تذكُّر الرفيق خابيير

25 يوليو 2020
الصورة
محمد عبلة/ مصر

إنه لكلام فريد ليس كالكلام الذي يُسمع في المدارس: فها هو العزيز خابيير، بجسده الهش، وصدره المكشوف لبرد الريح، وجزمته المقصوصة من الكعب يحتذيها بلا جوارب، وصلعته المبكرة، وسنواته الأربعين... ها هو يقتعد بلاطة في شارع ييذا، ويشتغل.

ظهره إلى حائط القصر القديم، وغاطس في ذاك المونولوغ بدون خاتمة، مع نظرة ساهمة ممتدة أُراهن أنها لا ترى أحداً.

وما إن أُراهن، حتى تعودني ترجيعات من شاعرنا المرحوم.

وأقول لا. 

لأن خابيير لا ينظر الآن لا في كثير ولا في قليل: لأنه أصلاً ليس بمحتاج، لأنه مشغول مع أشباح مملكته النهارية الغامضين.

يجري هذا بينما البهيّة كاتي، تروح وتجيء حاملة الطلبات، ومعها ابتسامتها الحلوة، فيما رواد "التراسا" القريبون منه يأكلون ويشربون، وقد لا يرونه هو الآخر، بسبب من استغراقهم في حوارات خفيضة النبرة، مختلفة المصادر والمرامي.

فإذا نظرت مثلي، لرأيت من خلف الجميع، كنيسة "سان جوست إِي باستور"، بمعمارها القوطي (اختراع الألمان الرؤوف هذا!)، وحجر جدرانها الصخرية البني الضارب إلى إعتام، ومدخلها الواسع ذا البابين، ومصطبتها الكبيرة التي تؤوي المشرّدين الطليان وصاحباتهم وكلابهنّ أيضاً.

فإذا رأيت وأمعنت، ستبدو لك الكنيسة العريقة أليفةً إلى القلب جداً، ككل تفاصيل الحياة في "الغوتيكو". 

هذا الحيّ الذي سكنته سنتين ونصف السنة، لما وصلت المدينة، ثم غادرته إلى الجبل، وبعد أربع سنوات، ها أنا أعود إليه ـ [بتوفيق من إمام الكنيسة الرفيق جوسيب، وفّقه الرب في منزعه الاشتراكي].

وأنا، من ناحيتي، لا يمكن أتصوّر المشهد الكلّي للحيّ، بدون خابيير، وتهطال عواطفه حين تزرّر له إحداهنّ القميص، وفرادة تراكيبه اللغوية التي لن تصلها ـ حتى بعد التقاعد ـ مدرّساتُنا الجميلات في شارع أَفنيو. فهنّ، كجري العادة، يُثقّفنك ذلكَ النوع المنخفض من الثقافة: "ذهَبَ بيدرو إلى المدرسة. رجعَ بيدرو من المدرسة. قابل بيدرو في الطريق صديقه داني". 

- من قابلَ بيدرو في الطريق؟

وتختارني ليديا، سبحان الله، دوناً عن بقية الخلْق من صينيات وسويديات وكوبيين، وأفغان وباكستان، وأوكرانيات، وأغارقة، ولاتفيات، ويابان، وفلبين، وتؤشر بالإبهام الصغير اللطيف ذي الظفر المصبوغ بالأخضر وتبتسم:

أجب حضرتك! 

فأرد عليها بتوضيحٍ واجب: معذرة. لم أكن معه، لأعرف. ثم ماذا يعنيني من مراقبة تحرّكات الولد المسكين بيدرو، يا سنيوريتا؟

هل هذا كلام يُعلَّم لواحد مثلي غادر سن النبوة منذ أحقاب؟

فتُطرق ليديا ولا تحير جواباً.

وتقول إنك، من ناحيتك، لا يمكن أن تتصور المشهد الكلّي للحيّ بدون جوردي فريو لكتالان أيضاً: بدون سرخيو، بدون خوان، بدون ماريا إنجليس العجوز التي تدخن أطول وأضخم سيجار يمكن رؤيته في عموم برشلونة، بدون مونسيه، بدون راكيل، بدون سلفيا، بدون جاوما، وسواهم.

فهؤلاء، مع مؤمني الكنيسة الفقراء، هم عائلتك هنا، وشعبك.

وهؤلاء من يعطون للحيّ معناه، لأنهم من علاماته.

أللهم كن مع هذا السكير المسكين، يا إله الغلابا ذوي اللسان القشتالي (والكتالاني أيضاً، حتى لا يزعل البعض).

آمين. 


* شاعر فلسطيني مقيم في بلجيكا مؤقتاً، والنص عن أيام إقامته في مدينة برشلونة