تدمير الزراعة في الجفتلك: ضم مسبق للأغوار الفلسطينية

تدمير الزراعة في الجفتلك: ضم مسبق للأغوار الفلسطينية

02 يونيو 2020
الصورة
اقتلعت آليات الاحتلال شبكة ري المزروعات (عثمان نصاصرة)
+ الخط -

وقف المزارع منير نصاصرة، من قرية الجفتلك بالأغوار الوسطى الفلسطينية، شرقي الضفة الغربية، عاجزاً عن الكلام وهو ينظر بحسرة إلى الدمار الكبير الذي ألحقته قوات الاحتلال الإسرائيلي بأراضيه الزراعية، ما كبده خسائر مالية فادحة.

وكانت قوات الاحتلال الإسرائيلي قد ضربت، صباح أمس الإثنين، طوقاً عسكرياً على الجفتلك، التي تبعد 35 كيلومتراً شمال مدينة أريحا، شرق الضفة الغربية المحتلة، وشنت عمليات مداهمة للمنازل، واعتقلت خمسة من ساكنيها، في الوقت الذي كانت فيه آلياتها العسكرية تقتلع شبكة ري المزروعات لنصاصرة التي تمتد لعشرات الدونمات، وتغذي أشجار العنب والنخيل. يقول نصاصرة، لـ"العربي الجديد": "لم يقدم ضباط الإدارة المدنية الإسرائيلية أي مبرر لما قاموا به. هم صمتوا، لكن عناصرهم على الأرض دمروا حياتي، اقتلعوا شبكة ري المياه وصادروها، وقطعوا الأنابيب الموصلة لبئر المياه الجوفية، وهذه كلفتها تزيد عن 70 ألف شيكل (20 ألف دولار أميركي)، لكن المصيبة التي تنتظرنا هي تلف محصول العنب والنخيل الذي يحتاج يومياً إلى كميات كبيرة من المياه".

وعن الخسائر التي لحقت به، يوضح نصاصرة، الذي يعود مسقط رأسه إلى بلدة بيت فوريك، شرق نابلس، شمال الضفة الغربية، ويعيش في الجفتلك منذ سنوات طويلة، "إنتاجي المتوقع يزيد عن 60 طناً من العنب، ومثله من التمور. وفي ظل تخريب الاحتلال لشبكات الري ومصادرة خزانات المياه وإغلاق البئر الوحيدة في المنطقة، ومع توالي ارتفاع درجات الحرارة التي تقترب من 40 مئوية، فهذه وصفة مؤكدة لإتلاف محاصيلي كاملة". ويضيف "خسارتي وخسارة جيراني من المزارعين ستكون ضخمة جداً. وفي أقل تقدير ستزيد عن 600 ألف شيكل، وفي المجمل عن 200 ألف دولار أميركي. وهذه ستكون الضربة القاضية لوجودنا على هذه الأرض".

ويؤكد عثمان نصاصرة، ابن شقيق منير، أن ما أقدم عليه الاحتلال في الجفتلك هو تهيئة للفلسطينيين لما ستكون عليه المرحلة المقبلة في ظل إعلان حكومة الاحتلال ضم الأغوار. ويقول عثمان نصاصرة، لـ"العربي الجديد"، إن "قرار الضم لم يعلن رسمياً، لكنه مطبق تماماً على الأرض. أوقفني جنود الاحتلال على الحاجز العسكري الذي نصبوه على مدخل الجفتلك، وطلبوا هويتي، ثم أمروني بالعودة إلى نابلس". ويضيف "قلت لهم إنني أسكن وأعمل في الجفتلك منذ سنوات طويلة، وقدمت لهم ما يثبت ذلك، فقال لي أحد الجنود حرفياً: اليوم يسمح لك بالمرور، لكن المرة الجاي (القادمة) بدك تصريح". وعادة ما يحتاج الفلسطينيون إلى تصريح للوصول إلى المناطق الخاضعة للسيطرة الكاملة للاحتلال، وهذا مؤشر على قرب ضم الجفتلك والأغوار لإسرائيل وحاجة الفلسطينيين إلى أذونات للوصول إليها.

ويشير الباحث في مركز أبحاث الأراضي رائد موقدي إلى أن "الإجراءات الإسرائيلية في الأغوار ليست جديدة، بل تندرج ضمن خطة استراتيجية وضعت قبل عقود طويلة، للسيطرة عليه بالتدريج، وبشكل كامل في النهاية". ويوضح موقدي، لـ"العربي الجديد"، أن الخطة تقوم على تفريغ الأغوار من الوجود البشري الفلسطيني، أو على الأقل تقليصه إلى أكبر حد ممكن، وكذلك السيطرة على الموارد المائية. ويتابع "على سبيل المثال، كان في الجفتلك 23 بئراً ارتوازية ناشطة وتضخ المياه العذبة، لكن لم يبقَ منها حالياً سوى بئر واحدة. وفي المقابل فقد حفر الاحتلال عدداً من الآبار الارتوازية التي سرقت المخزون المائي بصورة شبه كاملة، وتركت المزارع الفلسطيني يشتري المياه الموجودة في أرضه ممن يحتلها". ويوضح "كان المزارعون ينتجون أنواعاً كثيرة من الخضار والفواكه نظراً لخصوبة التربة وتوفر المياه، لكنهم اليوم لا ينتجون سوى العنب والنخيل، حيث تقلصت مساحة الأراضي الزراعية بشكل كبير جداً، وحلت مكانها المستوطنات والمعسكرات التابعة لجيش الاحتلال". ويبلغ عدد سكان الجفتلك، بحسب إحصاء أجري في العام 2017، نحو 3500 نسمة. وتبلغ مساحتها الإجمالية 185 ألف دونم، منها 1110 دونمات عبارة عن مسطح بناء للقرية. وصادر الاحتلال من أراضيها ما مساحته 120 ألف دونم.

وتأتي إجراءات الاحتلال في الجفتلك، بعد أيام من تسليم "الإدارة المدنية" التابعة لسلطة الاحتلال الإسرائيلي بعض الهيئات المحلية في الأغوار الفلسطينية، شرق الضفة الغربية المحتلة، فواتير الكهرباء مباشرة، بعيداً عن التعامل مع جهات فلسطينية رسمية، في سابقة هي الأولى من نوعها. ودرجت العادة أن يقوم الاحتلال بتحويل فواتير الكهرباء المترتبة على المجالس المحلية في الأغوار لسلطة الطاقة الفلسطينية، أو مكتب الارتباط المدني، واقتطاعها من أموال المقاصة التي تجبيها إسرائيل نيابة عن السلطة الفلسطينية. وتلك الخطوة الإسرائيلية المستجدة رأى فيها مسؤولون فلسطينيون تطبيقاً لأولى خطوات قرار الضم الإسرائيلي، عبر وقف التعامل مع الجهات الرسمية الفلسطينية والتواصل بشكل مباشر مع الهيئات المحلية الفلسطينية، ورداً على قرار السلطة وقف التنسيق الأمني مع إسرائيل، وسط تحذيرات من التعاطي مع الإجراءات الجديدة التي باشر بها الاحتلال.

واعتبرت وزارة الخارجية الفلسطينية في بيان، أمس الإثنين، أن الإعلام الإسرائيلي "كشف عن وجود تطابق كبير بين أوامر الإخلاء الصادرة عن الحكومة الإسرائيلية وخطة ضم أجزاء من الضفة الغربية المحتلة والأغوار، حيث تتركز عملية الإخلاء وأوامر الهدم والمصادرة ما بين 2005 و2018 على الأغوار المحتلة، والتي تشمل ما يقارب 5000 دونم". وأضافت "وفقاً للإعلام أيضاً، فإن هذه الأوامر لا تتعلق بالبناء غير القانوني فقط، وإنما أيضاً باقتحامات أو تمهيد وتسوية الأرض، أو قرارات مصادرة أو تخريب خطوط المياه، وغيرها، وهذا يشمل الأرض الفلسطينية المستهدفة بجميع تصنيفاتها، سواء كانت أراضي دولة أو خاصة، علماً أن تلك الأوامر الاستعمارية تصاعدت بشكل ملحوظ بعد إعلان الشق السياسي مما يسمى صفقة القرن"، في إشارة إلى الخطة الأميركية لتصفية القضية الفلسطينية. ورأت وزارة الخارجية الفلسطينية أن "هذا التطابق دليل جديد على أن دولة الاحتلال، وأذرعها المختلفة، تنفذ العديد من الإجراءات والتدابير الاستعمارية التوسعية التي تهدف إلى تكريس ضم القدس وفرض القانون الإسرائيلي على مناطق الأغوار منذ سنوات، وتمثل تأكيداً جديداً على أن إدارة (الرئيس الأميركي دونالد) ترامب تبنت بالكامل الرواية الإسرائيلية، ومخططات دولة الاحتلال التفصيلية التي تحقق مصالحها وتوسعها الاستعماري على حساب أرض دولة فلسطين. بمعنى أن ما تسمى صفقة القرن لا تمت بصلة لأي خطة للسلام، إنما هي إعلان أميركي رسمي بتبني كامل المشاريع الإسرائيلية الاستعمارية التوسعية".

المساهمون