تحقيقات فضّ اعتصام الخرطوم: محاولة طمس مسؤولية العسكر

13 مارس 2020
الصورة
من تحرّك في الخرطوم إحياء لذكرى الضحايا(أشرف الشاذلي/فرانس برس)
أكثر من 9 أشهر مرت على فضّ الاعتصام في محيط قيادة الجيش السوداني، في الثالث من يونيو/ حزيران الماضي، والذي أودى بحياة عشرات المعتصمين، ولم يتم تقديم أي شخص للعدالة، بل حتى لم يتم الاتفاق على رقم واحد لعدد الضحايا، في ظلّ غموض يلف عمل لجنة التحقيق الوطنية المستقلة التي شكّلها رئيس مجلس الوزراء، عبد الله حمدوك، قبل أشهر، للتحقيق في المجزرة، بما يزيد من الشكوك حول عملها، والمخاوف من محاولة لطمس مسؤولية العسكر عن ارتكاب هذه الجريمة، على الرغم من أن الحقائق المعروفة تؤكد تورط المجلس العسكري الانتقالي وقوات الدعم السريع والشرطة إضافة إلى قوات تابعة للنظام المخلوع في المجزرة. أمام هذا الواقع، وفي ظل إشارة البعض إلى عدم رفع الحصانة عن المتهمين المحددة أسماؤهم في محاضر التحري، تتزايد المطالب بتشكيل لجنة تحقيق دولية تتولّى المهمة، فيما يرى آخرون أنه من المبكر جداً الحكم على اللجنة الوطنية وعملها.

لا ثقة بالتحقيق
لا يكترث كشة عبد السلام، الذي قُتل ابنه عبد السلام في واقعة فضّ الاعتصام، بوجود لجنة تحقيق وطنية مستقلة في المجزرة، ويقول لـ"العربي الجديد" إنه لا يثق مطلقاً باللجنة، خصوصاً رئيسها نبيل أديب، وإن خياره كوالد أحد الضحايا هو المضي في الإجراءات القانونية العادية عبر النيابات والمحاكم، مع أمل يراوده بتشكيل لجنة تحقيق دولية تقوم بالمهمة، وتمتلك القدرة على الوصول إلى كامل الحقائق ومحاكمة الجناة الحقيقيين، وليس اللجنة الحالية التي تفتقر إلى الشجاعة الكافية، وينقصها تعيين أي من الأعضاء من أسر الضحايا فيها، على الرغم من مطالب الأسر المتكررة، وعلى الرغم من الوعود التي قدّمها مجلس السيادة الانتقالي، وتحديداً المتحدث الرسمي باسمه محمد الفكي سليمان.

وبعد مرور أكثر من 9 أشهر على فضّ الاعتصام الذي نجح في إطاحة نظام عمر البشير في 11 إبريل/ نيسان الماضي، لم يتم الاتفاق على رقم واحد لعدد الضحايا من القتلى والمصابين والمفقودين، إذ تختلف تقديرات القتلى بين مفوضية حقوق الإنسان التي تعلن مقتل 36 شخصاً، ووزارة الصحة 46 شخصاً، والنيابة العامة 87 شخصاً، ونقابة الأطباء الشرعية 50 شخصاً، ولجنة الأطباء الشرعية 127 شخصاً، بينما تقدّرهم منظمة العفو الدولية بنحو 100 قتيل، وفق آخر تقاريرها.

ويشير كشة عبد السلام إلى أن لجنة التحقيق نفسها لم تتوصل حتى الآن إلى أعداد الضحايا، كواحد من الأدلة على فشلها، "فكيف لها أن تتوصل إلى بقية النتائج؟"، مرجّحاً وصول العدد الكلي للقتلى إلى 296 طبقاً للإحصاءات التي تقوم بها "منظمة أسر الشهداء"، وهي منظمة أقيمت قبل أشهر لمتابعة القضية وتحقيق العدالة للضحايا، مشيراً إلى أن الرقم في ازدياد بمعدل حالتين شهرياً، سواء بوفاة مصابين قضوا في الأشهر الماضية في المستشفيات من دون رعاية صحية متكاملة، أو العثور على جثث ملقاة في النيل لمفقودين في صبيحة الحادثة.

ويوضح أن أكثر ما يعيق الإجراءات العدلية الطبيعية هو عدم رفع الحصانات عن القتلة والمتهمين والمحددة أسماؤهم في محاضر التحري، وقد حددهم شهود عيان في كثير من وقائع القتل، وهو أمر لا يمتلك النائب العام صلاحيه القيام به، مبيناً أن هناك نحو 60 ملفاً أمام النيابة، غالبية المتهمين بالقتل فيها معروفون ولكن لم تُرفع الحصانة عنهم، مشيراً إلى أن أول حادثة قتل في الثورة كانت في مدينة عطبرة، شمال السودان، وتم رفع الحصانة عن المتهمين، لكن لم يُسلّموا للنيابة، بل بقوا محتجزين في ثكنة عسكرية. ويلفت عبد السلام إلى أن المتهم الرئيسي في فضّ الاعتصام هي قوات الدعم السريع والشرطة، وجهاز الأمن، وكتائب الظل الموالية لحزب "المؤتمر الوطني" المنحل، وقبلها المجلس العسكري الانتقالي، الذي أمر بفضّ الاعتصام، والذي يوجد أعضاؤه الآن في مجلس السيادة الانتقالي، معتبراً أن أي نتائج غير ذلك ستكون مجرد تزييف للحقائق.

متورطون معروفون
يتفق خالد عبد الرحمن، شقيق وليد عبد الرحمن الذي قُتل بعد الاحتجاجات التي تلت حادثة فضّ الاعتصام بأيام في منطقة الخرطوم بحري، شمال العاصمة، مع ما ذهب إليه كشة عبد السلام. ويقول عبد الرحمن لـ"العربي الجديد" إن لجنة التحقيق برئاسة نبيل أديب لا تمثّل الضحايا ولا أسرهم ولم تأتِ أصلاً لكشف الحقائق بل تزييفها وتبرئة الجهات المتورطة في فضّ الاعتصام المعروفة للجميع. ويشير إلى أن آلاف الأشخاص أدلوا بشهادتهم أمام اللجنة، وجميعهم أكدوا الحقائق المعروفة، بتورط المجلس العسكري الانتقالي وقوات الدعم السريع في الواقعة، ولكن لا يمكن تصوّر أن تقوم اللجنة بتثبيت تلك الحقائق وإدانتهم، مشدداً على ضرورة وجود لجنة دولية للتحقيق كبديل للجنة الوطنية.


وفي آخر تقرير لها حول حادثة فض الاعتصام صدر الثلاثاء الماضي، أعادت منظمة العفو الدولية تأكيد تورط قوات الشرطة وجهاز الأمن والمخابرات الوطني، وقوات الدعم السريع، في الهجمات المميتة ضد المحتجين في أوقات مختلفة، بما في ذلك فض اعتصام 3 يونيو. وأشارت المنظمة إلى أنها توصلت إلى تلك الحقائق بعد تحقيق لها أجرته في السودان في الفترة الماضية.

وقال ديبروز موشينا، مدير برنامج شرق وجنوب أفريقيا في منظمة العفو الدولية، إن المنظمة وثّقت أدلة على عمليات القتل المحددة التي تورطت فيها قوات الأمن، مطالباً السلطات الانتقالية في السودان بإجراء تحقيقات شاملة وفعالة ومستقلة في كل عمليات القتل، وغيرها من انتهاكات حقوق الإنسان التي تعرض لها المحتجون، وأن تشمل التحقيقات كل مراحل الاحتجاجات، لا سيما من منتصف ديسمبر/ كانون الأول 2018 إلى يونيو/ حزيران 2019. وأشار تقرير المنظمة الدولية إلى الاعتراف العلني للفريق الركن شمس الكباشي، المتحدث باسم المجلس العسكري في ذلك الوقت، بأن المجلس العسكري هو من أمر بتفريق المحتجين.

ولا يرى ياسر جبارة، الناشط في الحراك الثوري، أحد الشهود على حادثة فضّ الاعتصام، أي جديد في تقرير منظمة العفو الدولية، إذ إن آلاف الأشخاص كانوا يشاهدون في الثالث من يونيو القوات النظامية المختلفة بلباسها الرسمي المعروف ولوحات سياراتها المعلومة، وهي تتقدّم بتنسيق محكم فيما بينها لتنفيذ عملية فضّ الاعتصام، بدءاً من اقتحام الحواجز والمتاريس التي وضعها المعتصمون، مروراً باستخدام العصي والهراوات ضد المعتصمين، وانتهاء باستخدام الرصاص الحي، فكانت الحصيلة عشرات القتلى ومئات المصابين. ويلفت إلى أنه حتى القوات التي لم تشارك، أغلقت أبواب مقارها وتفرجت على ما يحدث، وهذا ما يجعلها شريكة في الجريمة، لأن الاعتصام في فكرته المطلقة عبارة عن تعاقد بين المعتصمين والجيش، يقوم على أساسه الأخير بحمايتهم من أي هجوم، وهو ما لم يحدث.

ويضيف جبارة، في تصريح لـ"العربي الجديد"، أن تلك الحقائق بالنسبة لهم كشهود عيان لا تحتمل حتى السؤال عنها، متوقعاً أن يكون التلاعب بنتائج التحقيق من زاوية الحديث عن أن تلك القوات بادرت من تلقاء نفسها إلى استخدام السلاح، ولم تُوجَّه لها أوامر مباشرة بفضّ الاعتصام وقتل المعتصمين، مستبعداً تماماً فكرة تسمية قيادات المجلس العسكري الانتقالي كمتهمين، مرجحاً أن تسمي لجنة التحقيق أشخاصاً آخرين، وتقدّمهم كبش فداء عن الفاعلين الرئيسيين ومتخذي القرار، الذي اعترف به الكباشي.

دعوات لانتظار النتائج
في مقابل ذلك، يبرز موقف آخر يدعو لإعطاء اللجنة الوطنية فرصة لإتمام عملها. ويؤكد عضو اللجنة القانونية لتحالف "قوى الحرية والتغيير"، محمد حسن عربي، في حديث لـ"العربي الجديد"، أنه "ليس هناك من يتمتع بالحصانة ضد العدالة بغضّ النظر عن منصبه الدستوري أو السياسي"، معتبراً أن لجنة التحقيق المستقلة التي تم تشكيلها "تتمتع بالكفاءة والنزاهة والاستقامة وهي محل ثقتنا".

ويعرب عربي عن ثقته بأن "اللجنة مؤهلة للوصول إلى الحقيقة، وهو هدف سامٍ أن نصل إلى معرفة حقيقة ما حدث، ومن هم الأشخاص المتورطون في التخطيط والتنفيذ وتحديد مسؤولية كل منهم وفق الأدلة والبينات بعد تقييمها"، مضيفاً "من حق أسر الشهداء إبداء رأيها في اللجنة ونحن نقدّر حرصها على معرفة الحقيقة وعلى تحقيق العدالة لأن قضيتها عادلة". لكنه يشدد على أنه "من المبكر جداً الحكم مهنياً أو سياسياً أو أخلاقياً على اللجنة أو لصالحها قبل تقديم تقريرها النهائي، ويترأسها قامة مهنية يتمتع بالكفاءة اللازمة والاستقامة التي رافقت مسيرته في العمل العام والحقوقي، ونحن نتابع باستمرار عمل اللجنة ونشعر بالرضا عن مستوى التقدّم حتى الآن".

ويلفت عربي إلى أن "الأجهزة الأمنية هي مؤسسات منشأة بموجب القانون وهي ملزمة بالقانون عند ممارسة عملها واختصاصاتها وخاضعة للمساءلة والمحاسبة"، مضيفاً أن "هناك عشرات الإجراءات لدى ديوان النائب العام في بلاغات متنوعة ومن ضمن المتهمين فيها منتسبون للأجهزة الأمنية"، مشيراً إلى "المحاكمة العادلة لقتلة الشهيد أحمد الخير والحكم بإعدام عشرات المنتسبين لجهاز المخابرات بسبب تعذيب وقتل الخير". ويوضح أن "قرار رئيس مجلس الوزراء بتشكيل لجنة التحقيق في فضّ الاعتصام نصّ بوضوح على تجميد الحصانات لأغراض التحقيق، وهذا القرار الذي يستند إلى الوثيقة الدستورية هو وفقاً لقانون تفسير القوانين يأخذ قوة القانون ويسود على أي نص آخر يمنح الحصانة الإجرائية أو الموضوعية في مجزرة فض الاعتصام".

من جهته، يقول الخبير القانوني عثمان العاقب إن أمام لجنة التحقيق فرصة تاريخية للخروج بنتائج تضع النقاط على الحروف، وتحدد بوضوح من أمر بقتل المعتصمين ومن نفذ، والتوصية كذلك بتقديمهم لمحاكمة عادلة ونزيهة، يقرر بعدها أولياء الدم القصاص أو العفو، مشيراً إلى أن ذلك يحتاج إلى مواقف شجاعة وصادقة من رئيس وأعضاء اللجنة، التي طالبها بأن تكون أكثر شفافية بالتوضيح للرأي العام بصورة دورية عن عملها، خصوصاً الشخصيات التي استدعتها.
ويشير العاقب، في حديث لـ"العربي الجديد"، إلى أن التكتم الشديد والسرية اللذين تحيط لجنة التحقيق عملها بهما يثيران شكوكاً حولها، داعياً إلى عدم استباق نتائج التحقيق بالتشكيك في اللجنة "وعلى الجميع التمهل حتى صدور التقرير النهائي ومن ثم الحكم لصالح أو ضد اللجنة وبعدها سيكون لكل حادث حديث"، معتبراً أن المطالبة بلجنة تحقيق دولية في الوقت الراهن حديث غير منطقي ما دام أن اللجنة الوطنية المستقلة لا تزال تمارس مهامها.

في السياق، يستبعد المحامي عبد العظيم محمد علي، وجود فرصة أمام لجنة التحقيق للزج بطرف ثالث كمتورط في القضية، موضحاً في حديث مع "العربي الجديد" أنه تابع أقوال عدد من شهود عيان الذين أدلوا بإفادتهم أمام اللجنة، وأجمعوا على أن قوات الدعم السريع والأمن والشرطة هي التي شاركت في فضّ الاعتصام، لافتاً إلى أن القوة الوحيدة التي يمكن إضافتها كجهة متورطة، هي قوات الأمن الشعبي الموالية للنظام السابق المعروفة بكتائب الظل، والتي ربما استغلت الموقف في ذلك اليوم، وشاركت في العملية بعلم أو من دون علم المجلس العسكري الانتقالي. ويضيف علي: "مهما يكن من وجود لطرف ثالث من عدمه، فإن كل القوات النظامية التي شاركت في العملية عليها تحمّل مسؤولية الجرائم التي حدثت من قتل وتعذيب واغتصاب"، رافضاً الحديث المستمر عن عدم استقلالية اللجنة أو تعمّدها تأخير النتائج، مشيراً إلى أن الجرائم التي تحقق فيها اللجنة ليست سهلة، بل معقّدة وتحتاج إلى تحريات عميقة ودراسات مستفيضة وسرية كاملة وقد تحتاج إلى زمن إضافي، مبيناً أن اللجنة ليست معنية بمحاكمة أشخاص بقدر ما هي معنية بتسليم تقريرها للنائب العام ليتخذ بعد ذلك الإجراءات المطلوبة.