تحديات الموازنة السعودية... خبراء يشككون في تقديرات الإيرادات والعجز

19 ديسمبر 2018
الصورة
خلال مؤتمر الموازنة بالرياض(فايز نور الدين/ فرانس برس)

كشفت السعودية  عن خطتها لزيادة الإنفاق الحكومي بما يزيد عن 7% في موازنة  2019 التي أعلنت عنها الثلاثاء، مؤكدة أنها الأكبر على الإطلاق في تاريخ المملكة، ويصل حجمها إلى 295 مليار دولار. 

وتوقعت الموازنة أن يرتفع الإنفاق إلى أعلى مستوياته على الإطلاق عند 1.106 تريليون ريال  (295 مليار دولار)، من إنفاق فعلي قدره 1.030 تريليون ريال هذا العام.

في المقابل، أوردت الموازنة الجديدة أن إيرادات  النفط ستقفز 9% في العام المقبل 2019 إلى 662 مليار ريال. لكن هذا التوقع يراه خبراء اقتصاد غير واقعي، حيث يعتقد كثير منهم أن أسعار النفط لن ترتفع كثيرا على الأرجح العام المقبل، بل ربما لن تشهد أي ارتفاع على الرغم من اتفاق منظمة أوبك ومنتجين من خارجها، مثل روسيا، على خفض الإنتاج 1.2 مليون برميل يومياً في العام المقبل.

وعلى الرغم من ذلك، فإن توقعات إيرادات موازنة السعودية الجديدة ربما يبررها مزيد من الخفض في دعم أسعار الوقود المحلية، وهي خطوة أخرى ربما تضر القطاع الخاص. وقالت السلطات إن مزيداً من الخفض سيتحقق في نهاية المطاف، لكنها لم تكشف عما إذا كان ذلك سيكون وشيكاً أم لا.

وقدر مازن السديري، رئيس البحوث بشركة الراجحي المالية، في تصريحات إعلامية، سعر النفط المستهدف للحكومة بـ70 دولارا للبرميل خلال الأعوام الثلاثة القادمة، وقال إن موازنة 2019 تحتاج أن يبلغ متوسط سعر النفط 84 دولارا للبرميل لتحقق التوازن، وهو رقم صعب الوصول إليه، حسب تقديرات بنوك استثمار وخبراء نفط عالميين.

وقال بعض المحللين إن توقعات إيرادات السعودية لعام 2019 مفاجئة، لأنها تعتمد على تقدير مرتفع نسبياً لسعر برميل النفط. ولفت زياد داوود، كبير الاقتصاديين في الشرق الأوسط في "بلومبيرغ إيكونوميكس"، اليوم، إلى أن الخطة تتحدى "قوانين علم الحساب".

ولفت إلى أن توقعات الحكومة تعتمد غالباً على سعر خام يصل إلى 80 دولاراً للبرميل في 2019، لكن سيكون عليه أن يرتفع إلى 95 دولاراً للبرميل لتحقيق التوازن في الموازنة. في حين تم تداول خام برنت بالقرب من 56 دولاراً للبرميل، الأربعاء. علماً أن السعودية لا تعلن عن توقعات سعر النفط الذي تعد على أساسه احتساب الإيرادات.

أما رد الفعل الفوري من المستثمرين في البورصة فهو ضعيف، بحسب بلومبيرغ، حيث انخفض مؤشر بورصة السعودية الرئيسي بنسبة 0.8% في أول عشر دقائق من التداول اليوم. يأتي ذلك بعد استجابة صامتة من مستثمري السندات الثلاثاء، فقد أقفلت سندات السعودية البالغة 5 مليارات دولار المستحقة في 2028، من دون تغير يذكر.

عودة إلى داوود، الذي شرح أن "الميزانية تتوقع زيادة في الإيرادات بنسبة 9% مستندة إلى خفض الإنتاج وفق اتفاق أوبك، في حين أن الأسعار لا تزال منخفضة. خفض دعم النفط من غير المرجح أن يؤدي إلى سد الفجوة. هذا يترك الحكومة أمام خيارين، إما خفض الإنفاق مجدداً والقبول بنمو اقتصادي أبطأ، أو تفويت هدف خفض العجز. نتوقع أن تتوجه السعودية إلى الخيار الثاني".

ويُقدر العجز، الذي تعهدت الحكومة بالقضاء عليه بحلول 2023، بنحو 136 مليار ريال هذا العام، وهو أقل كثيرا من العجز المتوقع أصلا لعام 2018 عند 195 مليار ريال، في حين تتوقع الحكومة بموازنة 2019 انخفاضاً طفيفاً في العجز إلى 131 مليار ريال.

التشكيك ذاته يتكرر على لسان جيسون تواي، كبير اقتصاديي الأسواق الناشئة في "كابيتال إيكونوميكس" في لندن، الذي قال في تقرير بعنوان "الميزانية السعودية: تمنيات"، إن الموازنة السعودية لعام 2019 أشارت إلى المزيد من التخفيف المالي، لكن يبدو أن الحكومة تعتمد على افتراضات متفائلة لارتفاع أسعار النفط إلى نحو 80 دولاراً للبرميل.

وتابع: "فك رموز الميزانية السعودية ليس بالمهمة السهلة أبداً، لكن قراءة ما بين السطور تشير إلى سنة ثالثة على التوالي من التخفيف المالي"، مضيفاً أنه يتوقع عجزاً في الميزانية يقترب من 10% من الناتج المحلي الإجمالي. وتوقع أن يستأنف التقشف في النصف الثاني من عام 2019، ما سيؤثر على النشاط في القطاع غير النفطي.

وفي السياق ذاته، أكدت دلفين آريغي، وهي مديرة صندوق للأسواق الناشئة في لندن، أنه من المحتمل جدا أن يؤدي الانزلاق المالي إلى مخاطر زيادة إصدار الديون في العام المقبل، لأن تقديرات الحكومة لأسعار النفط تبدو "متفائلة للغاية".

وقال وزير الاقتصاد والتخطيط السعودي محمد التويجري، في مؤتمر "ميزانية 2018" الذي جمع عددا من الوزراء اليوم الأربعاء، إن الاستثمارات الأجنبية في السعودية ارتفعت في 2018 لأكثر من مثليها إلى 3.5 مليارات دولار.

ولفت إلى أن الاستثمارات الأجنبية في 2018 زادت 110% على أساس سنوي. وباع الأجانب أسهما سعودية بمليارات الريالات في أكتوبر/ تشرين الأول، في إحدى أكبر موجات البيع منذ فتح السوق أمام الشراء الأجنبي المباشر في منتصف 2015.

كذا، أعلن التويجري أن هناك خمسة قطاعات في الاقتصاد جاهزة للخصخصة خلال الربع الأول من 2019. وفي إبريل/ نيسان، قالت الحكومة إنها تسعى لجمع ما بين 35 و40 مليار ريال من الإيرادات غير النفطية عبر برنامجها للخصخصة بحلول 2020، وخلق ما يصل إلى 12 ألف فرصة عمل.

ويصر ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، على أن خطة الطرح العام الأولي المتعطلة لنسبة 5% من أسهم شركة النفط العملاقة أرامكو السعودية ستمضي قدما. ويدرج المسؤولون السعوديون الشراكات بين القطاعين العام والخاص لبناء وتشغيل مرافق البنية التحتية إلى جانب بيع الأصول في تعريفهم للخصخصة.

أما في ما يتعلق بالبطالة، فقال التويجري إن من المتوقع أن تبدأ البطالة في التراجع في العام المقبل عن 12.9% حاليا، وهو أعلى معدل بطالة مسجل في تاريخ المملكة. وشرح أن نسبة المواطنين السعوديين في سوق العمل حاليا 42%.

أما وزير المالية محمد الجدعان، فأعلن خلال المؤتمر ذاته، أنه لا توجد نية لتغيير الرسوم المفروضة على الوافدين. وتفرض الحكومة رسوماً على تعيين الوافدين واستخراج تأشيرات الإقامة لعائلاتهم، ومن المقرر زيادتها العام المقبل في إطار سياسة لتشجيع توظيف المواطنين. ويضغط القطاع الخاص من أجل تأجيل زيادة الرسوم.

وأفادت وثيقة خاصة بالموازنة بأن من المتوقع أن تحقق زيادة الرسوم إيرادات تصل إلى 56.4 مليار ريال في 2019 ارتفاعا من 28 مليار ريال في العام الحالي.

وأضاف الجدعان دون إسهاب أن أسعار الوقود تخضع لمراجعة دورية، لكن لا توجد نية لزيادة أسعار الطاقة في 2019. وبموجب السياسة المعلنة سابقا، فإن أسعار الوقود المحلية، مثل البنزين والديزل والكيروسين، قد تزيد في بداية العام 2019.

بدوره، أعلن وزير الطاقة السعودي خالد الفالح في تغريدة، الأربعاء، أن ميزانية السعودية للعام 2019 تخصص 33 مليار ريال (8.8 مليارات دولار) لقطاعات الطاقة والصناعة والتعدين والخدمات اللوجستية. وأضاف أن ذلك يتجاوز ثلاثة أمثال المخصص في الميزانية السابقة.

وعلى مستوى السياسة النقدية المرتقبة للمملكة، قال محافظ البنك المركزي السعودي أحمد الخليفي، أمس، إن وضع العملة المحلية "مطمئن جدا"، محذرا من أن البنك لن يسمح بالمضاربة عليها. وأضاف الخليفي: "إننا عندما نقول إن الريال خط أحمر، المقصود أننا لن نسمح لأحد أن يضارب عليه"، وأضاف: "لسنا بصدد تغيير سياسة أسعار الصرف.. السعر الحالي سيبقى عند 3.75 ريالات/ دولار واحد".

وأكد الخليفي أن المؤسسة ستواصل ربط عملتها بالدولار، "ولسنا بصدد تغيير سياسة أسعار الصرف.. السعر الحالي سيبقى عند 3.75 ريالات/ دولار واحد"، وشدد على أن المؤسسة لديها الأدوات الكافية لحماية الريال من المضاربين.

وقال محافظ البنك المركزي إن الاحتياطيات الأجنبية لدى البنك ارتفعت خلال الأشهر العشرة الأولى من العام الحالي لتتجاوز حاجز الـ500 مليار دولار.

وانكمش الاقتصاد السعودي للمرة الأولى منذ ما يقرب من عقد من الزمان العام الماضي، وفق تقرير نشره موقع "سي أن بي سي" الأميركي اليوم. وستكافح الشركات للتعامل مع ارتفاع أسعار الكهرباء والوقود وضريبة القيمة المضافة بنسبة 5%.

وأدت الرسوم المفروضة على العمال الأجانب إلى نزوح أكثر من 900 ألف عامل من السعودية في العامين الماضيين. وتسبب هذا في تقلص سوق العمل، وهو ما ترك فجوات لا يستطيع السكان المحليون سدها.