تحوّلات عَلويّي سوريا: من الإصلاح إلى التفاوض

تحوّلات عَلويّي سوريا: من الإصلاح إلى التفاوض

16 مارس 2014
الصورة
في دمشق ــ سبتمبر/أيلول 2013 (أنور عمرو getty)
+ الخط -

لم يغيّر النظام السوري من نمط خطابه حول "المؤامرة" و"المسلحين الطائفيين" و"ضرورة الحفاظ على الدولة ونهج الممانعة"، منذ بداية الثورة السورية قبل ثلاثة أعوام. لكن، حتى ولو استمرّ هذا الخطاب، وإن بصورة شكليّة لدى أنصار النظام، لا سيّما العلويين منهم، إلا أنه يحاول إخفاء التحوّلات الكبرى التي طالت العصب الاجتماعي للنظام، وهي تحولات لا تقل أهمية، وإن كاتت تقل دمويةً، عن تلك التي طالت الشرائح الثائرة عليه.

كان أبناء الطائفة العلوية، ولا يزالون، أكثر الشرائح تماسكاً ودعماً لآل الأسد. ومنذ اللحظة الأولى للثورة، جعل النظام من شعارات "الوحدة الوطنية" المترافقة مع شعارات "التصدي للتطرف الإسلامي" (السنّي)، حصناً يمنع تسرب التمرد إلى أبناء هذه الطائفة التي يشكل شبابها العمود الفقري للأجهزة الأمنية.

لقد منح خطاب المتعلمين والمثقفين العلويين، المراهن على الدولة والعلمانية في مواجهة العنف والإسلام السياسي، الغطاء اللازم لعمليات التجييش التي سيق بنتيجتها آلاف الشبان من المهمشين العلويين إلى الأجهزة الأمنية للمشاركة في قمع التظاهرات، ثم إلى المعارك ضد مسلحي المعارضة. غير أن هذا الخطاب ترافق مع تحولات كبرى في عمق هذا المجتمع الأقلوي.

وإذا كانت النخبة المتعلمة من أبناء الطائفة العلوية، قد انساقت وراء وعود "الإصلاح"، فيما كان النظام السوري يواصل قمعه العنيف للتظاهرات السلمية، فإن هذا الانسياق كان حقيقياً إلى حد بعيد، إذ صدّق عدد كبير من المثقفين العلويين هذه الوعود، وراهنوا عليها. يعرف العلويون، أكثر من غيرهم، فساد النظام السوري وقمعه وإقصاءه، لكنهم كانوا مدفوعين بأمل إصلاحٍ يجنبهم ما قد يترتب على إسقاط النظام من صدام اجتماعي وسياسي ومسلح، مع المكونات الأخرى للمجتمع السوري. ومنذ انطلاق الثورة، قررت شريحة واسعة من الإنتلجنسيا العلوية، إغماض أعينها عن جرائم الأجهزة الأمنية، التي تعرفها جيداً، متذرعةً بوعود الإصلاح تلك، وراحت ترفع شعارات "الوطنية السورية" بشكل صادق وملتبس في الوقت نفسه، بالدرجة الأولى في وجه الأصوات المتعاطفة مع الثورة في داخل البيئة العلوية.

النقاشات الداخلية البعيدة عن الإعلام داخل النخبة العلوية، تركزت على ضرورة انتظار الإصلاح، وهو ما كان يحصل ببطء وهدوء، بينما كان المتظاهرون يُقتلون، والتشكيلات العسكرية تتبلور لمواجهة الآلة العسكرية للنظام. وبحلول الذكرى السنوية الأولى لاندلاع الثورة، كان الرهان على أي إصلاح أو حوار أو حل سلمي يقترب من نهايته لدى الثوار وحاضنتهم الأهلية، ولدى العلويين بمسلحيهم ومدنييهم ومنظريهم أيضاً. تلاشى النقاش حول الإصلاح، وتلاشت معه الآمال بنهاية "الأزمة"، والعودة إلى الحياة الطبيعية. خفتت الأصوات المطالبة بالتغيير، مع تزايد عدد الجثامين العائدة إلى قرى الساحل السوري. ومع تعنت النظام ورفضه للإصلاح متذرعاً بضرورات المعركة، بدأ الحديث لدى النخب العلويّة عن "الإصلاح بعد إنهاء الحرب وحماية الطائفة".

يمكن أن يكون عنوان الذكرى السنوية الأولى للثورة السورية، لدى أنصار النظام والثورة على حد سواء، هو "نهاية الإصلاح وجذرية الحرب". وخلال العام الثاني، تحولت المسألة إلى معركة مفتوحة بلا أفق سياسي، وكان على العلويين إنجاز تحولهم الاجتماعي والسياسي، ليتلاءم مع حرب الإلغاء المدمرة تلك.

لم يعد ثمة حديث جدّي عن "الوطن"، وصار الكلام يتمحور حول "مسلحين إرهابيين سُنّة". وفيما كان النظام السوري يحاصر ويدك معاقل الثورة، كانت "مدن وبلدات النظام" مشغولة بدفن ضحاياها، فاقدةً أي أمل بنهاية قريبة للحرب.

لم يعد ثمة صراع على السلطة في سوريا، مع اقتراب العام الثاني للثورة من نهايته، وتحول الأمر إلى حرب إلغاء طاحنة بين النظام ومناوئيه. وكان تراجع خطاب الوطنية السورية لدى الثوار واضحاً في تسجيلات المعارك والتظاهرات، وفي تنظيرات وتحليلات الكثير من المعارضين الذين تحدّثوا عن "تصدّع الوطنية السورية"، و"تجذر الخطاب الطائفي" لدى نسبة من الثوار وحاضنتهم، وهو ما كان يحصل أيضاً في الخفاء بين أنصار النظام، العلويين منهم على وجه الخصوص، على الرغم من محاولات التستر على هذا التحول من خلال الخطاب "الوطني" المبتذل.

 نهاية "الوطنية السورية" التقليدية

يمكن القول إن نهاية السردية الوطنية السورية التقليدية، كانت حصيلة العام الثاني من الثورة السورية. وكان الشاهد على ذلك، المجازر الطائفية التي ارتكبت خلاله، وفي مقدّمتها مذابح البيضا، قرب بانياس، في الساحل السوري بعيد الذكرى السنوية الثانية للثورة.

هذه المرة، لم تكن المذبحة بعيدة عن المناطق العلوية، بالتالي استحالت التعمية عليها بالتضليل. ثمة قرية سنيّة في الساحل السوري، اسمها البيضا، تعرضت للتطهير الطائفي مكتمل الأركان، وعلى يد مسلحين علويين. كانت المجزرة فجّة إلى هذه الدرجة.

وشكّلت مذبحة البيضا، ثم معارك الساحل في ريف اللاذقية الشمالي، وما واكبها من قتل طائفي واختطاف، تعرض له مدنيون علويون على يد مجموعات "جهادية"، تكثيفاً لمرحلة جديدة يعيشها العلويون: المذبحة بالمذبحة، والمعركة تبدو بلا نهاية. وفي حين واصل إعلام النظام السوري رفع معنويات مواليه، بدأ "صقور العلويين"، كما حمائمهم، يتحدّثون عن ضرورة وضع نهاية للحرب. بدأت النسوة يشتمن "القائد الرمز" في جنائز أبنائهن، والرجال عادوا للحديث عن ضرورة "الحوار والإصلاح". لكن المقصود كان الحوار والإصلاح الذي يكافئه التفاوض، وليس التفاوض مع المعارضة في جنيف، بل التفاوض مع الثوار المسلحين على الأرض.

ارتدّ ذلك كله على شكل اتفاقات هدنة محلية، ومؤتمرات تفاوضية قوبلت بامتعاض ممزوج بالرضا. رضا عام عن إسكات جبهات بالتفاوض، وامتعاض من قبول ما كان مرفوضاً في الأمس: "التصالح مع الثوار السنّة". بدا هذا شعار المرحلة.

أخيراً، جاءت موجة الاستياء التي رافقت إطلاق سراح راهبات معلولا، في ظل رفض النظام للتفاوض من أجل إطلاق مختطفين وأسرى علويين. يتحدث العلويون، اليوم، عن أسباب "استهتار الأسد" بحياة أبنائهم. يعود الحديث في السياسة إلى التداول، ويبدأ العلويون رحلة البحث عن أنفسهم خارج عباءة النظام.

وإذا كان من المبكر القول، إن العام الرابع سيشهد انكشاف المجتمع السوري برمته أمام حقيقة الحرب ومرارتها وحتمية التفاوض الشامل، فإنه ليس من المبكر القول، إن الشعار الذي يمكن أن نضعه عنواناً للذكرى الثالثة للثورة هو "التفاوض". التفاوض على صيغة وطنية جديدة تكفل استمرار الوطن السوري، أو على اقتسام للسلطة والثروة والسيطرة على الأرض.

يبقى انتظار مآلات هذا التفاوض، بعدما أفضت نهاية الإصلاح ثم جذرية الحرب، فالرغبة في استئصال الطرف الآخر، إلى إدراك الحقيقة: هذه الحرب لن ينتصر فيها أحدٌ على أحد.

 

المساهمون