تحرير ميدانَي رمسيس والتحرير من الثورة

27 اغسطس 2020
الصورة
+ الخط -

كل ما له علاقة بثورة يناير في مصر يوجع السلطة وجعا شديدا، ليس على مستوى الأشخاص الذين اشتركوا فيها وساندوها، كفلان أو فلان، ولكن أيضا على مستوى الأماكن، أي أماكن كانت، كميدان رابعة العدوية مثلا، وآه لو كانت هذه الأماكن هي ميدان التحرير مثلا، أو رمسيس.

تحرص السلطة الحالية، في كل مناسبة، على طمس تلك الآثار، سواء بتغيير الأسماء أو حتى المعالم، فالكباش يُمكن أن تُنقل من أسوان إلى التحرير، ومحطة مصر أو باب الحديد (أيقونة المسافرين وسامرهم الليلي) مع قطارات الليل والنهار، ومواعيدها المنتظرة والمليئة بالحكايات من طول البلاد وعرضها، خلال ما يقرب من 150 سنة بكل شجونها وتعبها، وذاكرة المسافرين واللصوص في قطاراتها والباعة والمقطوعين والشيّالين ونقل البضائع والعفش والجنود والبضائع، وأغاني القطارات التي غنّى لها عبد الوهاب "يا وابور قولي رايح على فين" وأم كلثوم "على بلد المحبوب وديني"، يمكن محوها من الذاكرة أيضا بجرّة قلم من لواء كان في يوم تلميذا من قرية أو بندر يتمنّى أن يرى محطة مصر، ويحتار من كثرة الخلق حواليه، وصعايدة قبلي وفلاحين بحري الذين التقوا في أغلب أفلام السينما خلال مائة سنة، مرورا بفيلم يوسف شاهين "باب الحديد"، يمكن رميه في أرشيف العدم أيضا، وإلغاء وصول الصعايدة إلى المحطة، مكان سامرهم وبداية غربتهم في المدن، بعدما تحقّقوا. تأمّل فيلم "البيه البواب" حينما ركب أول قطار إلى العاصمة من محطة سمالوط، فليكن لقاء الصعايدة في الدقّي، مثلا، أو حتى أبو النمرس. المهم أن تفكّك هذه الأسطورة، ولا يكون هناك لقاء لتلك الجموع التي تتلاقى كل صباح وليل في محطة رمسيس من ملايين الصعايدة، أما فلاحو الدلتا فالسلطة قادرة على توزيعهم في محطات المترو، كما تم تفريغ موقف ميكروباصات رمسيس من قبل إلى خارج رمسيس.

تفكيك الميادين ورمزيتها، بل محوها أيضا، من الذاكرة، ميدان اللؤلؤة في البحرين خير مثال حينما حوّلوه إلى عدم. كان أكبر تجمع لشباب ثورة يناير ينطلق ويتكون في ميداني التحرير ورمسيس، وميدان رابعة فيما بعد "30/6" كان ما يؤرّق السلطة خلال إعادة وجودها وهيمنتها، هو كيف يتم لها استبدال هذه الأماكن بأخرى، مكيدة في المكان الأول، ومكيدة في الثورة، جرّبوا المذابح، في المكان نفسه، كي تعمّد الثورة المضادّة بالدماء، فالدماء خير طريق إلى السلطة كي تنتقم من الثورات، فكان القتل خلال الـ 18 يوما في آخر حكم حسني مبارك فاق الألف شهيد. لم يشفهم ذلك، فحوّلوها إلى ما يشبه الغزوة في "موقعة الجمل"، وكانت فضيحة للنظام أدّت إلى نهايته. أعتقد أنها فكرة رجال الأعمال وبعض الهواة غير المحترفين للقتل وسفك الدماء وقد ندموا عليها، لأنها كانت بداية نجاح الثورة، وانتبهوا إلى ذلك، بأن الثورة المضادّة لا بد أن تعمّد بالدم والنار، فكانت وقائع المنصّة والحرس الجمهوري ورابعة ومأساتها بالحرق والقتل والنهضة ورمسيس أيضا (120 شهيدا في يوم واحد) ومن قبلهما وبعدهما استاد بورسعيد، ثم ملعب الدفاع الجوي. .. كلها رمزيات للقتل في المكان، بل قتل المكان نفسه وحرقه، (كما في حرق محطة مصر نفسها بتانكات سولار القطارات)، إلا أن ذلك كله لم يشف غليل ذاكرتهم، فكان المحو الجزئي على مراحل، وبدأوا برابعة، الهدم، هدم حتى المسجد، ثم تغيير الاسم، ثم جاؤوا بالكباش إلى ميدان التحرير، وأكبر علم وأطول سارية، وترحيل الوزارات من ميدان التحرير، بل عرض المكان نفسه للبيع، أو التمهيد لذلك كفندق مثلا، ثم أكبر نافورة.. إلخ، ثم عادوا إلى ميدان رمسيس، ولم يجدوا إلا المحطة، تأملوها، فلم يجدوا إلا الصعايدة، وكأن الصعايدة وحدهم هم الذين فعلوا الثورة، لا مصر كلها.

كلها حروبٌ موجهة للمحو، محو يناير تماما ورمزية ثورته من الذاكرة تماما. رهان غير مستحيل، لأنها أماكن، والأماكن سهلٌ تغييرها، فالبلدوزرات موجودة، والونش موجود، وآلات الهدم والحفر موجودة، والمعدّات الثقيلة للجيش متوفرة، والأسمنت والخرسانة التي تكفي لأكبر سارية علم موجودة والحمد لله، فما السبيل إلى محو الذاكرة ومحو ما فيها حتى من أشرطة مسجلة.

ما تم تصويره صعب، فليكن المحو في المكان، كي تكون الأفلام بلا قيمة، لأنها لا تطابق الواقع أبدا. الألم لدى السلطة يفرض عليها المحو. محو الثوّار أيضا، بالعطايا أو بعلامات الجنون والهلوسة، وإبعادهم في المنافي أو السجون أو القتل، صحيح له تكلفة عالية في الخارج، ولكن الخارج سهل أمره، كحالة الطالب الإيطالي جوليو ريجيني مثلا. علينا بالداخل، فهو الأهم، خصوصا الميادين، حتى ولو كان المكان محطة مصر، حتى ولو صوّر فيه يوسف شاهين فيلمه الذي كتبه عبد الحي أديب "باب الحديد"، فالذي استطاع أن يقتل هنّومة ويُدخل الجنون على قناوي قادر أيضا على أن يرمي الصعايدة خارج رمسيس، سواء في كفر غطاطي أو حتى المرازيق.