تذكرة ذهاب بلا عودة

27 اغسطس 2019
الصورة
بعد أن هيأت له شروط التحقق بأقلّ قدْر من المعوّقات، وأوجدت الأجواء الملائمة لإنفاذه بأعلى درجةٍ ممكنة من المحفزّات، أعادت إسرائيل سحب مشروع الحركة الصهيونية الإجلائي القديم، الخاص بتهجير الفلسطينيين من ديارهم، من جواريرها العتيقة، على نحوٍ شبه طوعيّ هذه المرّة، عندما طرحت بصورة علنية خطة مفصلة، بتسهيلات لوجستية ومغرياتٍ مالية، لتفريغ قطاع غزة من السكان الذين هاجر منهم 35 ألفاً خلال العام الماضي.
ومع أن كثيراً من مخططات اقتلاع الفلسطينيين وتشتيتهم بكل السبل الممكنة، بما في ذلك الطرد بالقوة العسكرية الغاشمة، كما جرى في عامي 1948 و1967، لم تتمكّن من تطهير البلاد الفلسطينية من أصحابها، ولم تحقق مقولة "أرض بلا شعب لشعب بلا أرض"، إلا أن مخاطر نجاح هذا المخطط الجديد القديم اللئيم تبدو اليوم أكثر قابلية للمرور من أي وقتٍ مضى، ليس لقلة وعي أو ضعف وطنية، وإنما بفعل تراكم معطياتٍ لم تكن موجودة سابقاً.
وإذا كان مخطط التهجير التاريخي ظل يستهدف الفلسطينيين عامة، والمقدسيين بصورة خاصة، بالترهيب والترغيب معاً، فإن ما يجري الحديث عنه الآن جديدٌ مختلف عن سوابقه، كونه ينصبّ حصراً على قطاع غزة الذي تآكلت فيها مقومات الصمود، وانغلقت عليه السبل، وانسدّت حوله الدروب، وانتشرت فيه الأمراض الاجتماعية المدمّرة، سيما منذ وقع الانقسام الدموي، وترسّخت مظاهره الشائنة على كل صعيد، وصار التمسّك بالسلطة له الأولوية الأولى، ويتقدّم على كل الاعتبارات.
ولعل السؤال هو: لماذا الخشية من نجاح هذا المخطط التهويدي الآن، وقد أخفقت فيما مضى كل المحاولات السابقة؟ هل هناك ما يشي بإمكانية تحقّقه اليوم بعد نحو سبعين سنة من الثبات والصمود والرفض والمقاومة؟ هل ضعُفت مظاهر التمسك بالأرض والحلم، ام استجدّت في القطاع المستهدف حيثياتٌ سياسيةٌ طارئة، وحوامل اجتماعية جديدة، قادرة على وضع المخطط موضع التطبيق على الأرض، على الرغم من كل ما يحوزه القطاع من تراث مقاومة مجيدة، وشعب عنيد، وفصائل وطنية وإسلامية، وأسلحة صاروخية؟
من دون مكابرة، ومن غير ترفّع عن الحقائق الماثلة، نعم هناك ما يدعو إلى الخشية من نفاذ هذا المخطط الجهنمي هذه المرّة، وهناك أيضاً ما يدفع إلى الخوف من القبول به على نحو تدريجي صامت، ليس من النخب السياسية والاجتماعية والثقافية، وإنما من جانب الناس الذين أنهكهم الحصار المديد والفقر الشديد، ممن وجدوا أنفسهم داخل سجنٍ كبيرٍ مقام في الهواء الطلق، أو ربما في طنجرة ضغط محكمة الإغلاق، ينظرون حولهم فلا يبصرون مخرجاً، أو يجدون ملاذاً، أو يعثرون على إنجاز، أو يتراءى لهم أمل يلوح من بعيد.
وليت الأمر قد توقف عند هذا الوضع الذي باتت الحياة فيه لا تشبه الحياة، وإنما تفاقم الوضع المروّع في القطاع المخطوف والمقموع، الواقف على شفير الانهيار التام، ولعل ما نطق به حراك "بدنا نعيش" أخيرا، وما رافقه من انتهاكاتٍ وتكسير عظام وإذلال وتكميم أفواه، خير شاهد إثبات على ما آل إليه حال أناسٍ تصادر لديهم أبسط حقوق الإنسان، وتنتهك كراماتهم أمام العدسات، وينتظرون الموت الآتي لهم من الطائرات، ولا يجد بعضُهم قوت الأولاد أحياناً، فيما تشتد لديهم ظواهر الفقر واليأس والبطالة والتسوّل والمخدرات والدعارة ومرض السرطان، وفوق ذلك جباية الضرائب التعسّفية، والاعتقالات بجريرة تغريدةٍ على الشبكة العنكبوتية، أو حتى المشاركة في جنازة شهيد.
وبحسب كلام صادر عن كتاب وسياسيين وقادة يعيشون في غزة، ويشاهدون بأم العين ما يدور حولهم عن كثب، يتساءل المتسائلون، ويتحسبون بألم وجزع؛ ما الشيء الذي يُقنع الغزّي بعد بالبقاء تحت ضغط كل هذه الظروف المستحيلة، وقد انتفت كل مقومات الصبر والصمود؟ وما الذي سيحول بينهم، والتفكير بغاويات الهجرة، إذا ما تيسر لهم الخروج من وضع داخلي مأزوم، ليس فيه شربة ماء نقية، ولا كهرباء، ولا طبابة، ولا ديمقراطية، ولا عدالة، ولا قانون، ولا أمل ولا مساواة؟ وماذا إن توفرت له تذكرة ذهاب بلا إياب، ومن مطار قريب في النقب، إلى بلد غربي تحترم فيه المواطنة وحقوق الإنسان؟
تعليق: