تحلّل ترامب من الاتفاق النووي الإيراني.. مخاوف أمنية أم غايات اقتصادية؟

19 مايو 2018
الصورة

ترامب ومذكرة إعادة فرض عقوبات على إيران (8/5/2018/Getty)

قرّر الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، إعلان انسحابه من الاتفاق النووي مع إيران، والمعروف باسم خطة العمل المشتركة الشاملة، قبل أربعة أيام من الموعد الذي كان مرتقبا (12 مايو/ أيار الجاري) بشأن تجديد الإعفاء من العقوبات المفروضة على البنك المركزي الإيراني وصادرات النفط الإيرانية. وكان من المفترض إعادة تجديد سلة أخرى من العقوبات في 11 يوليو/ تموز على أكثر من 400 شركة وأفراد وقطاعات أعمال في إيران. وسرعان ما أعلن وزير المالية الأميركي، ستيفن منوشين، أن واشنطن ستفرض "عقوبات إضافية"، وأعرب عن ثقته أنها ستكون أشد وطأة، حتى لو لم يحذُ حلفاء أميركا حذوَها.
بعد وقت قصير من قرار ترامب، شدّد قادة فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة، في بيان مشترك، على أن قرار مجلس الأمن الذي يؤيد الاتفاق النووي يظل "الإطار القانوني الدولي الملزم لحلّ النزاع". وأصبح مستقبل الاتفاق النووي مع إيران بالتالي ضبابيا ورهينا بما إذا كان في وسع الإيرانيين والأوروبيين التوصل إلى إطار بديل لمرحلة ما بعد فرض ترامب العقوبات الجديدة. وتعتقد كارولين غالاكتيروس، الخبيرة في الجغرافيا السياسية والاستخبارات الاستراتيجية، أن "الأمر متروك لنا لكيْ نقرّر، في النهاية، ما إذا كنّا نرغب حقاً في قبول هذه الولاية للقانون الأميركي خارج سيادة أراضيه. هذه هي القضية الكبرى، وقد تؤدي إلى تحوّل حقيقي في ميزان القوى".
يتطلب تحليل تأثير قرار ترامب مراعاة السياق العام قبل معالجة مساره ضمن الأبعاد القانونية والاقتصادية في المستقبل. ومع توجّه إدارة ترامب نحو فرض عقوباتٍ على الشركات الأوروبية والأجنبية الأخرى التي تستثمر في إيران، تدخل العلاقات عبر الأطلسي مرحلة اضطرابٍ جديد. وتظل فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة أكثر من بقية الدول الأوروبية تقاوم ضد موجة التخلي عن الاتفاق. ودعا وزير المالية الفرنسي، برونو لو ماري، إلى عقد اجتماع طارئ مع وزير الخزانة الأميركي، ستيف منوشين، في الأسبوع ذاته، لمناقشة أي سبل ممكنة لتجنب دفن الاتفاق.
ويتوقف مستقبل الأزمة الراهنة عبر الأطلسي على مخرجات الجدلية الراهنة بين تياريْن: التمسّك بشرعية الاتفاق وأخلاقيته، بمقتضى قواعد القانون الدولي من خمس دول كبرى (فرنسا والمملكة المتحدة وروسيا والصين وألمانيا) والأمم المتحدة، في مقابل معركة الاقتصاد السياسي للعلاقات الدولية، حسب المنظور الترامبي. ويمكن للمرء أن يتنبأ بنشوب معركتين عبر الأطلسي: واحدة قانونية وأخلاقية في مجلس الأمن، ضمن مسار قد يحتمل توجيه التهمة إلى الولايات المتحدة لانتهاكها اتفاقية دولية صدقت عليها الأمم المتحدة، وأخرى اقتصادية وتجارية، بسبب الخسائر المتوقعة للحكومات والشركات الأوروبية التي بدأت تستثمر في إيران، عقب توقيع الاتفاق النووي في منتصف يونيو/ حزيران 2015.

سيف ذو حدّين
ركّز ترامب في خطابه في البيت الأبيض في 8 مايو/ أيار على ثلاث نقاط رئيسية عند خطّ التقاطع بين مخاوف أمنية ومرامٍ اقتصادية، يبدو أنّ ما خفي منها أعظم: منع النظام الإيراني 
الذي يعتبره "الدولة الرائدة في رعاية الإرهاب" من "تخصيب اليورانيوم" و"التوصل إلى تحقيق إنجاز نووي". تكريس "أعلى مستوى من العقوبات الاقتصادية" على إيران و"معاقبة أي دولة تساعدها في سعيها للحصول على أسلحة نووية". اعتبار مليارات الدولارات التي يقضي الاتفاق النووي بتسديدها إلى إيران كأصول مجمدة على أنها "إحراج كبير بالنسبة لي ولجميع المواطنين في الولايات المتحدة".
ويعكس ترافع ترامب ضد تسليم المستحقات الإيرانية إلى طهران بعد قطيعة عام 1979 بين واشنطن وطهران طبيعة المنطق السياسي لدى رجل أعمال تحوّل إلى رئيس، وكيف تظل القومية الاقتصادية في صميم فلسفته في الحكم. ووفقًا لتقديرات عام 2015 لدى وزارة المالية الأميركية، بلغت القيمة الإجمالية للأصول الإيرانية المحرّرة حوالي 56 مليار دولار. قدمت واشنطن منها نحو 1.7 مليار دولار نقداً إلى إيران، بما فيها 400 مليون دولار، فضلا عن قيمة الفائدة المتراكمة. وكانت إيران قد دفعت إلى الولايات المتحدة أصول تلك المبالغ قبل الثورة الإيرانية عام 1979، ثمنا لمعدات عسكرية، لم يتم تسليمها أبدا إلى طهران.
ويشكل التحلل من الاتفاق النووي مع إيران ثاني أهمّ الوعود الـ 182 التي لوّح بها المرشح ترامب عامي 2015 و2016 بعد الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، ضمن حرصه على الحفاظ على مستوى التأييد له بين أوساط اليمين المتطرّف والجماعات الأنغليكانية وجماعات الضغط الموالية لإسرائيل. وتزامن خطابه عن إيران في البيت الأبيض مع تركيب لوحات مرور جديدة، طُبعت بالعبرية والإنكليزية والعربية، في أجزاء مختلفة من القدس تشير إلى المبنى الجديد للسفارة الأميركية.
ومن الحوافز السياسية الأخرى لقرار ترامب بشأن إيران تصميمه على أن يكون زعيماً مناهضاً لتركة سلفه باراك أوباما. ولا غرابة أن يكون الاتفاق النووي مع إيران، والتقارب مع كوبا، واتفاقية باريس للمناخ، واتفاقية الشراكة مع دول المحيط الهادئ أهم إنجازات أوباما في مجالي التجارة والسياسة الخارجية، بيد أن ترامب قرّر الإجهازعليها بالفعل، أو سرعان ما سيتم إلغاؤها، بسبب ميوله نحو الانعزالية السياسية والقومية الاقتصادية. ويبقى قرار الانسحاب من الاتفاق النووي مع إيران في صميم تشبع ترامب بالحمائية الاقتصادية وتقييد المعاملات التجارية، غير أنه يثير معضلتيْن استراتيجيتيْن حرجتيْن لدى كل من إيران والدول الأوروبية.

ترامب شرطي الحركة الاقتصادية
ينطوي قرار ترامب على وجود خيارات محدودة أمام الرئيس الإيراني حسن روحاني الذي 
يعتقد أنه من الممكن أن يبقى الاتفاق على قيد الحياة إذا قرّر الشركاء الآخرون، وهم المملكة المتحدة، وفرنسا، وروسيا، والصين، وألمانيا، تحدي انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق متعدّد الأطراف. لكن قد تكون هذه الفرضية تنمّ عن دعوةٍ مفرطةٍ لتبني سياسة القيم في الحسابات الأوروبية، ضمن معادلة الربح والخسارة في أي مسعى إلى إطالة عمر الاتفاق. أما الخيار الاستراتيجي الآخر لدى روحاني هو إعطاء الضوء الأخضر لاستئناف تخصيب اليورانيوم على المستوى الصناعي في إيران في غضون أسابيع قليلة، إذا ما انهار الاتفاق كليا. وقد أبلغ روحاني أنصاره الإصلاحيين، وكذلك منتقديه المتشددين: أن قرار ترامب "حرب نفسية". وتعهد بعدم السماح لترامب بالفوز قائلا "أنا سعيد، لأن الكيان المزعج قد غادر الاتفاق. وبعد يوم من إعلان ترامب، أبلغ الرئيس روحاني نظيره الفرنسي ماكرون أن لدى أوروبا "فرصة محدودة" للحفاظ على الاتفاق النووي.
أما المعضلة الثانية فتقف في وجه الجهود الأوروبية والروسية والصينية للحفاظ على الاتفاق النووي. وأكد قادة فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة على "التزامهم المستمر" به بشكل أكيد. كما حثوا واشنطن على "التأكد من أن هياكل الاتفاق المشترك تظل كما هي في الأصل، ولتجنب اتخاذ أي إجراء يعوق تنفيذها بالكامل من جميع الأطراف الأخرى". وشدد وزير المالية الفرنسي، برونو لو ماري، على أنه "من غير المقبول" أن تقوم الولايات المتحدة بدور الشرطي الاقتصادي على كوكب الأرض". وانتقدت مسؤولة السياسية الخارجية للاتحاد الأوروبي، فيديريكا موغيريني، صراحةً قرار ترامب، و"أن الإتفاق النووي مع إيران تتويج لحصيلة 12 عاما من العمل الدبلوماسي، وأنه ينتمي إلى المجتمع الدولي بأكمله. هو اتفاق يحقق هدفه، وهو ضمان أن إيران لا تطور أسلحة نووية".
وفي الولايات المتحدة، أشار أغلب الدبلوماسيين من ذوي المعرفة الدقيقة بترتيبات الاتفاق النووي إلى ما يبدو أنه ضعف رؤية في رؤية ترامب. منهم رايان كروكر، السفير الأميركي السابق الذي عمل في إدارات جمهورية وديمقراطية، والذي قال "رأينا كيف أن بريطانيا وفرنسا وألمانيا وأيضا إيران بالفعل تتعهد بإبقاء الاتفاق ساري المفعول. أعتقد أن ما فعلناه هنا هو فقط فتح الباب لما سيكون فترة مضطربة في المستقبل".
ومع ذلك، أكد مستشار ترامب لشؤون الأمن القومي، جون بولتون، أن "القرار الذي وقعه الرئيس اليوم يستأنف على الفور فرض العقوبات التي كانت قبل الاتفاق النووي.. ولا يسمح بإبرام عقود جديدة" مع إيران. ويعد الحظر الأميركي الجديد على شتى المعاملات المالية في إيران ينطوي على تكرار المشهد التصعيدي بين واشنطن والعواصم الأوروبية عام 1997. وكما يقول ريتشارد نيفيو، الخبير الرئيسي في شؤون العقوبات الذي كان ضمن فريق أوباما خلال اتفاوض على الاتفاق النووي، "سيكون بمثابة كابوس إقناع الأوروبيين بدعم جهود العقوبات التي نبذلها الآن من دون أن يكونوا مؤيدين لها سياسيا". وقد أصدرت وزارة الخزانة الأميركية جدولاً زمنياً لاستعادة العقوبات الشاملة ضد الشركات العالمية التي تقوم بأعمال التجارة أو الاستثمار مع إيران. ويتعين عليها إنهاء معاملاتها خلال فترة 90 يومًا بحلول 6 أغسطس/ آب 2018. وستعيد الحكومة الأميركية فرض العقوبات التي تم رفعها وفقًا للاتفاق النووي.

الحرب الاقتصادية وراء الكواليس
يبدو قرار ترامب بمثابة سيف ذي حدّين: أوّلا، يهدف إلى فرض "أعلى مستوى من العقوبات 
الاقتصادية" على إيران. ثانيا، يمنع الشركات الأوروبية من القيام بأعمال تجارية أو استثمارية في إيران. وفضلا عن الخشية من إمكانية تصنيع إيران أسلحة نووية في المستقبل، هناك قلق أكثر من التداعيات الاقتصادية لقرار ترامب على الشركات الأوروبية التي بدأت الاستثمار في إيران منذ منتصف 2015. على سبيل المثال، بدأت شركة توتال الفرنسية عمليات التنقيب عن الغاز الطبيعي في الساحل الإيراني. وتوصّلت شركة سيمنز الألمانية إلى اتفاق مع طهران لتسليم القاطرات إليها، فيما كانت شركة إيرباص الفرنسية في وقت مبكر في إيران، مباشرة بعد توقيع الاتفاق النووي، لتحديث أسطول الطيران الإيراني القديم بأكثر من 100 طائرة، بما فيها عشرات الطائرات العملاقة من طراز A380. وأقرّت شركات صناعة السيارات الأوروبية، مثل دايملر وبوجو وستروين، لبيع سياراتها في السوق الإيرانية الضخمة بحوالي 82 مليون نسمة. وأكملت إنفيطاليا التي تملكها الحكومة الإيطالية صفقة استثمارية بقيمة 5 مليارات يورو مع طهران. وبشكل إجمالي، زادت صادرات الاتحاد الأوروبي إلى إيران خلال عام 2017 بحوالي الثلث إلى 10.8 مليارات يورو، أو ما يعادل 12.8 مليار دولار، في حين جاءت إيران في المرتبة الثالثة والثلاثين ضمن قائمة الشركاء التجاريين للاتحاد الأوروبي.
تلقّت الشركات الأوروبية الآن إشعار مهلة من واشنطن مدّتها 90 يومًا لإلغاء عقودها الحالية، وإلا ستواجه عقوبات أميركية فورية إذا تجاهلت الحظر القادم عبر الأطلسي، أو سعت إلى إبرام عقود جديدة. والأكثر من ذلك، اختار البيت الأبيض فرض "عقوبات إضافية" غير محدّدة على إيران. وبذلك أغلق وزير المالية منوشين الباب ضد المعاملات الخارجية لإيران، وهو القائل "لا نريد أن نسمح لإيران باستخدام الأسواق المالية والنظام المالي الأميركي والتعامل بالدولار حتى يوافقوا على أنهم لن يملكوا الآن سلاحًا نوويًا فحسب، بل وأيضا نكون قد وضعنا بنودًا لن تسمح لهم بذلك على الإطلاق". هناك قلق واضح، في جميع أوروبا خصوصا، من كابوس المقصلة الأميركية التي تعاقب بشدة الشركات التي تهربت من العقوبات الأميركية في الماضي مثل فرض غرامة كبيرة بلغت حوالي 9 مليارات دولار على أكبر البنوك الفرنسية، بي إن بي باريبا، عام 2014 لتجاهل العقوبات المفروضة وقتها على طهران.
يرى توني بلينكن، نائب وزيرة الخارجية في إدارة أوباما وأحد المفاوضين بشأن الاتفاق النووي، أن قدرة أوروبا على الحفاظ عليه على قيد الحياة ستعتمد، إلى حد كبير، على ما إذا كانت إيران ستواصل جني الفوائد الاقتصادية من دون الولايات المتحدة. ويوضح أن الأمر يعتمد على كيفية تفاعل الشركات مع البيئة الجديدة. لكن سيف واشنطن يظل مُشهرا في وجه الشركات الأوروبية التي تعمل في إيران. ويعتقد إيلي جيرانمايه، وهو أحد أعضاء المجلس الأوروبي للعلاقات الدولية، أن تهديد الاتحاد الأوروبي بفرض رسوم جمركية على الصادرات الأميركية "سيكون مبرَّراً، لأن العقوبات الثانوية الأميركية (على الكيانات الأجنبية) تتعارض مع السياسة الخارجية الأوروبية التي يعد الاتفاق النووي مع إيران عنصراً مهماً فيها". باختصار، يشكل الاقتصاد السياسي للاتفاق النووي أهمية قصوى، في نظر أغلب العواصم الأوروبية. وكما أكدت ماجا كوكيجانيتش، المتحدثة باسم الاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية، "نحن نعمل على خطط لحماية مصالح الشركات الأوروبية".
قد يمثل الموقف الأوروبي بهذه القوة والتماسك موجة مضادة ضد حمائية ترامب وقوميته 
الاقتصادية، غير أن السؤال الأكبر هو ما إذا كانت المستشارة الألمانية، أنجيلا ميركل، والرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، اللذان يبدوان آخر المدافعين عن الديمقراطية الليبرالية والتجارة الحرة، سيستسلمان للاتجاه الناشئ للقومية الاقتصادية عبر المحيط الأطلسي، أم ربما يستنبطان صيغة جديدة لحماية معاملاتهم واستثماراتهم في إيران.
قد يكون الوضع الآن بمثابة ربّ ضارة نافعة لأوروبا في ثنايا الفوضى السياسية والقانونية والتجارية التي يثيرها قرار ترامب، لكي تخرج من طوق القوانين الأميركية ذات الولاية العابرة للقارات، أو بعبارة أخرى، الاختصاص القضائي خارج سيادة الولايات المتحدة. وتعتقد كارولين غالاكتيروس أن الانسحاب الأميركي من الاتفاق يمكن أن يقدم للاتحاد الأوروبي "فرصة جيدة" للتوصل إلى ردّ موحد على نظامٍ أثار، منذ أكثر من عام، حفيظة العواصم الأوروبية. وتوضح قائلة "إذا التزمت أوروبا بالاتفاق، وكان الإيرانيون حذرين، ولم يردّوا، لأن هذا ما تتوقعه واشنطن على الأرجح، فعندئذ هناك أوروبا وإيران ملتزمتان بالاتفاق، وكذلك روسيا والصين .. جميع هذه المواقف تستطيع تغيير ميزان القوة".

الخلاصة.. خيار الإعفاء
وصل التحالف عبر الأطلسي إلى مفترق طرق حاسم في سياسة منع قيام إيران نووية. بيد أن الأوروبيين لا يقبلون تهديدات ترامب بفرض عقوبات على عقودهم التي تبلغ عدة مليارات من الدولارات مع طهران. وقد جادل مراقبون بأن قرار ترامب لا يترك للقادة الأوروبيين سوى خيارين غير مريحين: الخضوع لإرادة ترامب، على الرغم من أنهم يقولون إنها تجازف بنشوب اضطرابات في الشرق الأوسط، أو تحدي أقرب حليف لهم بشأن أهم قرار يتخذه في السياسة الخارجية.
وهناك سيناريو محتمل ثالث، إذ يظل الاجتماع المرتقب بين وزير المالية الفرنسي ونظيره الأميركي ذا دلالة استراتيجية في استكشاف بديل يساعد في ردم الهوة، وتجاوز الخلاف بين ضفتي الأطلسي. من المرجح أن تلعب فرنسا وأعضاء آخرون في الاتحاد الأوروبي الورقة المتبقية: ورقة العقوبات المضادة ضد الشركات الأميركية ضمن قانون جديد، قد يصدر عن البرلمان الأوروبية في بروكسل. ويذكّر هذا الاحتمال مراقبي الأسواق المالية بكيفية رد الفعل الأوروبي على نية إدارة الرئيس الأميركي الأسبق، بيل كلينتون، عام 1998 فرض عقوبات على الشركات الأوروبية العاملة في إيران آنذاك. وكما قال أحد المحللين، "لا يقف التاريخ في صفّ جانب ترامب هذه المرة أيضا. في المرة الأخيرة التي دخلت فيها أميركا وأوروبا في مواجهة بسبب العقوبات الإيرانية، تمسّكت أوروبا بموقفها، ووجدت الولايات المتحدة نفسها مرغمةً على التراجع".
قبل أن تتكشف نتيجة الاجتماع بين لو ماري ومنوشين، هناك مجال للمناورة بشأن سقف الحظر الذي سيتم فرضه على تعامل الشركات الغربية مع إيران. ويمكن للمرء أن يجادل بشأن خيار محتمل: منح الشركات والاستثمارات الأوروبية إعفاءً من العقوبات الأميركية. وستمثل هذه الصيغة وسيلةً لحفظ ماء الوجه السياسي لترامب من ناحية، وحماية المصالح الأوروبية من ناحية أخرى. وعلاوة على ذلك، فإن منحى ترامب نحو الصفقاتية، وتكريس القومية الاقتصادية، ليس قضية مبدئية أو موقفاً إيديولوجياً لديه. وبعد بضعة أشهر، فقد يفكّر في إيجاد نقطة دخول جديدة إلى الطريق نحو الأرصدة الاستثمارية لدى إيران للحصول على قطعة من الكعكة.
منذ البداية، لم يبتلع ترامب حقيقة أن شركة إيرباص الأوروبية، وليس شركة بوينغ الأميركية، حصلت على حصة الأسد في إعادة تشكيل أسطول إيران. ومهما ارتفعت نبرته في التصعيد ضد إيران، على المرء أن يميز بين سياسة ترامب المتشدد وترامب البراغماتي ذي العقلية التجارية.