تتمّة لكلام نيكولاي باتروشيف

28 يونيو 2019
الصورة

نيكولاي باتروشيف: نعمل ضد الإرهاب في سورية

كان يجب الاستماع إلى تصريحات مستشاري الأمن القومي لكل من أميركا وروسيا وإسرائيل في القدس المحتلة، للتأكّد، مجدداً، من أن موسم الصفقة الكبرى لم يحن بعد، وللاقتناع بأن الاتفاق الثلاثي على طرد إيران ومليشياتها من سورية، ربما لن يحصل. قالها المستشار الروسي نيكولاي باتروشيف على مسمع من نظيريه جون بولتون ومئير بن شبات: "محاولة تقديم إيران كتهديد لأمن العالم غير مقبولة. نحن (أي روسيا وإيران) نعمل معاً في الحرب على الإرهاب (في سورية)"، أي أن الرجل وضع البلدين في حلف عسكري متين لا مجرد عند تقاطع ظرفي. وعن القوات الإيرانية وتوابعها اللبنانية (حزب الله) في سورية، غرز باتروشيف عميقاً في إحباط بولتون وبن شبات بقوله إنه "ينبغي الأخذ بالحسبان مصالح دول أخرى في المنطقة" (والمقصود هنا طبعاً هو إيران)، وكأنه يقول لبولتون خصوصاً: فكروا بما يمكنكم إعطاؤه لإيران في مقابل تخليها عن سورية. وإن لم يكن كل ذلك كافياً لإيصال الرسالة الروسية في تذليل رغبات تفكك عقد التحالف الروسي ــ الإيراني، جزم باتروشيف بأن روسيا "أصبحت مقتنعة بأن إيران أسقطت الطائرة الأميركية في المجال الجوي الإيراني". لم يكشف باتروشيف كيف تتوقع روسيا أن يكون عليه مقبل الأيام في سورية، لكنه لمّح إلى استمرار الوضع القائم، على قاعدة أن تظل إسرائيل تقصف أهدافاً إيرانية، وإيران لن تردّ إلا رمزياً، كذلك روسيا، ما دام أن الغارات ستبقى في حدود مقبولة: مصنع سلاح تصخّم حجمه هنا، فرقة عسكرية اقتربت من الجولان هناك... وهكذا. كذلك فإن قوانين اللعبة تنص على ألا توجِع طهران ومليشياتها إسرائيل بضربة حقيقية لا انطلاقاً من سورية ولا من مكان آخر. 
قواعد اللعبة الروسية يقبل فيها الطرفان الإسرائيلي والإيراني، فلتتواصل إذاً على هذه الشاكلة بما لا يجبر روسيا على الاختيار بين إيران وإسرائيل. أما إلى متى يمكن أن تصمد المقامرة الروسية في الموازنة بين طرفين يستحيل التوفيق بين مصالحهما، فأغلب الظن أن يستمر ذلك ما دام أن أحداً، لا أميركا ولا أوروبا موحدة، لا يُرغم روسيا على الاختيار الصعب. الأولى في ظل حكم من قد يكون أسوأ ما أنجبه المجتمع الأميركي، دونالد ترامب، تتكبد الخسائر لمصلحة روسيا منذ ما قبل وصول التاجر الأشقر إلى البيت الأبيض، هو المعجب شخصياً ببوتين، على عكس بيروقراطية أميركية من الحزبين تكرهه. والثانية، أي أوروبا، أضعف بكثير من أن تتجرأ على مواجهة روسيا، مصدر غازها الذي يقيها برد الشتاء ويحرك مصانعها، وهي القارة التي بات عدد معتبر من بلدانها محكوماً أو يكاد من مسؤولين ليس فلاديمير بوتين سوى مثال أعلى بالنسبة لهم.
صار تشابُك الصراعات العالمية يفرض ارتباطاً قوياً في الحلّ أو التصعيد، بين مختلف الملفات. لا وجود لتوتر واحد في العالم اليوم إلا وتشترك فيه كل من الولايات المتحدة وروسيا، مباشرة أو بالواسطة وبالمشاركة عن بُعد، من إيران إلى فنزويلا فأوكرانيا وبقية دول الطوق السوفياتي وسورية طبعاً واليمن وليبيا وربما غداً نيكاراغوا. ولأنّ الأخطر والأكبر يبقى التوتر الأميركي ــ الإيراني، فإن فلاديمير بوتين يجد فيه مناسبة لمحاولة إضعاف دونالد ترامب وفريقه، من دون أن يتكبد الخسائر في حال فشلت المحاولة. تكتيك مشابه يعتمده رجل الاستخبارات الذي يعمل في السياسة بطريقة زعماء المافيا، أو أجهزة الأمن، لا فرق، لكن بمستويات متفاوتة من الانخراط حسب حساسية جغرافيا منطقة النزاع ووفق منسوب المصالح المحتملة وحساسيات الديمغرافيا بالنسبة لموسكو. وفي مناطق الصراع التي لا حول لبوتين فيها ولا قوة لفرض حلّ لمصلحته، فإن التخريب أو التشويش أو العرقلة، تصبح أهدافاً قائمة بذاتها، وإلا فما معنى أن ترفض روسيا والصين أي إدانة في مجلس الأمن الدولي لإبادة مسلمي الروهينغا مثلاً؟
هكذا، يصعب تصوُّر سيناريو يُخرج المليشيات الإيرانية من سورية على الأقل حتى معرفة نتيجة انتخابات رئاسة أميركا خريف 2020، إلا في حال ظهور بجعة سوداء لا يُبنى على احتمالها تقدير موقف أو تحليلٌ متين.
تعليق: