تحت عيون القانون اللبناني

25 نوفمبر 2016
الصورة
عشرات النساء يعانين بصمت (أنور عمرو/ فرانس برس)
ذهبت يسرى (اسم مستعار لحالة لجأت إلى إحدى الجمعيات في لبنان) إلى مخفر الشرطة التابع لبلدتها. بلّغت عن تعرّضها للضرب من زوجها.

كان يضربها ويضرب بناتها الثلاث كلّ يوم تقريباً. منذ تزوّجته، وهو بالطباع نفسها. وعدها مراراً أن يتغيّر، لكن ذلك لم يحصل أبداً طوال خمسة عشر عاماً من زواجها. كانت يسرى معلّمة مدرسة في القرية المجاورة. كثيراً ما كانت تبرر الكدمات الزرقاء في وجهها أو يديها بأنّها وقعت أو ضربت يدها بخزانة المطبخ.

حين كبرت بناتها، لم تعد تستطع أن تتحمل. بات يضربها أمامهن، ويضربهن أيضاً. إذا واجه نهاراً سيئاً كان يضربهن، وإذا خرجت إحدى بناته إلى الدكان القريب، كان يضربهن. وإذا شاهد إحداهن تمسك هاتفها وتتحدث فيه، كان يشتمها ويرميها بأول شيء تطاوله يداه. كان في نظرهن أباً عنيفاً سيئاً.

وجاء اليوم الذي قررت فيه يسرى أن تتكلم. ذهبت إلى مخفر الشرطة وهناك أخبرها أحد العناصر أنّ بإمكانها الحصول على قرار حماية من القضاء المستعجل. هكذا رفعت دعوى بحق زوجها، وحكم لها القاضي بقرار حماية، نص فيه على إخراج الزوج من المنزل، ومنعه من الاقتراب من حدود المنزل لمدة ثلاثة أشهر، وبمنعه من التعرض لها أو لبناتها بأي أذى تحت طائلة الملاحقة والمحاسبة.

هذا الإجراء الذي بات بإمكان النساء في لبنان الاستحصال عبره على قرار حماية من القضاء المدني هو نتيجة صدور قانون "حماية النساء وسائر أفراد الأسرة من العنف الأسري" 293 الذي صدر في السابع من مايو/ أيار 2014. منذ ذلك التاريخ والنساء في لبنان بتن تحت حماية القانون... وإن بشكل مبدئي. القانون بمواده الـ 23 يفصّل الإجراءات القانونية التي تحمي النساء من التعرّض للعنف الأسري والإجراءات العقابية بحق مرتكب العنف.

لكنّ خريطة طريق "الحماية" القانونية للنساء من العنف الأسري في لبنان ليست بهذه البساطة أو السهولة. الطريق شائكة، متشّعبة، ويلعب "الحظ" دوراً كبيراً فيها. القضاء غير متّسق في قرارات الحماية التي يصدرها. لكلّ قاض اجتهاده، ولكلّ قاضٍ حيثياته. تتباين قرارات الحماية بين قاضٍ وآخر. وقد يشعر القضاة بنوع من "التكبيل" حين يُواجهون بجرائم غير مدرجة في القانون، أو بأخرى لا يمكن إبراز أدلة فيها كالعنف النفسي أو العنف الجنسي مثلاً.

قوى الأمن الداخلي، المكلّفة من قبل القانون (بحسب المادة 5) بإنشاء قطع متخصصة بجرائم العنف الأسري، ما زالت في حاجة إلى كثير من التدريب والتجهيز لتلعب الدور المكلّف بها. وزارة الشؤون الاجتماعية أيضاً مكلّفة من قبل القانون بتكليف مساعدين أو مساعدات اجتماعيات لحضور تحقيقات الأمن الداخلي عبر القطع المتخصصة، لكنّ الأمر لم يصبح نافذاً حتى الآن. بعد سنتين على صدور القانون حتى يونيو/ حزيران 2016، صدر 175 قرار حماية للنساء. لكن منذ صدوره أيضاً، خسرت 14 سيدة حياتها نتيجة للعنف.

تكثر النقاشات حول مدى جدوى تطبيق القانون أو ضعف تطبيقه في الشق العقابي بحق مرتكب العنف. على سبيل المثال، وبحسب المادة 3 من القانون "يُعاقب بالأشغال الشاقة من 20 إلى 25 سنة إذا ارتكب فعل القتل أحد الزوجين ضد الآخر". لكن قضية منال عاصي التي قتلها زوجها عن سابق إصرار بعد شهرين من صدور القانون، تعيد جدوى تطبيق القانون أو فعاليته إلى صلب النقاش. غضّ القضاء المختصّ نظره عن المادة 3 من القانون (الأشغال الشاقة 20 إلى 25 سنة) واستند عوضاً عن ذلك إلى المادة 252 من قانون العقوبات التي تتعلق بالعذر المخفف لجرائم الشرف.

يكمن قصور القانون 293 إذاً في عدم وجود منظومة قانونية متماسكة ومتسّقة في حماية النساء. ففي مقابل قانون الحماية 293، ثمة تمييز صارخ في صلب مواد قوانين العقوبات، وفي قوانين الأحوال الشخصية. بين ثلاثة قوانين راعية لشؤون وتنظيم أحوال الأسر (والمجتمع) تصبح الثغرات بالعشرات، تحت رعاية الذكورية ما يحدّ من حصول النساء على حماية قانونية كاملة، ويحدّ بالتالي من وصولهن للعدالة، أو على الأقل، إيمانهن بالحصول عليها.

أمل (اسم مستعار) عُرقل ملفّها من قبل عناصر أمنية، لوجود قرابة بين أحد العناصر وبين مرتكب العنف. حين ذهبت إلى المخفر للتبليغ، مورست ضغوط من قبل أفراد من العائلة الممتدة لسحب الشكوى ضد زوجها، لا سيما أنّ أحد أقارب الزوج يعمل في قوى الأمن. من جهتها، ما زالت يسرى تتلقى تهديدات عبر أقرباء زوجها في القرية بأنه لو شاهدها سيقتلها.

أمل ويسرى هما من بين 175 سيدة بلّغن عن تعرّضهن للعنف المنزلي، لكن عشرات النساء في مقابلهن لا زلن يعانين بصمت.