تحويل الصيادلة إلى أطباء... إدارة أزمة في مصر؟

تحويل الصيادلة إلى أطباء... إدارة أزمة في مصر؟

14 مايو 2020
الصورة
ثمّة نقص في الكادر الطبي (أحمد حسن/ فرانس برس)
+ الخط -

أثارت تصريحات اللواء الطبيب أحمد التاودي، رئيس الأكاديمية الطبية العسكرية في مصر، بشأن تحويل الصيادلة إلى أطباء بعد متابعتهم دراسات معادلة للشهادة، الرأي العام المصري بشكل واسع. وصارت تلك التصريحات مادة خصبة للسخرية على مواقع التواصل الاجتماعي، فيما صدرت بيانات رفض من قبل نقابات الأطباء والصيادلة، وذلك بالتزامن مع نشر تقارير في الصحف والمواقع الإخبارية المؤيّدة للنظام تدعم المقترح، خصوصاً بعد مباركته من قبل الرئيس عبد الفتاح السيسي.

الرافضون للمقترح، وفي مقدّمتهم النقابة العامة لأطباء مصر، يبرّرون موقفهم بأنّ "كلّ فئة من فئات الفريق الطبي لها دور مهم جداً تقوم به فعلاً، وتمارسه طبقاً للأصول العلمية والمهنية وطبقاً لنوعية الدراسة النظرية والعملية التي درستها لسنوات طويلة، ولا تستطيع أيّ فئة أن تحلّ محلّ الأخرى، ولا يجوز القول إنّ أيّ دراسة مكمّلة يمكنها معادلة شهادة علمية وعملية مختلفة"، وفق ما جاء في بيان النقابة. أضاف البيان نفسه أنّ "هذا الأمر سيضرّ بسمعة مصر الطبية العالمية، حيث إنّه لا توجد أي سابقة لذلك في تاريخ مهنة الطب الحديث، وبالتالي فعلى من يرغب في امتهان مهنة الطب ويكون مسؤولاً عن أرواح المصريين، أن يلتحق بالسنة الأولى من كلية الطب البشري، وبعد تخرّجه وتدريبه يتمّ منحه ترخیصاً لمزاولة مهنة الطب". أمّا نقابة الصيادلة المصريين، فلم تدل بدلوها رسمياً بشأن هذا المقترح، باستثناء ما جاء في تصريحات عدد من أعضاء النقابة لم يستبعدوا إمكانية تنفيذ المقترح، معيدين الأمر إلى قدرة كليات الطب ووزارة الصحة والسكان ووزارة التعليم العالي والبحث العلمي على استيعاب هذه الفكرة وإمكانية إعداد لوائح جديدة لعمل المقاصات التدريسية.

أمّا مؤيّدوالمقترح فيرون أنّه يأتي من منطلق سياسة إدارة الأزمات، ومقترح مطبّق ومفعّل في عدد من الدول، خصوصاً تلك التي تعاني نقصاً في الكوارد الطبية مثل مصر. لكن قبل عرض وجهات النظر المؤيّدة للمقترح، لا بدّ من الإشارة إلى أنّ مصر تعاني نقصاً شديداً في أعداد الأطباء لديها إلى جانب هجرة الأطباء والكوادر الطبية منذ سنوات.

ويُقدَّر عدد الأطباء في المستشفيات الحكومية والجامعية والخاصة في مصر بنحو 82 ألف طبيب من كلّ التخصصات، من أصل 213 ألف طبيب مسجّلين، أي ما نسبته 38 في المائة من القوى الأساسية التي تملك تراخيص لمزوالة المهنة، وفق دراسة أعدّتها أمانات المستشفيات الجامعية والمكتب الفني لوزارة الصحة المصرية ومجموعة من الخبراء والمختصين حول أوضاع مهنة الطب واحتياجات سوق العمل من الأطباء في مصر.



ويُقدَّر عدد الأطباء في وزارة الصحة وحدها بنحو 57 ألف طبيب موزّعين على كلّ القطاعات الحكومية في الوزارة، ما بين طبيب تكليف أو ريف أو تخصص، بينما العدد الأمثل لقطاعات وزارة الصحة هو 110 آلاف، ما يعني أنّ العجز قدره 53 ألف طبيب. وبحسب الدراسة نفسها، فإنّ 62 في المائة من الأطباء إمّا يعملون في خارج مصر أو استقالوا من العمل الحكومي أو حصلوا على إجازة. أضافت الدراسة أنّ طبيباً واحداً يغطّي 1162 مواطناً، في حين أنّ النسبة العالمية هي طبيب واحد لكلّ 434 فرداً، أو 8.6 أطباء لكلّ 10 آلاف مواطن مصري، فيما النسبة العالمية هي 23 طبيباً لكلّ 10 آلاف مواطن. واستناداً إلى هذه الأرقام، يدعم مؤيّدو الاقتراح وجهة نظرهم، مشيرين إلى أنّ تحويل الصيادلة إلى أطباء يساهم في إدارة أزمة نقص الأطباء أسوة بتجارب دول أوروبية عدّة.

في السياق، لم يستبعد المحلل السياسي وأستاذ الاقتصاد والعلوم السياسية المصري، أحمد عبد ربه، إمكانية تطبيق المقترح نظرياً على أقلّ تقدير، خصوصاً أنّ هذا المقترح قديم ومطروح في بعض الدول المتطوّرة، وقد تمّت مناقشة مقترح شبيه به في إنكلترا في العام الماضي من قبل مسؤولين في القطاع الصحي الإنكليزي لتعويض نقص الأطباء المتوقّع بعد الخروج من الاتحاد الأوروبي. كذلك تمّت مناقشة فكرة شبيهة بذلك في عدد من الولايات الأميركية، منها بنسلفانيا، في عام 2018. أضاف عبد ربه في منشور على حسابه الخاص على موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك"، أنّه فهم من المقترح أنّ "الفكرة هي تحويل الصيدلي إلى ممارس عام لمواجهة أزمات طارئة".

ولاقى المقترح تأييداً من قبل الباحث السياسي والاجتماعي محمد سالم، الذي كتب عبر حسابه الخاص على موقع "فيسبوك"، أنّه "إذا كان الغرض من المقترح هو فقط سدّ العجز الحالي لمواجهة أزمة كورونا، فالحقيقة (هي أنّ) الموضوع ليس صعباً ولا غريباً، لأنّ طلاب كليات الطب والصيدلة والأسنان يقدروا ياخدو دورة تدريبية بسيطة عن العناية المركزة وعن البروتوكول للتعامل مع كورونا ومكافحة العدوى، وبذلك هيكون لدينا عشرات الآلاف من أعضاء الفرق الطبية ومكافحة العدوى جاهزين لسدّ العجز، خاصة حال الاضطرار لوجود مستشفيات ميدانية". أضاف سالم أنّ "هذا المقترح ليس غريباً ولا مستهجناً، بالعكس حدث في دول كثيرة، مثل إسبانيا، وحدث في مصر نفسها قبل ذلك في مواجهة الكوليرا... هذه فترة أزمة وتحتاج إجراءات استثنائية مؤقتة، وأنا شخصياً ساهمت في مبادرة ومقترح بهذا الشكل بالتعاون مع طلبة كثر". لكنّ سالم شدّد على أنّ تحوّل الصيادلة إلى أطباء أمر معقّد ولا يتم فقط بدورات إضافية مكثّفة أو ما إليها في خلال أيام، مؤكداً أنّه يحقّ للصيادلة ولطلاب العلوم الطبية في بعض الدول أن يصبحوا أطباء مؤتمنين على أرواح الناس.



وتابع سالم أنّ المصريين يتوجّهون تلقائياً إلى صيدلي إذا كانوا يشتكون من مشكلة بسيطة، بالتالي لو كان الصيدلي قد تابع دراسة معيّنة فسوف يقدّم خدمة أفضل لهؤلاء. ولفت إلى أنّ ثمّة "فرقاً كبيراً ما بين سدّ عجز وإدارة سريعة للأزمة وبين دراسة الملف نفسه بشكل علمي وبشكل سياسي"، متحدثاً عن توفير "إدارة سياسية تعتمد على منهج علمي منضبط". وكرّر القول إنّ ثمّة فرقاً كبيراً ما بين إدارة أزمة وإطفاء حرائق، وما بين استراتيجية متوسطة أو طويلة المدى لها تأثير على سوق العمل وعلى مستوى الخدمة الصحية ومستوى التعليم الطبي في مصر، مشدداً على أنّ "لا أزمة في الدنيا يمكن حلّها بدون حوار حقيقي وجاد بين الأطراف المعنيين والمتخصصين وصناع القرار".

دلالات