تدوير زوايا الانتخابات الفلسطينية

08 أكتوبر 2019
الصورة
على الرغم من وجاهة بعض الشكوك المثارة، وجدّية الصعوبات المتراكمة، وموضوعية الأسئلة المطروحة، يبدو أننا مقبلون، هذه المرة، على إجراء انتخابات عامة فلسطينية، تكرّر تأجيلها، وطال انتظارها، وذلك بعد أن بلغ الاستعصاء مداه، ووصلت جهود المصالحة إلى حائط مسدود، وبات خيار الاحتكام إلى صندوق الاقتراع سبيلاً وحيداً لتجديد الشرعيات المتآكلة، وممرّاً إجبارياً لترميم بنية النظام المتهالكة، واستحقاقاً وطنياً ملحّاً أكثر مما كان عليه في أي وقت مضى.
وفيما تنشغل الشعوب العربية، كلٌّ بهمومه الذاتية المتفاقمة، وتمتلئ الشوارع الغاضبة بالمظاهرات العارمة، وتتركز الأضواء الساطعة على عدد من الميادين والساحات المشتعلة، ينخرط الفلسطينيون على نحو مفاجئ، في نقاشٍ داخليٍّ عاصف، من المقدّر له أن يحتد أكثر، إن لم نقل يشتط، لدى صدور مرسوم إجراء انتخابات عامة، لم يتبيّن موعدها بعد، ولم يتضح ما إذا كانت تشريعيةً ورئاسية معاً، أم اقتصرت على الأولى فقط في هذه المرحلة الحرجة.
ومن بين عشرات الأسئلة التي ينصبّ عليها النقاش منذ الآن، أحسب أن أهمها سيدور حول ما إذا كانت هذه الانتخابات ستشمل القدس وقطاع غزة، إلى جانب الضفة الغربية بالطبع، وتالياً ما العمل إذا رفضت حركة حماس الانضمام إلى هذه العملية، ناهيك عن ماهية القانون الذي ستجري الانتخابات التشريعية بموجبه، ومدى صحة هذه العملية، وسلامة تمثيلها إرادة الناخبين، في ظل الحالة الفلسطينية المعقدة.
ومع التسليم بمشروعية هذه المخاوف التي سبق لها أن أجلت إجراء الانتخابات غير مرة واحدة، بما في ذلك الخوف من تحويل الانقسام المديد إلى واقعة انفصال تام، إلا أن قوة الدفع الكامنة وراء القرار المزمع إصداره قريباً، قد بدأت تفعل فعلها على الفور، ومن المنطقي الافتراض بأنها ستشتد أكثر، وتأخذ زخماً أكبر مع مرور الوقت، لتتجاوز جل التحفظات، الموضوعية منها والمفتعلة، وتكتسح في طريقها معيقاتٍ كثيرة، سيما إذا جرت كانتخابات برلمانية لدولة تحت الاحتلال.
وفق ما يتسرّب من معلوماتٍ يعتد بها، وعلى أساس تقديراتٍ موضوعية، من المتوقع أن يصدر مرسوم الانتخابات وفق القائمة النسبية، وهو الأكثر عدالةً، وبجعل أراضي السلطة الوطنية دائرة انتخابية واحدة، يتم التنافس فيها بين قوائم حزبية، على أن يتم البدء بالتشريعية كونها أكثر إلحاحاً وأشد استحقاقاً، وتؤجل الرئاسية إلى وقت لاحق.
من المرجّح أن تعمل إسرائيل على منع الانتخابات في القدس، وأن تعرقل "حماس" إجراءها في قطاع غزة، وهما تحدّيان قابلان للتجاوز، إذا جرى تكوين قائمة وطنية، فيها شيءٌ من المحاصصة السياسية، وتم استخدام مخرجات تكنولوجيا الاتصالات الرقمية الحديثة التي ستمكّن الناخب من الإدلاء بصوته من خلال الهاتف الذكي أو الحاسوب، وفق ما هو معمول به في معظم الديمقراطيات الغربية، إذا تعذّر الوصول إلى قلم الاقتراع.
ومن المتوقع ألا يؤدي اللجوء إلى تقنية الاتصالات الحديثة، ولا أن يسفر حضور مراقبين دوليين، أو غير ذلك من أدوات الإشراف والتحقق، إلى سحب الاعتراضات على هذه الانتخابات، أو الطعن بها وبشرعية الإقدام عليها خارج نطاق ما يُعرف بالإجماع الوطني المتعذر تحقيقه، غير أن الحقائق ستدافع عن نفسها بنفسها في نهاية المطاف بكل بلاغة، وسيؤمن الاعتراف العربي والدولي بها التغطية اللازمة.
في الظن أن فصائل منظمة التحرير الفلسطينية ستشارك، بعد تردّدٍ قصير، في هذه الانتخابات الكاشفة للأحجام والأوزان، وذلك بعد أن تأخذ الضمانات بحصة عادلة ضمن قائمة وطنية مشتركة، تزيد عن عدد مقاعدها الحالية في المجلس التشريعي المحلول. ومن شبه المؤكّد أن "حماس" ستشن، في المقابل، حرباً كلامية ضارية ضد هذا التحوّل المقدّر له أن يُدخل سلطة الأمر الواقع في عزلة أشد من ذي قبل، ويضفي على القطاع صفة الإقليم المتمرّد.
وبالاسترسال أكثر في مثل هذا السيناريو الافتراضي، سوف تُحمّل قيادة منظمة التحرير والسلطة الوطنية وحركة فتح حركة حماس مسؤولية تجديد الانقسام وتأبيده، ومواصلة خطف غزة، وقد يحمل السلطة على اتخاذ مزيدٍ من العقوبات المالية، من دون أن تنسى الإعراب لفظياً عن شديد الأسف إزاء إصرار الشركاء في الوطن على هذا الموقف، فيما سترحب القيادة الفلسطينية في قرارة نفسها بهذا الرفض العدمي، وربما تشكرهم من صميم قلبها.