تراجع أعداد المواليد في روسيا

12 يوليو 2017
الصورة
بدأت الأزمة مع انهيار الاتحاد السوفييتي (سيفا كاراسان/ الأناضول)
سجلت روسيا خلال الأشهر الأربعة الأولى من العام الجاري تراجعاً في أعداد المواليد بمقدار نحو 69 ألفاً، مقارنة بنفس الفترة من العام الماضي، وسط مخاوف من موجة جديدة من تراجع عدد سكان البلاد نتيجة لمجموعة من العوامل السلبية.

يأتي في مقدمة هذه العوامل تراجع عدد المواليد بعد تفكك الاتحاد السوفييتي في التسعينيات من القرن الماضي، وبلوغ هذا الجيل عمر تكوين الأسر حالياً، وفق ما أوضحه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في اجتماع عقده في الكرملين مؤخراً، وأكد فيه أنّ هناك مقترحات مختلفة لتحسين معدل المواليد.

في هذا الإطار، يشير مدير معهد الديموغرافيا التابع للمدرسة العليا للاقتصاد في موسكو، أناتولي فيشنيفسكي، إلى أنّ موجات تراجع أعداد المواليد في روسيا تتكرر كلّ ربع قرن منذ الحرب العالمية الثانية، إذ شهد عام 1943 أدنى مستوى في المواليد. وبذلك، تنتهي عام 2018 الدورة الثالثة البالغة 25 عاماً.
يقول فيشنيفسكي لـ "العربي الجديد": "هذا التراجع أمر متوقع، ولا أعتبره أزمة ديموغرافية، والمشكلة الرئيسية هي المعدلات العالية للوفيات وليس تراجع المواليد".

وبالرغم من أنّ معدل الوفيات بين الأطفال في سن الرضاعة تراجع بنسبة 30 في المائة خلال السنوات الخمس الماضية، وارتفع متوسط العمر المتوقع إلى 72 عاماً، إلاّ أنه ما زال أقل بكثير من متوسط الأعمار الحالية في البلدان المتقدمة في أوروبا، وحتى في بعض الدول النامية. يوضح فيشنيفسكي: "حتى متوسط العمر المتوقع 76 عاماً الذي تطمح الحكومة الروسية إلى الوصول إليه بحلول عام 2025، هو المعدل الحالي للمكسيك النامية، بينما تجاوزت أوروبا الغربية هذه المرحلة، ويزيد متوسط الأعمار في بريطانيا وألمانيا وفرنسا وإيطاليا وإسبانيا والبلدان الإسكندنافية عن 80 عاماً".

عند تفكك الاتحاد السوفييتي عام 1991، كان عدد سكان روسيا 148 مليون نسمة، إلاّ أنّه بدأ في التراجع وسط الاضطرابات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي عاشتها البلاد في التسعينيات، لينخفض إلى ما دون 143 مليوناً بحلول عام 2007، قبل أن يبدأ منذ عام 2009 في الازدياد مدفوعاً بحركة تدفق المهاجرين. وخلال الفترة من عام 2013 إلى عام 2015 تحسن الوضع الديموغرافي بعض الشيء، إذ أصبح عدد المواليد أكبر بصورة طفيفة من عدد الوفيات، لتبلغ الزيادة الطبيعية 0.2 - 0.3 في الألف. ووصل عدد سكان روسيا هذا العام إلى 147 مليون نسمة بعد ضم القرم عام 2014.



من جهتها، تشير توقعات الأمم المتحدة إلى أنّ عدد سكان روسيا قد يتراجع إلى 136 مليوناً فقط بحلول عام 2035، وسط مؤشرات لتراجع أعداد النساء في سن الإنجاب وارتفاع عدد الوفيات مع زيادة نسبة المسنين. إلاّ أنّ فيشنيفسكي يؤكد أنّ مثل هذه التقديرات غير دقيقة، لأنّها لا تأخذ عامل الهجرة بعين الاعتبار، قبل أن يضيف: "منذ بداية التسعينيات، تدفق المهاجرين هو الذي يحافظ على استقرار عدد سكان روسيا. وحتى في السنوات الأخيرة، عندما أصبح عدد المواليد أكثر من الوفيات، لم يساهم ذلك كثيراً في الزيادة السكانية مقارنة بالهجرة".

وحول توقعاته بشأن عدد سكان روسيا بحلول عام 2035، يتابع: "توقعات هيئة الإحصاء الروسية روس ستات ومعهدنا أكثر تفاؤلاً من توقعات الأمم المتحدة، وتشير إلى أنّ عدد سكان روسيا سيبقى عند مستوى 146 مليون نسمة".

وفي محاولة منها لتحفيز الشباب على الإنجاب، تقدم الحكومة الروسية بعض التسهيلات والامتيازات للعائلات متعددة الأبناء، وفي مقدمتها "رأس مال الأم" وهي معونة تبلغ نحو 7500 دولار أميركي، وتستفيد منها كل أسرة روسية عند إنجابها أو تبنيها الطفل الثاني فصاعداً. لا تحصل العائلات على قيمة هذه المعونة نقداً، بل كشهادة يمكن استثمارها في تحسين ظروف السكن والتعليم وغيرها. وكان رئيس الوزراء الروسي دميتري مدفيديف قد أكد في نهاية يونيو/ حزيران الماضي زيادة "رأس مال الأم" اعتباراً من عام 2020.

مع ذلك، يقلل فيشنيفسكي من واقعية تأثير الإجراءات الحكومية على أعداد المواليد، معتبرا أنّ سلوكيات الناس في مجال الحياة الأسرية تعود إلى عوامل أعمق بكثير. ويخلص الباحث الروسي إلى أنّ "مهمة السياسة الاجتماعية تكمن في أن تشعر الأسرة ذات الأطفال بأنّها في أمان جسدياً واقتصادياً وثقافياً"، بينما تقرر العائلات بنفسها كم طفلاً ستنجب.