تحدّي لقاح كورونا الروسي... "عقدة الريادة" تزاحم الأمل العالمي

موسكو
سامر إلياس
11 اغسطس 2020

في تجاهل للجدال حول ضرورة الانتهاء من جميع التجارب السريرية ومعرفة الآثار الجانبية لأيّ لقاح يجري تطويره ضدّ كورونا، أعلن فلاديمير بوتين أنّ روسيا سجلت أول لقاح عالمي على هذا الصعيد

في أثناء اجتماع مع أعضاء الحكومة الروسية، عن بعد، الثلاثاء، قال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين: "بلغني أنّه تم تسجيل لقاح ضد فيروس كورونا الجديد هذا الصباح للمرة الأولى في العالم"، في إشارة واضحة إلى فوز بلاده بالريادة في السباق على التوصل إلى لقاح للفيروس الذي تحول إلى وباء عالمي سريعاً. من المعروف أنّ منظمة الصحة العالمية ذكرت في تقرير، نهاية يوليو/ تموز الماضي، أنّ هناك ما بين 170 و218 لقاحاً ضد الفيروس يجري العمل عليها في العالم. وحددت ستة لقاحات واعدة تمرّ في المرحلة الثالثة من الاختبارات، يتصدرها اللقاح الذي تعمل عليه جامعة "أوكسفورد" البريطانية مع شركة "أسترازينكا" البريطانية السويدية، من دون أيّ إشارة من المنظمة بين تلك اللقاحات الستة، إلى التجارب الروسية.

لكنّ بوتين شدد أثناء إعلانه عن تسجيل اللقاح الروسي، الثلاثاء، على أنّه "يعمل بشكل فعال جداً، ويشكل مناعة مستقرة، وأكرر أنّه اجتاز جميع الاختبارات اللازمة"، مشيراً إلى أنّ إحدى ابنتيه "جربت بنفسها هذا اللقاح، وقد شاركت في التجارب. وبعد التطعيم الأول، كانت درجة حرارتها قد ارتفعت إلى 38، وفي اليوم التالي تدنت إلى 37"، مؤكداً أنّ ابنته حصلت على الجرعة الثانية من اللقاح وأنّها "تتمتع بصحة جيدة ومعنويات مرتفعة". وطلبت عشرون دولة مسبقاً مليار جرعة من اللقاح الروسي.
وجاء تسجيل اللقاح الروسي بالرغم من مناشدات شركات منتجة للأدوية بعدم الاستعجال في التسجيل وإنهاء جميع مراحل التجارب السريرية قبل البدء بالإنتاج المتسلسل، وإطلاق حملات التطعيم الطوعي أو الإجباري للمنتج. وتراوح فترة التجارب السريرية البشرية بين 12 و18 شهراً، وقد تصل إلى عدة سنوات، عادة، ويتم فيها إجراء عدة مراحل، تبدأ بعينات حتى 100 متطوع، وتتوسع لاحقاً في المرحلتين الثانية والثالثة إلى مئات وحتى آلاف المتطوعين. وقبل التسجيل تراعى دراسة تأثيرات اللقاح الجانبية على المتطوعين، مع التأكد من سلامة المركب على الكبار في العمر والمرضى ذوي المناعة الضعيفة. وكانت وزارة الصحة الروسية قد أعطت الإذن لمعهد "غاماليا" للبحوث ببدء التجارب على اللقاح، الذي أعلن عن تسجيله الثلاثاء، في إبريل/ نيسان الماضي.
وجاء تسجيل اللقاح الجديد غداة "رسالة مفتوحة" أطلقتها "جمعية منظمات الاختبارات السريرية" في روسيا، رداً على نية الحكومة تسجيل اللقاح الذي أطلق عليه اسم "غام كوفيد فاك" في البداية. وفي إشارة واضحة إلى أنّ تسجيل اللقاح جاء لكسب السباق العالمي للتوصل إلى لقاح فعال ضدّ الفيروس، أطلقت الشركة الروسية المنتجة اسم "سبوتنيك 5" عليه، في مقارنة بين الوصول إلى الفضاء عبر صاروخ سبوتنيك عام 1957 والتوصل لهذا اللقاح ضدّ الفيروس الخطير. وفي فيديو أرسله صندوق الاستثمارات الروسي مباشرة إلى وسائل الإعلام، يظهر اللقاح الجديد باسم "سبوتنيك 5" على شكل قمر صناعي يحرر كوكب الأرض من فيروس كورونا. وندد رئيس الصندوق كيريل ديمتريف بـ"هجمات إعلامية منسقة" ضد اللقاح الروسي، قائلاً إنّها تحاول "تشويه وإخفاء دقة النهج الروسي"، وحض على التعاون مع الولايات المتحدة في ما يخص اللقاح "كما حصل أثناء مهمة سويوز - أبولو في السبعينيات". 

الصورة

وكان دميترييف قد أعلن، في 21 يوليو/ تموز الماضي، أنّ روسيا قد تبدأ في إنتاج اللقاح، بشكل تجاري، في أغسطس/ آب (الجاري). وذكر أنّ المرحلة الثالثة من الاختبارات ستبدأ في روسيا وعدة دول قبل مباشرة الإنتاج الواسع للقاح. وكشف حينها أنّه سيتم إنتاج 30 مليون جرعة من اللقاح في روسيا و200 مليون جرعة للدول الأخرى، وأنّ المرحلة الثالثة من التجارب السريرية للقاح ستجرى في الشرق الأوسط، بما في ذلك 100 شخص في الإمارات وتركيا، وفي دول أفريقية وغيرها. ويراهن صندوق الاستثمارات الروسي على إنتاج أكثر من 3 مليارات جرعة من هذا اللقاح في عام 2021.
وبالعودة إلى رسالة "جمعية منظمات الاختبارات السريرية" إلى وزارة الصحة، فقد طلبت "تأجيل البحث حول تسجيل اللقاح الذي أعده معهد بحوث غاماليا إلى حين العبور بنجاح من جميع مراحل الاختبارات السريرية". وأوضحت الجمعية في الرسالة الموقعة باسم مديرتها التنفيذية سفيتلانا زافيدوفا، أسباب طلب التأجيل، مشيرة إلى أنّ "مبتكري اللقاح يوضحون أنّ وصوله السريع جداً إلى مرحلة التسجيل جاء لأنّه ابتكر على أساس لقاح ميرس (متلازمة الشرق الأوسط التنفسية) الذي عمل مركز غاماليا على تطويره لعدة سنوات". 
وأشارت إلى أنّه "وفقاً لهيئة التسجيل للاختبارات السريرية، فإنّ لقاح معهد غاماليا ضد فيروس ميرس، ما زال في إطار التحضير في المرحلتين الأولى والثانية، ويخطط لإنهاء المرحلتين بحلول 31 ديسمبر/ كانون الاول 2020". وشددت الجمعية على أنّه "من وجهة نظرنا ليس مقبولاً بالمطلق البناء على لقاح فيروس غير مسجل من أجل تسريع عملية تسجيل لقاح آخر"، مشيرة إلى أنّ المعهد عمل على تطوير لقاحات لمرض "إيبولا". وحذرت الجمعية من أنّ معهد "غاماليا" يؤكد أنّ أقل من 100 شخص جربوا اللقاح في أثناء المرحلة الثالثة من التجارب السريرية، في حين "يشارك عادة عدة آلاف من الأشخاص" في مثل هذه التجارب، مع الأخذ بالاعتبار أنّه "في أثناء التجارب السريرية الواسعة لا تجمع المعلومات عن نجاعة اللقاح فقط بل عن مخاطره على الأشخاص من ذوي المناعة الضعيفة والأمراض المزمنة وغيرها". 
لكنّ هيئة الرقابة على الأدوية والصحة الروسية رفضت مناشدات الخبراء في مجال الشركات الدوائية والجمعيات لتأجيل تسجيل اللقاح، وأكدت نائبة رئيس الهيئة فالنتينا كوسينكو، في تصريح لموقع "إر بي كا" الروسي، أنّه "بعد التسجيل وفي المرحلة الثالثة من الاختبارات السريرية، يخطط لإجراء اختبارات على آلاف المتطوعين، وهي بمثابة الاختبارات السريرية واسعة النطاق المسموح بها في شروط الجائحة العالمية". 

من جانبه، أوضح رئيس قسم الأحياء الدقيقة للأمراض المعدية القاتلة في معهد "غاماليا" فيكتور زويوف، في تصريحات لموقع "360 درجة"، أنّه لا يوجد أي شيء يدعو للاستغراب في إنتاج اللقاح سريعاً، وقال إنّ "اللقاح صمم على أساس المشروع ضد إيبولا وليس لأنّنا أنجزناه من دون تمحيص وحرص". وفي إشارة إلى عدم وجود مخاطر، قال: "هذا اللقاح آمن ويحقق المتطلبات اللازمة من أيّ لقاح، وليس صدفة أنّ المبتكرين جربوه على أنفسهم... عمري 92 عاماً وجربته وأشعر بأنّي في تمام الصحة". 
في المقابل، قال وزير الصحة الأميركي أليكس عازار، خلال زيارة لتايوان، رداً على سؤال عن رأيه في إعلان روسيا أنّها أصبحت أول دولة تسجل لقاحاً ضد الفيروس: "النقطة لا تتعلق بأول من يتوصل للقاح. الأهم هو أن يكون اللقاح آمناً وفعالاً للشعب الأميركي وشعوب العالم". وأضاف أنّ من المهم وجود بيانات شفافة عن اللقاح لإثبات سلامته وفعاليته. وأشار إلى أنّ الولايات المتحدة لديها ستة لقاحات في طور التطوير بموجب مبادرة العملية "وارب سبيد". في الوقت نفسه، شككت مستشارة البيت الأبيض، كيلي آن كونواي، بالإعلان الروسي، وقالت إنّ "المعايير الأميركية أكثر تشدداً بكثير".

الصورة

كذلك، علّقت منظمة الصحة العالمية بحذر على الإعلان الروسي، وقال المتحدث باسم المنظمة، طارق ياساريفيتش: "نحن على تواصل وثيق مع السلطات الروسية والمحادثات تتواصل. المرحلة التي تسبق الترخيص لأيّ لقاح تمرّ عبر آليات صارمة". وأوضح المتحدث أنّ "مرحلة ما قبل الترخيص تتضمن مراجعة وتقييماً لكلّ بيانات السلامة والفعالية المطلوبة التي جمعت خلال مرحلة التجارب السريرية". وأشار إلى أنّه بالإضافة إلى المصادقة التي تمنحها الجهات المختصة في كلّ بلد، "وضعت منظمة الصحة العالمية آلية ترخيص مسبق للقاحات والأدوية. ويطلب المصنّعون الترخيص المسبق من منظمة الصحة العالمية لأنّه بمثابة ضمان للنوعية".
وبالرغم من تسجيل عدد كبير من الإصابات في روسيا بسبب توسعها في اختبار الفحوص، ووصل العدد، الثلاثاء، إلى 897.599 إصابة، فإنّ عدد الوفيات لم يكن كبيراً، إذ لم يتجاوز 15.131، ووصل عدد المتعافين، بحسب البيانات الرسمية، إلى 703.175 شخصاً. ويرجع كثير من الخبراء تراجع عدد الوفيات في روسيا إلى "مغامرة" وزارة الصحة، في بداية إبريل/ نيسان، وإقرارها بروتوكول علاج للوقاية والعلاج من كورونا، يتضمن استخدام عقارات: "كلوروكين"، و"هيدروكسي كلوروكين"، و"لوبينافير" مع "ريتونافير"، و"أزيثروميسين" مع "هيدروكسي كلوروكين"، و"إنترفيرون"، بعدما أثبتت وكالة الطب الحيوي الفيدرالية الروسية فعالية عقار "ميفلوكين" العلاجية والوقائية ضد فيروس كورونا، وهو من فصيلة الأدوية المستخدمة في علاج الملاريا والوقاية منها، حاله حال "هيدروكسي كلوروكين".
وعزت المصادر الطبية الروسية حينها استخدام هذا البروتوكول إلى صعوبة إنتاج علاج سريع للفيروس الجديد، وأكدت رئيسة وكالة الطب الحيوي الفيدرالية، فيرونيكا سكفورتسوفا، أنّه "ثبت أنّ ميفلوكين يعيق تماماً تطور التأثير الخلوي للفيروس في مزرعة الخلايا، بتركيز 2 ميكروغرام لكلّ لتر"، موضحة أنّ "مثل هذا التركيز في بلازما الدم يتحقق بعد تناول الدواء بجرعات علاجية معتمدة لاستخدام البشر". 
وبرر عضو الأكاديمية الروسية للعلوم، رئيس قسم علم الأحياء الدقيقة والفيروسات والمناعة بجامعة "سيتشينوف" الطبية الحكومية في موسكو، فيتالي زفيريف، استخدام أدوية الملاريا بأنّ تطوير أدوية جديدة لعلاج فيروس كورونا يحتاج إلى ما بين سنة ونصف وسنتين، مع إشارته إلى أنّ الفيروس "أصبح معنا إلى الأبد"، مشدداً على الحاجة إلى تطوير أدوية له "في بيئة هادئة". 

وأصدرت وزارة الصحة الروسية، في إبريل/ نيسان الماضي، تعليمات تنطلق من اعتبار كلّ من تظهر عليهم علامات سريرية للالتهاب الرئوي، أو يشتكون من أعراض أخرى مميزة لمرض كورونا، مرضى حقيقيين والبدء بعلاجهم من دون انتظار نتائج التشخيص المخبري. وأوضحت أنّ "معظم المرضى من أولئك الذين لجأوا إلى الأطباء في وقت متأخر، سيواجهون مشاكل خطيرة، قد تصل إلى حدّ الوفاة. لذلك، من المهم للغاية بدء العلاج بالفعل عند الكشف عن الأعراض الأولى، مع الاعتماد ليس على الاختبارات، لكن على الكشف السريري مع التصوير المقطعي المحوسب أو بيانات الأشعة السينية". وقررت الوزارة بالتزامن مع التوسع في فحص المرضى مخبرياً التركيز على الفحص السريري والمباشرة بالعلاج فور ظهور أعراض المرض عليهم، خصوصاً أنّ بعض المرضى يعودون بعد فترة قصيرة لكن في حالة صحية خطيرة جداً. 
ومع التطور غير الواضح للمرض، اعتمدت معظم المستشفيات الروسية على التصوير المقطعي المحوسب للرئتين واعتبرته الاختبار الأكثر حساسية لتشخيص مرضى الفيروس، وعدم انتظار نتائج المختبر، والبدء بعلاج الخاضعين للتصوير على أنّهم مرضى كورونا في حال الكشف عن التهاب رئوي وصفي للفيروس، نظراً لإمكانية حصول خطأ في التشخيص المخبري.

ذات صلة

الصورة

مجتمع

حذّر كبار علماء مكتب رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون، اليوم، المواطنين البريطانيين من أن المملكة المتحدة وصلت إلى "نقطة حرجة" من جائحة فيروس كورونا، وذلك تمهيداً لإجراءات جديدة أكثر صرامة.
الصورة
المفوضة الأوروبية أورسولا فون دير لايين (Getty)

مجتمع

حضّت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون ديرلاين، الأربعاء، أعضاء الاتحاد الأوروبي على بناء "اتحاد صحة" أقوى، ووعدت بإنشاء وكالة لأبحاث الطب الحيوي وعقد قمة دولية.
الصورة
شركة آبل (لياو بان/Getty)

منوعات وميديا

أطلقت شركة "آبل" خدمة افتراضية جديدة للياقة البدنية وحزماً لجميع اشتراكاتها باسم "آبل وان"، لتركز بدرجة أكبر على الخدمات التي أصبحت العمود الفقري لاستراتيجيتها للنمو وتتوجه إلى العملاء العاملين من المنازل خلال جائحة "كوفيد-19"
الصورة
قياس الحرارة قبل الدخول إلى باحة المدرسة في تونس (ياسين قايدي/ الأناضول)

مجتمع

اليوم، تنطلق المدارس في تونس وسط إجراءات وقائية لحماية التلاميذ والكادر التعليمي من الإصابة بكورونا. وعلى الرغم من تأييد بعض الأهالي، يقول آخرون إن البلاد والمدارس غير جاهزة بعد