تدمير وتشريد وسطو... ثلاثية النظام السوري لمعاقبة المدن الثائرة

29 مايو 2020
الصورة
تدمير المدن الثائرة ضمن سياسة العقاب الجماعي (Getty)
طوال تسعة أعوام من عمر الثورة السورية، لجأ النظام السوري وحلفاؤه إلى تدمير المدن الثائرة عليه، والخارجة عن سيطرته، كعقاب لأهلها ضمن أدواته في وأد الثورة، وتركز ذلك خلال الحملة العسكرية على إدلب وما حولها، ما أفرغ الكثير من القرى والمدن بعد تدميرها بشكل ممنهج، ومن بينها مدينتا معرة النعمان وسراقب، اللتان تعدان من أهم مدن إدلب، شمال غربي سورية.

وفي السياق، قالت "الشبكة السورية لحقوق الإنسان"، في تقريرها الصادر اليوم الجمعة، إن تدمير مدينتي معرة النعمان وسراقب (جنوبي ووسط إدلب)، وتشريد السكان "نموذج واضح عن تكتيك النظام السوري الذي اتبعه ضمن الحملة العسكرية الأخيرة، التي بدأت منذ مطلع ديسمبر/ كانون الأول من العام الماضي وحتى مارس/ آذار من هذا العام"، مشيرة إلى أنَّ "تدمير المدن وما حولها، وتشريد أهلها والسطو على ممتلكاتهم، ثلاثية النظام السوري الخبيثة لمعاقبة المطالبين أو الحالمين بالتغيير السياسي".

واستعرض التقرير، الذي جاء في 25 صفحة، جانباً من التدمير والتشريد القسري في إدلب وما حولها، وأشارَ إلى أن النظام السوري وحليفيه الروسي والإيراني يتصدرون بقية أطراف النزاع بمسؤوليتهم عن عمليات التشريد القسري بفارق شاسع؛ وعزا ذلك لأسباب عدة، على رأسها استخدام سلاح الطيران، والقصف البربري العنيف، وخوف السكان من عمليات انتقامية وحشية، أو من الاعتقال والتعذيب أو التجنيد اللاشرعي.

وأوضح أنَّ الحملة العسكرية المركزة، التي بدأت في 26 إبريل/ نيسان 2019، كانت قد تسبَّبت في الأشهر الأولى منها في تشريد مناطق واسعة، قبل أن يكثف النظام السوري وحلفاؤه نهاية عام 2019 من هجماتهم العسكرية على محافظة إدلب وما حولها، مستهدفاً في هذه الحملة مدينة معرة النعمان وسراقب وما حولهما، وريف حلب الشمالي الغربي.

واستند التقرير إلى عملية تحليل للدمار الذي تعرضت له مدينة معرة النعمان (كبرى مدن جنوب إدلب)، بسبب عمليات القصف التي تعرضت لها منذ إبريل/ نيسان 2019، والذي تركَّز على المناطق الجنوبية منها، مستعيناً بصور أقمار صناعية ذات دقة عالية أظهرت مساحة المدينة كاملة، كما استعرض عدة أدلة بصرية لمواقع اختارها كأمثلة توضِّح عينات من الدمار الكلي للمدينة، وقدَّم تحليلاً إضافياً للدمار الذي حلَّ بمدينة سراقب.

وأشار التقرير إلى أن النظام السوري وحليفه الروسي كانا يقومان بعمليات قصف مستمرة شبه يومية على مدينة معرة النعمان، لم تقتصر مطلقاً على الحملة الأخيرة التي بدأت مع نهاية العام الماضي، إلّا أنَّها اشتدَّت وكانت أكثر تركيزاً في غضونها.

وطبقاً للتقرير، فإن "تشريد أهالي مدينتي معرة النعمان وسراقب مرتبط بشكل عضوي بعملية الدمار، لأن عمليات تدمير المدن والبلدات كانت هدفاً مقصوداً من أجل دفع الأهالي نحو الاستسلام والتشرد والذل". واعتبر التقرير أن "المشردين عادة ما يكونون أكثر فئات المجتمع فقراً؛ نظراً لخسارة منازلهم ومحتوياتها ومحلاتهم التجارية".

وقدَّم التقرير مدينة معرة النعمان كنموذج دراسة عن واقع التدمير الذي وقع على المدن في الحملة الأخيرة التي بدأت في مطلع ديسمبر/ كانون الأول من العام المنصرم، وذلك نظراً لأنها المدينة الأكبر وذات الكثافة السكانية الأعلى بين المناطق التي سيطر عليها النظام السوري وحلفاؤه في حملتهم الأخيرة، التي امتدت حتى مارس/ آذار من هذا العام.

واعتمد التقرير على صور ملتقطة بالأقمار الصناعية في 27 فبراير/ شباط الماضي، أي بعدما سيطر النظام السوري وحلفاؤه على المدينة بشهر كامل، وذكر أنه تم تحديد نقاط الدمار في المدينة، التي بلغت قرابة 770 نقطة، توزعت على  15 منبى مدمر بشكل كامل، و716 نقطة لمبنى متضرر بشكل متوسط، و36 نقطة لمبنى متضرر بشكل طفيف.

وأشار التقرير إلى أنه تم حساب نسبة نقاط الدمار إلى مساحة المدينة المأهولة بالسكان التي قام فريق العمل بتحليلها، والتي تبلغ قرابة 8.5 كلم مربع (850 هكتارا)، وخلص إلى أنه في كل 1 كلم مربع توجد 90 نقطة تعرضت للدمار (9 نقاط في كل 10 هكتارات)، أي أن ما لا يقل عن 2% من مساحة المدينة مدمر بشكل كامل، وقرابة 40% منها مدمر بشكل جزئي.

وأشارت الشبكة في تقريرها إلى أن "التدمير الذي أصاب مدينة معرة النعمان ليس حالة فردية، بل بالإمكان إلى حدٍّ بعيد تعميمه على مختلف المدن والبلدات التي يرغب النظام السوري بالسيطرة عليها". 

وفي هذا السياق، استعرضت الشبكة في التقرير ذاته مدينة سراقب كنموذج إضافي يظهر أن "تدمير المدن والبلدات وتشريد أهلها هو هدف بحدِّ ذاته لدى النظام السوري من أجل إيقاع أقسى أنواع العقوبات الممكنة على كل من طالب بالتغيير السياسي".

النظام يستهدف حاضنة الثورة

وفي تصريح لـ"العربي الجديد"، قال الناشط المدني والرئيس السابق للمجلس المحلي في مدينة معرة النعمان ناصر هزبر، إن "النظام عمد إلى تدمير كافة المدن المحررة (الخارجة عن سيطرته) بشكل عام في الشمال السوري، لكن في الفترة الأخيرة، وبسبب أن المدينة كانت تعد أكبر حاضنة للثورة والتجمعات الثورية، جعلها هدفاً أكثر من غيرها، بالإضافة إلى الكثافة السكانية من أهل المدينة ومن النازحين الموجودين هناك، حيث يعمد النظام السوري لاستهداف الأماكن المأهولة بالسكان وذات الحاضنة الثورية ليدخل اليأس إلى قلوب المدنيين وبالتالي النزوح".

واوضح هزبر أنه "خلال 8 سنوات الماضية من عمر الثورة، قام النظام وحلفاؤه الروس باستهداف العديد من المنشآت الحيوية، منها المدارس والمشافي ومحطات المياه، وعمدوا إلى تدمير هذه البنى واستهدافها بشكل متكرر من أجل بث اليأس والرعب في قلوب الناس"، مشيراً إلى أن "معرة النعمان واحدة من أهم العقد والمدن الرئيسية الثلاث على الطريق السريع M5، بالإضافة إلى ضمها أكبر معسكرين ضمن الشمال السوري (الحامدية ووادي الضيف)، وخروج قوات النظام المذل من كلا المعسكرين جعل المعرة وأهلها هدفاً متكرراً للنظام وحلفائه".

وحول التجاوزات الأخيرة بحق الممتلكات العامة والخاصة بعد سيطرة قوات النظام وحلفائها على المدينة، أكد هزبر أنه "لدينا معلومات ورأينا صوراً جوية وفيديوهات تم تسريبها تظهر عمليات السرقة والنهب التي تقوم بها مليشيات الفرقة 25 التابعة لسهيل الحسن في المدينة، ونشرت صورة جوية تظهر الملعب البلدي وكيف تمت سرقة أرضية الملعب البلدي وتخريبه، وتم تسريب ونشر العديد من الفيديوهات والصور التي تثبت وقائع سرقة ممنهجة للمدينة بشكل كامل، بالإضافة إلى عمليات الحفر في الطرقات الرئيسية لسحب الكابلات المددة تحت الطرقات". 

وأضاف: "قامت قوات النظام وحلفاؤه بالعمل على حرق ممتلكات المدنيين في المعرة وتصوير فيديوهات تهديد لأصحاب البيوت الذين نزحوا من المعرة خوفاً من القتل والتجنيد الإجباري في حال عودتهم"، مبرزا أنه "بالإضافة إلى كل ما سبق، قامت قوات النظام والمليشيات الرديفة لها بتعذيب شخصين ممن لم يتمكنوا من النزوح، وقام عناصرها بنهاية الأمر بقتلهما وحرق جثتيهما وتصوير أنفسهم مع الجثتين وهم يقفون عليهما، ولا تزال تلك القوات تقوم بحرق وتدمير ونبش القبور في المناطق التي تسيطر عليها حديثاً، لبث الرعب بقلوب النازحين لتخويفهم من أجل ألا يعودوا لمناطقهم، بالإضافة للتهديد بالأعمال الانتقامية، وذلك لوضع اليد على الممتلكات وسرقتها، وبذلك يتم إيصال رسالة للناس بأن ثورتكم فشلت وستبقون تحت حكم النظام ولن تستطيعوا أن تأخذوا أي حق من حقوقكم".

وعلى المنوال ذاته، تم تدمير مدينة سراقب في الريف الأوسط من إدلب وإلى الشرق من مركز المحافظة، في الطريق إلى السيطرة عليها بعد ذلك. 

وأشار الصحافي محمود بكور، وهو أحد أبناء المدينة، إلى أن "النظام، مدعوماً بقوات روسية، تمكن من السيطرة على مدينة سراقب، والتي تعد من أهم المدن في محافظة إدلب، كونها عقدة الطرق الدولية m4, m5، وهي القلب النابض لمحافظة إدلب، لأنها تربط جميع المناطق بعضها ببعض، لذلك عمدت القوات إلى تدمير المدينة بشكل يومي منذ بدأت العملية العسكرية على محافظة إدلب، نهاية شهر إبريل/ نيسان من العام الماضي، حتى بسطت السيطرة على مدينة سراقب في فبراير/ شباط من هذا العام، بعد استهداف المنشآت الخدمية والطبية، وحتى مركز الدفاع المدني أيضا والمدارس والأسواق الشعبية، فتحولت المدينة إلى كتلة من الدمار جراء تكثيف الغارات عليها، ما دفع السكان إلى النزوح بعيداً عنها". 

وأكد أنه "لأول مرة منذ انطلاق الثورة السورية تعيش مدينة سراقب من دون أهلها الذين يبلغ تعدادهم قرابة 65 ألف نسمة، إضافة إلى أن المدينة كانت قد استقبلت قرابة 20 ألفاً من النازحين من باقي المحافظات السورية، كانوا قد وصلوا إلى مدينة سراقب بعد عمليات التهجير المتكررة، ولكن الآن أصبح جميع من يسكن مدينة سراقب نازحاً في المناطق الشمالية من إدلب".

وأضاف بكور، في حديثه لـ"العربي الجديد"، أن "النظام لم يكتف بتدمير البنية التحتية للمدينة، بل عمد عبر عناصره والمليشيات المرتزقة إلى سرقة أثاث المنازل وممتلكات الأهالي فيها"، مشيراً إلى أن "معظم أهالي مدينة سراقب لم يقوموا بإخراج ممتلكاتهم بسبب الحملة الشرسة التي تعرضت لها المدينة، فتركوا جميع ممتلكاتهم داخل منازلهم ومحالهم التجارية". 

وأضاف أن "موالي النظام بمواقع التواصل الاجتماعي نشروا العديد من الصور والفيديوهات، تبين عمليات النهب الممنهج، وحتى سرقة كوابل الكهرباء المنزلية من داخل المنازل". 

وأكد أن "مدينة سراقب تعد من المناطق التي تشتهر بالزراعة والخضروات، ومنذ عدة أيام تعمل قوات الأسد على حصد المحاصيل الزراعية في محيط مدينة سراقب، وتقوم بحرق باقي الأراضي بعد الانتهاء من سرقتها وسرقة محاصيلها".

وتعد مدينة معرة النعمان، جنوبي إدلب، وعلى الطريق الدولي حلب – دمشق، مركزاً حضارياً وتاريخياً هاماً، وعرفت المدينة بتاريخ من العداء مع نظام الأسدين الأب والابن، وكانت من المدن السباقة للانخراط بركب الثورة السورية منذ بدايتها، ما جعلها عرضة للانتقام بالقصف المتواصل. 

وكان النظام قد دخل المدينة خلال الحملة العسكرية الأخيرة في 28 من يناير/ كانون الثاني من هذا العام، بعد حملة قصف واستهداف جنونية، ما أدى لتشريد جميع سكانها منها.

كذلك، تعد سراقب عقدة طرقية هامة بين طريقي حلب – دمشق "أم 5"، واللاذقية – حلب "أم 4"، وسط محافظة إدلب، ما جعل النظام يستميت للسيطرة عليها، وكان له ذلك خلال الحملة الأخيرة في الخامس من فبراير/ شباط من العام الحالي، إلا أن قوات المعارضة دحرت قواته عن المدينة بعد فترة قصيرة، ليعود النظام لاسترداد المدينة في الثالث من مارس/ آذار، أي بعد حوالي شهر.

تعليق: