تداعيات حول الرواية

11 اغسطس 2020
الصورة
إبراهيم تشالي/ تركيا

بلغت الحيرة بالباحثين والنقّاد زمناً طويلاً، وما زالت، حول سؤال: من اخترع السرد؟ المقصود بالسؤال السحر الذي تمارسه الرواية على القرّاء، إذ على مدى العصور، ومهما كانت تحوّلاته وانحرافاته، وضوحه وغموضه، صعوده وانحداره، يسرد قصّة الإنسان في الحياة، دائماً ما تبدأ، ودائماً بلا نهاية.

صحيح أن الرواية تُصنع في مختبرات الأدب، والأصح في مختبرات الحياة؛ الشوارع، البيوت، الحقول، القصور، القلاع، السجون، بلاطات الملوك، ساحات القتال، مخادع النوم، الأسواق... لا تستثني مكاناً. أمّا المواقع، فلا تحديد، الصحارى لا تقل عن المدن، والعواصم الكبرى لا تزيد عن الأرياف، الأرض ما فوقها وما تحتها، وقد تدور بين الغيوم في عنان السماء.

من أول من كتب الرواية، أو ما هي أول رواية في العالم؟ النزاع مستمر بين الثقافات. هل هي رواية "باميلا" للإنكليزي صمويل ريتشاردسون 1740 أم رواية "حكاية جينجي" لموراساكي شيكيبو، من سيدات البلاط الياباني حوالي 1015، أم رواية "الحمار الذهبي" لمن يُدعى لوكيوس أبوليوس أواخر القرن الثاني الميلادي، الكاتب الليبي أو الأمازيغي أو الجزائري... هل جنسيته ضرورية؟ وربما شهرزاد الروائية الحاذقة التي قصت على شهريار "ألف ليلة وليلة"... هذا إذا لم تكن من سلالة متخيّلة كأسطورة "ملحمة جلجامش" السومرية، أو الأساطير الإغريقية حيث آلهة الخصب والبحار والرعد والمطر والحب... يمارسون ألاعيبهم، ويخوضون مغامرات هي حروب غرامية، وينشدون السلام للبشر، ولا يعفون مثلهم عن الخطايا.

ما الرواية إلّا كيف يرى العالم نفسه في مرآة الزمان

تحتوي المختبرات على أدباء مكلّفين بكتابة الروايات، غالباً يتطوّعون لهذه المهمّة عن رغبة متوقّدة، وتوق جارف، ربما من أجل المال، مع أنه ليس دافعاً يُعتد به، وإن راودهم، فقد يصبح أولوية فيما بعد، بينما الشهرة هدفهم، لا يتعبون من طلبها، أمّا المعين المرافق لمسيرتهم، فهو تجربة الحياة من خلال الكتابة، لا ترضيهم حياة واحدة، فلا يكفّون عن الكتابة، كل رواية تهبهم حياة أخرى.

الحياة تطرح رواياتها، وما الروائيّون إلّا أنهم يأخذونها منها، أحياناً تسرقها الحياة، ولا تزيد الروايات عن أن تكون طبق الأصل، لما يجري على بعد شارع أو شارعين عن بائع الكتب. فالرواية قد لا تزيد على ما نراه، وما نخشاه، وما نرتكبه من جرائم، وما نقترفه من آثام، وما نطمح إليه، ما نلفظه ويلفظنا، ما نحبه وما نكرهه، طيبتنا وخياناتنا... زيفنا وادعاءاتنا. أخيراً وأولاً، شجاعتنا في كتابتها. 

الرواية اعتراف، لذلك لا تصح الرواية إلّا إذا كانت عن الحقيقة، حتى عندما نكذب. إنها نحن في جميع وجوهنا، لا يتخلّف عنها البريء والمجرم، الساذج والأحمق، الطيب والشرير، المسكين والحقير، العادل والسافل... فإذا كانت الرواية هي نحن، ففي الخلفية الحياة، وإن كانت في الصميم، إذ هي في المقدمة؛ الصراع حولها ومن أجلها، وإذا كانت تبالي بنا، فليس كثيراً، تدعنا للمصادفات، وقد تصل إلى مرتبة الأقدار الغاشمة أو الرؤوفة، تصنع أفراحنا وأتراحنا، تتقاسم أعمارنا، قسمة غير عادلة، ولا مهرب منها. ليس هناك إنسان لم يعرف الفرح، ولا إنسان لم يعرف الحزن. منها نستدرج رواياتنا. 

تواكب الرواية الحياة، وتسير على إيقاعها، لا تتوقّف الصلة بينهما إلا بانتهائها، وكلّما حاولت الابتعاد عنها والخروج عن طوقها باختلاق ذرائع ابتكرت عوالم من مجرّد تخيل، والتلاعب بالزمان والمكان، أو الهروب إلى المجهول، لا تلبث أن ترتد إلى قواعدها، إلى الحياة التي أنجبتها.

لا يعني أن الرواية متجمّدة، بل يُعاد اختراعها في كل عصر، إن لم يكن كل قرن أو عقد، في اختراع دؤوب متواصل، وأشبه بأنها تتوالد من بعضها بعضاً، فتحمل ملامح الآباء والأجداد.
لكن لكل زمن رواياته، وما الرواية إلّا كيف يرى العالم نفسه في مرآة الزمان!


* روائي من سورية