تحشيد عسكري يعجّل معركة سرت: قذاف الدم يمول التجنيد

28 يونيو 2020
الصورة
نشرت مليشيات حفتر صوراً لتشكيلات تتجه لسرت(عبدالله دوما/فرانس برس)
مع تعثر التوصل إلى تفاهمات سياسية بشأن الأزمة الليبية، تتجه الأوضاع على الأرض، خصوصاً في سرت والجفرة، إلى معركة كسر عظم بين قوات حكومة الوفاق ومليشيات اللواء المتقاعد خليفة حفر، المدعومة من دول إقليمية ودولية مختلفة، إذ إن كل طرف يحشد قوات على هذا المحور. وفي الوقت الذي كشفت فيه مصادر مصرية، لـ"العربي الجديد"، عن وجود تعليمات واضحة لسلاح الجو المصري باستهداف أية آليات تتقدم نحو سرت والجفرة، كان رئيس مجلس النواب في طبرق عقيلة صالح يقدم غطاء للقاهرة، عبر إشارته، في مقابلة مع قناة تلفزيونية مصرية، إلى أن "بلاده ستحتاج إلى دعم القوات المسلحة المصرية في حربها ضد الإرهاب والمرتزقة".

وكشفت مصادر مصرية خاصة، لـ"العربي الجديد"، عن اجتماع جرى أخيراً بين المسؤول السياسي لما يعرف بجبهة النضال الوطني الليبية أحمد قذاف الدم، وسفير نظام العقيد الراحل معمر القذافي سابقاً في القاهرة، ورئيس المخابرات العامة المصرية اللواء عباس كامل، جرى خلاله التباحث بشأن الأوضاع في سرت، معقل قبيلة القذاذفة. وقالت المصادر إن "قذاف الدم تعهّد بتمويل عمليات جديدة لتجنيد مرتزقة للدفع بهم إلى سرت ومناطق الجنوب الليبي حيث معاقل إنتاج البترول". وأوضحت أن "الجانب المصري نسق مع قذاف الدم بشأن تمويل عمليات تجنيد مرتزقة يتبعون مليشيات سورية من اللاذقية، بتنسيق مصري روسي وتحت إشراف من شركة فاغنر الروسية". وأشارت إلى أنه "تم اللجوء إلى عناصر مقاتلة مدربة، وشاركت في حرب شوارع قبل ذلك، حيث كانت المليشيات التي شاركت إلى جانب نظام (بشار) الأسد في سورية الأنسب، نظراً لمعرفتها الجيدة بطبيعة تلك المعارك، ومعظمها قاتل إلى جانب مجموعات فاغنر". وأوضحت المصادر أنه تم الاتفاق مع مسؤولي المليشيات على قيام عناصرها بتأمين المنشآت النفطية مقابل 1200 دولار للمقاتل شهرياً بعقود تمتد لأربعة أشهر فقط.

من جهتها، نقلت قناة "الجزيرة"، أمس الأحد، عن مصادر محلية من مدينة الكفرة جنوب شرق ليبيا إشارتها إلى "وصول مرتزقة من السودان وتشاد إلى جنوب مدينة أجدابيا" شرق البلاد، موضحة أن قيادة مليشيات حفتر سترسل هؤلاء المرتزقة إلى مدينة سرت ومحاورها الغربية. وفي إطار التحشيد العسكري، نشرت "الكتيبة 128 مشاة" التابعة لمليشيات حفتر، على صفحتها على "فيسبوك"، صوراً لمغادرة تشكيلات عسكرية مدينة بنغازي لتعزيز المجموعات المتواجدة في سرت وسط البلاد.

في هذه الأثناء، أكد المتحدث باسم قوات حكومة الوفاق محمد قنونو، مساء أول من أمس، أنه "بات من الملح تحرير سرت والجفرة والحقول النفطية من سطوة مرتزقة فاغنر ومليشيات حفتر، سلماً أو حرباً". وقال إن "العصابات الإجرامية المحلية والمرتزقة الروس يحتلون المدينتين وحقول النفط". وأضاف: "نحمل المسؤولية لدول عربية وأجنبية دعمت المرتزقة وأسهمت في جلبهم وسهّلت دخولهم، وتحاول اليوم حمايتهم بجعل أماكن وجودهم في ليبيا خطوطاً حمراء". وأكد أنه "من غير المقبول الحديث عن وقف إطلاق النار، في الوقت الذي يحتل فيه المرتزقة الأجانب سرت والجفرة، ويسيطرون على حقول النفط، مصدر قوت الليبيين، بالتواطؤ مع المتمردين والانقلابيين في الداخل وأطراف خارجية باتت معلومة للجميع". واعتبر قنونو أن "سرت أصبحت اليوم بؤرة تجمع للمرتزقة الأجانب التابعين لفاغنر من روسيا وسورية والعصابات الإجرامية المحلية المتهمة بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية". وأوضح أن "تلك المجموعات جعلت، بعد طردها من العاصمة طرابلس ومدينة ترهونة، من سرت أكثر الأماكن خطورة على الأمن والسلم المجتمعي في ليبيا".




في هذا الوقت يواصل عقيلة صالح تقديم غطاء لأي تدخل مصري مباشر في ليبيا. وأعلن، في مقابلة مع قناة مصرية، أن "بلاده ستحتاج دعم القوات المسلحة المصرية في حربها ضد الإرهاب والمرتزقة، وأن استجابة النواب الليبيين لدعوة الرئيس عبد الفتاح السيسي لا يمكن إغفالها". واعتبر أن "موقف السيسي وتحذيره الأخير بشأن الصراع الدائر في ليبيا مشروع لحماية الأمن القومي المصري". وكان السيسي اعتبر أخيراً أن مدينة سرت خط أحمر لا يمكن تجاوزها بالنسبة لقوات حكومة الوفاق. وقالت مصادر مصرية، لـ"العربي الجديد"، إن "الأجهزة المصرية المعنية تتابع الوضع والتحركات في سرت والجفرة ومحيطهما عبر تقارير يومية"، مؤكدة أن "هناك تعليمات واضحة لسلاح الجو المصري لاستهداف أية آليات تتقدم نحو المنطقتين". وعقب زيارة عدد من مشايخ قبائل المنطقة الشرقية الليبية للقاهرة أخيراً انتشرت صور للرئيس المصري في شوارع عدد من المناطق، معلقة على أعمدة الإنارة وبعض المباني، ومدون عليها "مصر قلب العروبة"، وهو ما أرجعته مصادر قبلية ليبية إلى اتفاق جرى مع المسؤولين المصريين بشأن تلك الخطوة.

من جهة ثانية، طالب عضو المجلس الأعلى للدولة عبد الرحمن الشاطر، في تغريدة، "بتشكيل حكومة حرب، وذلك للضرورة العسكرية". وقال الشاطر إن "حرباً شديدة طويلة وقاسية يراها قادمة، وإن المجلس الرئاسي ثبت عجزه عن تقديم المفيد للبلاد وبسياساته الخاطئة أوصلنا لهذه الكوارث". وأضاف أن "المطلوب عاجلاً حكومة حرب على مستوى عال من الحنكة والخبرة والقدرة على اتخاذ القرارات الصعبة، وليبقَ (رئيس الحكومة فائز) السراج لغرض التوقيع فقط". وفي تصريح لموقع "عين ليبيا"، قال الشاطر "لا بد من وجود حكومة حرب تتعامل عسكرياً مع عدوان عسكري على الشرعية. دخول مرتزقة فاغنر حقول النفط والسيطرة عليها هو احتلال صريح لليبيا لا ينبغي أن يُعالج سياسياً، فذلك يعني اعترافاً بالغزاة وحقهم في حصة من ثروات وسيادة الدولة الليبية، وهذا خطأ فادح وتفريط يرقى لمستوى الخيانة".

من جهتها، أعربت الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة بالإنابة ستيفاني وليامز عن انزعاجها من تقارير تفيد بدخول مجموعات من المرتزقة إلى حقل الشرارة النفطي، جنوب غرب ليبيا، ومنشآت نفطية أخرى، ما ينذر بتحويلها إلى منطقة صراع. وناقشت وليامز خلال لقائها مع رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق فايز السراج جهود البعثة الأممية في المسارات العسكرية والأمنية والاقتصادية، واستئناف المسار السياسي، إضافة لمسألة الألغام التي زرعتها قوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر في منازل المدنيين جنوب العاصمة طرابلس.

من جهة أخرى، ذكرت بعثة الأمم المتحدة في ليبيا، أمس الأحد، أن الألغام المضادة للأفراد التي زرعت في أحياء جنوب طرابلس أسفرت عن أكثر من مائة قتيل وجريح، بينهم عدد كبير من المدنيين، وذلك منذ انتهاء المواجهات بداية يونيو/حزيران الحالي.