تحية إلى الرفيق غالب

10 مايو 2019
الصورة
(ضريح غالب في منطقة "نظام الدين" في دلهي)

يقوم الفنّانون والشعراء أولاً، وقبل كل شيء، بجعل حياتنا موسيقية وغنائية، بابتكارهم ظروفاً من الفرح والنشوة. بعد ذلك، ينيرون عقولنا، ويدلوننا إلى أرقى حالاتنا إنسانية.

ميرزا غالب، الذي رحل قبل 150 عاماً، هو من بين أكبر الفنانين الذين تتزايد شعبيتهم بمرور الوقت، ومن المحزن أنه لم يحقق المكانة التي يستحقها وهو حي. صحيح أن أشعاره انتشرت، في شبابه، في الدوائر الأُردية في أغرا ودلهي وجميع مدن شمال الهند، غير أن شعره كان مختلفاً، سواء من حيث الشكل أو المعنى، عن الأسلوب السائد والمفضّل في زمنه. كان لأشعاره معنى جديد، وكان لها جمال جديد. ولفهمها والاستمتاع بها، كانت هناك حاجة لجلب العقل إلى مستوى جديد. وكان ذلك يتطلّب وقتاً.

في عهد غالب، كان شمال الهند يعاني من آلام وخسائر كبيرة، ومن الفوضى والاضطرابات والضعف. في ظل هذه الظروف أصبح معظم الشعر إما ممتلئاً بالمتع العابرة والضحلة، أو يتناول أحوال اليأس الهائل والفشل، بل إن حياة غالب نفسه كانت قصة طويلة من سوء الحظ والفاقة والعوز والشعور المؤلم بأنه لم يجد تقديراً حقيقياً لقيمته.

عظمة غالب تكمن في حقيقة أنه لم يتبنَّ أبداً، مثل العديد من الشعراء الآخرين في عصره، فلسفة "إما أن تصنع أو تكسر". فلم يصبح ضحية لهذه الظروف بل تغلّب عليها، وبالتالي تجنّب تدهور روحه. لقد استخلص ثورته من فلسفة وحدة الوجود (الوحدة في التنوّع). حتى عندما كان ينظر إلى الخير والشر، والفرح والحزن، والحركة والراحة، وأي أضداد في مواجهة، وقال إنه يفهم الحياة وكل مظاهرها باعتبارها وحدة. في هذه الفوضى، يظهر الإنسان في نظره باعتباره الوجود الأكثر روعة. يقول: "انظر إلى بهاء الحياة، هذه الفوضى كلها بسببنا، ومن خلف هذه الستارة المغبرّة التي اسمها إنسان، تلتمع نهاية العالم".

لهذا أحبّ غالب هذا الإنسان. لأن قلبه كان يتحرّك بشكل دائم مع الحماس والرغبة والعاطفة والأمل. وكلما كان محاصراً في غضب الحزن والأسى والفشل وسوء الحظ، كان يقول: "تبقّى في البيت شيء سوف يدمره حزنك، ذلك التوق إلى بنائه، الذي كنّا نملكه يوماً، موجود بالفعل".

هذا الشوق البنّاء نفسه، والرغبة في تزيين الحياة وصنعها، والتململ الدائم، والألم المستمر نفسه من الروح، بالنسبة إلى غالب هو أثمن رأسمال يملكه الإنسان. إن القلب الذي لا يمتلك هذا التململ والنزق، والروح التي ليس لها شغف بتحويل الحياة، هي كما يقول غالب، ناقصة وبغيضة.

"غالب، حذار من القلوب الصعبة والباردة للناس الفائزين والمرتاحين.
القلوب والأرواح التي تقاسي الكرب والنزق جديرة بالاحترام
فكم من الطيبة والرقة تمتلك هذه القلوب والأرواح؟".
في نشيد آخر يتحدّث عن الأمر نفسه:
"إذا كنت أحسد أحداً على الإطلاق، فهذا هو الشخص؛
من يسافر وحده جائعاً عطشاً
في الوديان والجبال الوعرة".

كان أسلوب غالب مليئاً بالهجاء والسخرية، بل إن لديه أيضاً القدرة على التهكم من حرمانه الشخصي. إذا كان يكره أي شيء، فقد كان يكره الضحالة والسطحية؛ في المقابل كان يحب الابتكار والأصالة والوحدة والأناقة والنقاء. وكانت مكافحة متاعب الحياة عنده أكبر برهان على الإنسانية، وإن كان من شيء يغضبه، فهو الجمود والنأي عن العاطفة الأصيلة.

كان غالب يرى في حياة الأثرياء وعاداتهم دليلاً على انعدام الحساسية، والنقص في الإنسانية والذكاء والمعرفة، وسعياً للمصلحة الذاتية؛ لذلك لا بد أنه شعر بالغربة والكراهية من كل هذه الأمور. كان دائماً يبحث عن الجوهرة الحقيقية.

في إحدى رسائله كتب غالب: "إن لم يكن ذلك في العالم كله فليكن على الأقل في المدينة التي أعيش فيها، لا ينبغي أن يكون أحد جائعاً أو عارياً، منبوذاً من الناس، ضعيفاً، مريضاً، فقيراً".


* كاتب باكستاني

** ترجمة عن الإنكليزية نوال العلي