية خاصة في الخليج المحرك الرئيسي للوظائف في المنطقة العربية وتوفير العملات الصعبة لدول المنطقة الفقيرة.

ويلاحظ أن أسعار النفط عادت للتراجع مرة أخرى خلال الأسبوع الماضي تحت 40 دولاراً بسبب تزايد إصابات جائحة كورونا مجدداً بعد انحسارها في الشهر الماضي، وبعد استبشار المجتمع الدولي بعودة الاقتصادات للتشغيل، وبالتالي عودة الطلب العالمي على النفط للارتفاع، وهو ما دعم الأسعار فوق 40 دولاراً للبرميل حتى نهاية الشهر الماضي  قبل تراجعها.

وبعد الاستبشار خابت التوقعات وبدأت آمال الفتح تتبخر جزئياً بعد الأرقام المتشائمة حول انتشار جائحة كورونا التي أعلنت في أميركا والبرازيل.
 
وتبعاً لهذا التراجع في أسعار النفط ربما ستعاني العديد من دول منظمة "أوبك" التي تعتمد في إنفاقها على مبيعات الخامات النفطية وبنسب كبيرة تصل أحياناً إلى 90%، من صعوبات مالية بالغة، كما ستعاني كذلك عملاتها وربما يتعرض بعضها للانهيار.

وربما تكون دول الخليج أفضل حالاً بسبب الاحتياطات المالية التي راكمتها في صناديق الثروة السيادية في سنوات ارتفاع المداخيل النفطية. وكذلك ربما بسبب كلف الإنتاج الرخيصة لبرميل النفط التي تمكنها من تحقيق أرباح من مبيعات نفطها حتى في حال تدهور الأسعار.

ولكن هنالك العديد من الدول النفطية التي ترتفع فيها كلف الانتاج فوق 40 دولاراً وليس لديها صناديق ثروة سيادية أو مصادر أخرى للحصول على العملات الصعبة وتمويل الإنفاق الحكومي ربما ستكون في أوضاع مالية بالغة الخطورة.

من بين هذه الدول نيجيريا والجزائر وليبيا والعراق ودول أفريقية أخرى ليست من كبار المنتجين للنفط ولكنها تعتمد عليه في الإنفاق ودخل العملات الصعبة.

وتتفاوت مخاطر تراجع الأسعار النفطية من دولة لأخرى، ولكن مخاطر انهيار الأسعار ربما ستكون أكبر على دولة مثل نيجيريا التي تعتمد على النفط في أكثر من 50% من الإنفاق الحكومي وتمثل مبيعات الذهب الأسود نحو 90% من مداخيل الدولارات أو العملات الصعبة التي في أمس الحاجة إليها.

ومعروف أن إنتاج النفط تقوم به شركات عالمية وليست وطنية في نيجيريا، ويمكن لهذه الشركات أن تتوقف في أية لحظة حال تراجع أسعار النفط إلى أقل من كلفة الإنتاج وتبدأ في تكبد خسائر. وبالتالي ربما تصبح حكومة الرئيس محمد بخاري مرشحة لأزمة مالية ضخمة في حال توقف إنتاج النفط واختفاء 50% من إيراداتها.

وتكمن خطورة حدوث اضطرابات بنيجيريا، في أنها بلد يعج بالفقراء ويعيش فيه نحو 80 مليون نسمة على دولار واحد في اليوم. وربما ستكون النتيجة الحتمية لخسارة دخل النفط ثورة عارمة تكتسح الشارع النيجيري تقود إلى فوضى سياسية في أكبر بلاد بأفريقيا.
وتعاني نيجيريا حتى قبل جائحة كورونا من اضطرابات وهجمات مسلحة من عصابات تسرق النفط بمنطقة الدلتا، كما تواجه كذلك مشكلة تمدد جماعات بوكو حرام في الشمال. وربما ستستغل مثل هذه الجماعات المتطرفة أزمة الحكومة المالية في استنفار الجماهير الفقيرة واثارة العنف والتطرف، وتدريجياً تتحول نيجيريا إلى دولة فاشلة مثلما هو الحال الآن في سورية وليبيا.

وشهدت العملة النيجيرية "النيرة" انهياراً خلال الشهر الجاري، إذ جرى التعامل فيها عند 387.5 مقابل الدولار.

ومعروف أن انهيار العملة المحلية في أي بلد يقود إلى ارتفاع معدل التضخم. ويواجه المواطنون في نيجيريا إضافة إلى معاناة جائحة كورونا وتداعياتها غلاء طاحناً في أسعار السلع، كما يفاقم الفساد المستشري في البلاد منذ سنوات أزمة نيجيريا المالية التي يمكن وصفها ببلد المتناقضات من حيث التفاوت في الثروة.

وتتخوف أوروبا تحديداً من تحول نيجيريا إلى دولة فاشلة لأنها ستفتح الباب على مصراعيه للهجرة إلى أوروبا عبر قوارب الموت، خاصة وأن نيجيريا بموقعها الجغرافي وكثافتها السكانية ستكون لها تداعيات مدمرة على كامل القارة الأفريقية.

ولكن مخاوف انهيار النفط على الدول لا تقف فقط عند نيجيريا، وربما تمتد إلى الجزائر التي تشير بيانات صندوق النقد الدولي إلى أنها تعتمد بنسبة كبيرة على مبيعات النفط تصل إلى 40% من الإنفاق الحكومي، كما تحتاج الجزائر إلى ارتفاع أسعار النفط إلى 109 دولار حتى تتمكن من تلبية احتياجاتها في الإنفاق المخطط له في الميزانية.

وحتى الآن أدت أزمة انهيار النفط إلى مشاكل مالية ضخمة في الدول العربية التي كانت تعتمد في السابق على المعونات المالية المقدمة من دول الخليج الغنية، كما قلصت الأزمة من تحويلات العمال المهاجرين إلى بلدانهم في آسيا وبعض الدول العربية، بل كادت أن تقضي عليها تماماً. وكانت هذه التحويلات واحدة من أهم مصادر العملات الصعبة في دول مثل بنغلاديش ومصر والسودان وسيريلانكا. وتبعاً لذلك أصبحت هذه الدول تعاني هي الأخرى من أزمة انهيار النفط.

وقد يكون بعضها استفاد من رخص أسعار النفط في خفض فاتورة الوقود. ولكن لا يبدو أن التراجع في فاتورة الوقود يعوض الخسائر التي تكبدتها هذه الدول من خسارة تحويلات عمالها وموظفيها في الخليج.

وبالتالي هنالك مخاوف حقيقية من عودة أسعار النفط للتراجع مرة أخرى، خاصة أن دولاً مثل الولايات المتحدة التي كان يعول عليها في تحريك أسعار النفط تشهد موجة جديدة من تزايد تفشي الفيروس وإصاباته.