تدهور الليرة اللبنانية وسط فشل حاكم "المركزي" بدعمها: سعر الدولار يساوي 2500

10 يناير 2020
الصورة
احتكار الدولار في سوق الصرافين و"تقطير" بالمصارف (فرانس برس)
+ الخط -
لم يترك حاكم "مصرف لبنان" المركزي، رياض سلامة، محاولة إلا وبذلها خلال حديث تلفزيوني ليل الخميس، من أجل تهدئة المخاوف المالية ولجم تدهور سعر العملة الوطنية التي استكملت ما يشبه انهيارها اليوم الجمعة ببلوغ الدولار 2500 ليرة مع غياب سيولة العملة الصعبة، غير مبالية بتطمينات الحاكم.

التاجر خليل الأحمد أكد لـ"العربي الجديد" أن الدولار بلغ صباح اليوم الجمعة، 2500 ليرة، بعدما سجل صباح الخميس 2400 ليرة قبل أن يرتفع تدرّجاً إلى 2450 ليرة شراء من الزبائن عصر أمس مع تجنّب بيعهم.

وفي السياق عينه، تحدث صرّاف فضّل عدم ذكر اسمه في تصريح لـ"العربي الجديد"، عن تلاشي السيولة الدولارية في سوق الصرافين على نحو ملحوظ اليوم الجمعة، بعدما كانت متوافرة بكثرة في الآونة الأخيرة.

صرّاف آخر، طلب عدم نشر اسمه، قال لـ"العربي الجديد" إنه وزملاءه يراهنون على ارتفاع أكبر وأسرع للدولار، ولذلك يحاولون الاحتفاظ بما لديهم من العملة الخضراء لبيعها بسعر أعلى، وسط توقعات متزايدة بارتفاع مرتقب لسعره إلى 3 آلاف ليرة.
ويأتي جموح سعر الدولار اليوم رغم تأكيد حاكم "مصرف لبنان" ليل الخميس، أن المصارف اللبنانية لا تعاني إفلاسا، وأن الودائع آمنة، مع تأكيده أيضا أن البلد بحاجة للدعم الخارجي لانتزاع نفسه من الأزمة الراهنة.

وفي أول تصريح مطول له منذ قرابة الشهرين، قال سلامة إن دولة قطر أبدت استعدادا لمدّ يد العون للبنان الذي يواجه نقصا حادا في الدولار وأسوأ أوضاع اقتصادية منذ الحرب الأهلية التي دارت من عام 1975 إلى عام 1990.

وقال سلامة إن "العمل على تأمين استمرارية التمويل للبنان ليس أمرا سهلا، ولبنان بحاجة لدعم خارجي". وفي إشارة إلى زيارته الأخيرة إلى قطر قال: "أعتقد أن القطريين يريدون أن يدعموا لبنان... ولبنان بحاجة لدعم خارجي".

وقال سلامة إن التمويل قد يأتي من هؤلاء المانحين الأجانب ودول الخليج العربية وإن التواصل مع صندوق النقد الدولي يقتصر حتى الآن على الدعم الفني، مضيفا أن الدولة اللبنانية لم تُجرِ مفاوضات مع صندوق النقد الدولي لمعرفة الشروط التي سيضعها.

السيولة موجودة والودائع مؤمّنة!

وسعيا لطمأنة المودعين الذين تضرروا من القيود الصارمة على رأس المال منذ تفجر الاحتجاجات، قال سلامة إن "المركزي" لديه سيولة حجمها 31 مليار دولار، وإنه مستعد للتدخل لتأمين السيولة المطلوبة لدى المصارف، مضيفا أن "الطلب على العملة الورقية مرتفع جدا ومصرف لبنان لا يحتجز أموال المصارف، والمصارف تتعاطى مع الزبائن بالطريقة التي تراها مناسبة".
ومضى قائلا إن "الودائع في القطاع المصرفي مؤمّنة والمركزي حاضر لتأمين السيولة للمصارف". وقال: "ما في انهيار". "اليوم البنك المركزي أعلن بشكل واضح أننا نحن سنلبي السيولة المطلوبة للمصارف بالعملتين، وهذا أمر استثنائي أن نلبي أيضا بالدولار".

لكن سلامة أكد في المقابل أن "المركزي" اشترط أن "الدولار الذي نعطيه للمصارف لا يجري تحويله إلى الخارج، وإلا سيصبح احتياطي مصرف لبنان كله بالبنوك الخارجية. هذا الأمر يجعلنا نؤكد أنه ليس هناك إفلاس لأي مصرف"، مضيفا أن "السيولة موجودة ومتوافرة".

قيود مصرفية أكثر تشدّداً

في السياق، لا تزال البنوك اللبنانية تخالف توجيهات "جمعية مصارف لبنان" القاضية بفرض قيود أجمع عليها مجلس إدارتها لتوحيد التعامل مع الزبائن من دون تمييز أو محسوبيات، بحيث إن المصارف تبالغ أكثر في تشديد قيودها، وبدلاً من سماحها للزبون بسحب 1000 دولار أسبوعياً، خفضت السقف أواخر عام 2019 إلى 300 دولار، بينما ذهب بعض البنوك إلى خفض السقف أكثر إلى 200 دولار مع بداية عام 2020.

وتؤكد مصادر جمعية المصارف لـ"العربي الجديد"، أن غياب حكومة فاعلة تزامناً مع شحّ السيولة في البلد، رغم حديث المصرف المركزي عن احتياطي يناهز 38 مليار دولار، مضافة إليها تعقيدات المشهد الإقليمي بعد التطور الخطير بين إيران والولايات المتحدة، كلها عوامل تضاعف الضغوط على لبنان وتخلق نوعاً من الفضاء الأكثر تحرّراً تمارس فيه بعض البنوك عمليات استنسابية في السحب والتحويل، وسط ضعف ملحوظ للرقابة المركزية من قبل "لجنة الرقابة على المصارف" أو "مركزية المخاطر" لدى المصرف المركزي.

مخاوف التجار واحتكارهم

في غضون ذلك، لا تزال الهيئات التجارية المستوردة للسلع والمواد الأولية من الخارج تشكو من قلة سيولة الدولار، الذي تضطر إلى شرائه من الصرّافين بأسعار تختلف من صرّاف إلى آخر، إنما في سياق تصاعد مستمر أصبح يتهدّد قدرتهم على تمويل صفقاتهم، وبالتالي الأمن الغذائي والحياتي للمواطنين، أكان بالنسبة إلى الأدوية والقمح والمحروقات التي تعهّد المصرف المركزي بتمويل 15% من عملياتها الدولارية، والتي لا تزال موضع شكوى من التجار لصعوبة التعامل بهذه الآلية، أم بالنسبة إلى السلع الاستهلاكية الأُخرى التي يحتاج إليها المواطنون المضطرون إلى شرائها بأسعار التجزئة التي يفرضها أصحاب الوكالات الحصرية الاحتكارية على السلع المستوردة في السوق المحلية.
والملاحَظ من جولة قامت بها "العربي الجديد" في الآونة الأخيرة، أن الأسعار في المتاجر الصغرى والكبرى على السواء، ارتفعت عموماً بنسبة وصلت إلى 40%، وإنْ بتفاوت بين بائع وآخر، مع غياب لافت للكثير من العلامات التجارية واستبدالها ببضائع أرخص، وخصوصاً تلك القادمة من الجارة سورية، وهو نسَق من التجارة قائم منذ زمن بعيد في الأطراف، وتحديداً في مناطق البقاع ولبنان الشمالي المحاذية لسورية، والتي تمرّ عبر الحدود إليها كميات ضخمة من البضائع الأقل جودة وثمناً، كذلك فقد اعتاد مواطنو تلك المنطقة العبور إلى القرى والمدن السورية المختلفة للتبضّع والحصول على الخدمات الطبية بتكاليف أدنى مما هي عليه في لبنان.

وفي خضمّ هذا المشهد المؤلم على المستويَين الوطني والاجتماعي، والمخيّب على المستويَين السياسي والحزبي في لبنان، العاجزة أطرافه المتنازعة عن تأليف حكومة تُلبّي طموحات اللبنانيين وتجعل مصلحة بلدهم فوق كل اعتبار، يبقى المواطن وأسرته الحلقة الأضعف التي تدفع ثمن الغلاء وشحّ المال وخسارة الوظائف، بعدما دفعت أثماناً باهظة في شتى مراحل الخراب والدمار التي أنتجتها الحروب الداخلية والعدوان الإسرائيلي المتكرّر على البلاد والعباد.