تحويل الشباب لمرتزقة

05 يوليو 2020
الصورة
يلاحق شبح الخدمة الإلزامية الشباب في مناطق النظام (لؤي بشارة/فرانس برس)

لا يزال الشباب في سورية، خصوصاً الذين شهدوا بداية الثورة وهم في سن المراهقة، المتضرر الأكبر من الوضع العام في سورية، فعدا عن تحمّل شريحة الشباب العبء الأكبر في تأمين متطلبات الحياة المعيشية التي وصلت إلى حالة مزرية بسبب الحرب، فقد كان الشباب عنصر الاستقطاب الأول من قبل كل أطراف الصراع والمستهدف الأول.
ففي مناطق النظام، يلاحق شبح الخدمة الإلزامية جميع الشباب، وحتى الذين يتابعون دراستهم لم يسلم الكثير منهم من إرسالهم إلى جبهات القتال بعد تمزيق أوراق تأجيلهم من قبل بعض الحواجز المنتشرة في المدن، كما تشكل الملاحقات الأمنية للشباب رعباً لهم ولعائلاتهم. في المقابل، تسعى كل المليشيات الداعمة للنظام إلى استقطاب الشباب مقابل تجنيبهم الخدمة الإلزامية. وكذلك في مناطق سيطرة "قوات سورية الديمقراطية" (قسد) لا يختلف الأمر كثيراً عن مناطق النظام، إذ لا يوجد أمام الشباب سوى واحد من خيارين، إما الخدمة الإلزامية في صفوف "قسد"، أو القتال إلى جانبها كمتطوع (أي كعنصر أساسي).

ولا يبدو الوضع أفضل في مناطق سيطرة المعارضة التي تتعرض للقصف بالطيران بشكل مستمر من قبل قوات النظام، كما يتعرض فيها الشباب لحملات استهداف من قِبل التنظيمات المتطرفة من أجل ضمهم إليها، أو بقائهم تحت خطر الملاحقة والاعتقال من قبل تلك التنظيمات بتهم لا تمت للمنطق بصلة.

ومع استمرار حالة الاستعصاء العسكري في سورية وتمرّس قسم كبير من الشباب السوري في القتال في كل المناطق، بدأت الدول المتحكمة في الملف السوري باستغلال الشباب السوري ونقلهم من مرحلة القتال ضمن أراضيهم، وتحويلهم إلى مرتزقة يقاتلون خارج حدود بلدهم من أجل المال، فأطلقت روسيا حملة تجنيد لشبان سوريين في مناطق سيطرة النظام بهدف إرسالهم إلى ليبيا من أجل القتال إلى جانب مليشيات اللواء المتقاعد خليفة حفتر، فيما جنّدت تركيا في مناطق سيطرتها في الشمال السوري، عدداً من الشباب السوريين من أجل القتال في ليبيا إلى جانب حكومة الوفاق الوطني ضد حفتر، ليعاود الشباب السوري قتال بعضهم ولكن هذه المرة كمرتزقة مقابل المال. واستغلت الدول المتحكمة في الشأن السوري الوضع المادي المأساوي الذي تعيشه العائلات السورية في مختلف المناطق، وبدأت بتقديم عروض مالية تعتبر ضخمة بالنسبة لمواطن سوري وصلت إلى نحو 1500 دولار شهرياً.

هذا الأمر سيؤدي إلى كارثة خطيرة على المجتمع السوري، حتى في مرحلة ما بعد الحل السياسي، إذ تساهم سياسة تجنيد الشبان السوريين كمرتزقة في تحوّل قسم منهم إلى مجرمين قد لا يتوانون عن القيام بجرائم لأتفه الأسباب، لا سيما مع الانتشار الكبير للسلاح الخفيف في أيدي عامة الناس، الأمر الذي يساهم في صناعة جيل بعيد عن التعليم تصعب استعادته لاحقاً، ليصبح القتل جزءاً من ثقافته.