تبدّلات حرب طرابلس: العاصمة تقاوم وحفتر يستجدي دعماً خارجياً

28 ابريل 2019
الصورة
تمكّنت الحكومة من تحويل المعركة من الدفاع للهجوم(فرانس برس)
+ الخط -
منذ الرابع من شهر إبريل/نيسان الحالي، تراجع الحديث السياسي في ليبيا لصالح لغة السلاح، بعد أن أطلق اللواء الليبي المتقاعد خليفة حفتر معركته للسيطرة على العاصمة طرابلس، موجّهاً صفعة مهينة لجهود الأمم المتحدة السياسية، والتي كانت ستتوّجها خلال أيام بعقد ملتقى ليبي جامع في مدينة غدامس، لتضطر بعد ذلك حكومة الوفاق إلى التحوّل لممارسة دور عسكري للدفاع عن العاصمة. لكن مع مرور أكثر من ثلاثة أسابيع على المعركة، شهد الميدان تبدّلات كبيرة، بعد أن خسرت مليشيات حفتر مناطق واسعة كانت قد سيطرت عليها عند بدء هجومها، ليدخل المشهد صورة معقّدة ومفتوحة على احتمالات متعددة.

وبعد اصطدام حفتر بمقاومة شرسة، وفشل مخططه حتى الآن للسيطرة على العاصمة، فإنه بدأ يكثّف جهوده للحصول على دعم عسكري أكبر من حلفائه الإقليميين والدوليين، بحسب مصادر برلمانية في طبرق مقربة من اللواء المتقاعد. وقلّلت المصادر التي تحدثت لـ"العربي الجديد"، من أهمية "الدعم العسكري المباشر الذي حصل عليه حفتر من القاهرة، والذي اقتصر على تقديم الاستشارة العسكرية وفي مجال الاستخبارات والرصد" وربما أدوات غير هجومية، وأضافت أنّ "مدير مكتب حفتر، اللواء خيري التميمي، رجع من زيارته إلى موسكو قبل أيام، من دون أن يحصل حتى على وعد بالحصول على عتاد عسكري روسي"، مشيرةً إلى أنه توجّه بأمر من حفتر إلى الأردن أول من أمس الجمعة للهدف نفسه.

وأكدت المصادر أنّ حفتر "عازم على استمرار معركته في طرابلس، وخيار التراجع غير موجود في أجندته، حتى وإن طالت المعركة". بل إنّ أحد المصادر البرلمانية كشف عن أنّ حفتر تخلّى عن أحد مستشاريه السياسيين، الذي طالبه بـ"وقف عمليته والبحث عن مخارج سياسية لدى حلفائه بسبب صعوبة الاستمرار في المعركة". وقال المصدر لـ"العربي الجديد"، إنّ "المستشار وهو أميركي من أصول عربية، حذره من النتائج الوخيمة لاستمرار المعركة في طرابلس، ودعاه للقبول بطلب وقف إطلاق النار مقابل الحفاظ على مواقعه القريبة من العاصمة كأوراق قوة. لكن حفتر، أصبح لا يثق في استمرار دعم شركائه في الغرب الليبي في حال أوقف المعركة".

ووفق المصادر البرلمانية، إنّ سعي حفتر للحصول على دعم عسكري لإكمال معركته، جاء بعد فشل مخططه الرامي للسيطرة على طرابلس خلال 48 ساعة من إعلانه الحرب في الرابع من إبريل الحالي، إذ إنّ أطرافاً مسلحة بالعاصمة كانت على اتفاق معه، تراجعت عن دعمه بعد انكشافها أمام القوة المسلحة الأخرى داخل طرابلس.

ويبدو أنّ حفتر كان قد خطط لإنهاء حملته على طرابلس في غضون ساعات، لكن معادلة الصراع تغيّرت بشكل كبير خلال 24 يوماً من القتال؛ فبعد ساعات من إطلاقه حملته، تمكّنت مليشياته الآتية من غريان (90 كيلومتراً غرب العاصمة) من السيطرة على كامل جنوب طرابلس وصولاً إلى أحيائها الجنوبية. كما وصلت مليشياته الأخرى الآتية من ترهونة (95 كيلومتراً جنوب شرقي طرابلس) إلى أحياء داخل العاصمة في قصر بن غشير ووادي الربيع، بل ووصلت إلى مواقع مهمة داخل حي عين زارة الذي لا يفصله عن قلب العاصمة سوى 15 كيلومتراً فقط، بالإضافة إلى سيطرة فصيل آخر على "بوابة 27 كيلومترا" غرب طرابلس.

ولاحقاً، وبعد ساعات من مقاومة غير منظّمة قادتها فصائل من طرابلس، على رأسها "قوة التدخل السريع" و"لواء ثوار طرابلس" و"قوة الردع الخاصة" و"النواصي"، أعلنت حكومة الوفاق المعترف بها دولياً، عن إطلاق عملية عسكرية تحت مسمى "بركان الغضب" في الثامن من الشهر الحالي، وتمكّنت من تعبئة عسكرية سريعة بعدما انضمت لها فصائل وقوى عسكرية من الزاوية (30 كيلومتراً غرب طرابلس) وحتى سرت (435 كيلومتراً شرق طرابلس)، واستطاعت في بداية عمليتها صدّ تقدّم مليشيات حفتر إلى مزيد من الأحياء، وتثبيتها في مواقعها جنوب العاصمة، حتى العاشر من الشهر الحالي.

ويوم الخميس في 11 إبريل الحالي، أعلنت الحكومة عن اكتمال وصول تعزيزات عسكرية من مصراتة ومدن أخرى، ليعلن المتحدث باسم عملية "بركان الغضب"، محمد قنونو، بدء مراحل أخرى من عملية الدفاع عن العاصمة، تمثّلت في توزيع القتال على محاور غرب العاصمة وجنوبها الشرقي. وفي منتصف الشهر، كانت هذه القوات تتقدّم للسيطرة جزئياً على الجنوب الغربي، ومحاصرة مليشيات حفتر في وادي الربيع وعين زارة، حتى باتت هذه الأخيرة توصف بـ"الخلايا المحاصرة". لكن مليشيات حفتر كانت قد ركزت من جهتها، ومنذ الساعات الأولى، هجومها من أجل السيطرة على مواقع استراتيجية في العاصمة، كمنطقة قصر بن غشير التي تحتوي على مواقع عسكرية مهمة، بالإضافة للمطار القديم. كما اعتمدت في سيطرتها على منطقة جنوب شرقي المدينة على الامتدادات القبلية التي تصل سكانها بترهونة المجاورة لها.

وشهد يوم 17 إبريل تحوّلاً بارزاً في المواجهات، إذ تمكّنت الحكومة من تحويل المعركة من الدفاع إلى الهجوم، فوصلت قواتها إلى مشارف الهيرة، أولى مناطق غريان التي تتخذها مليشيات حفتر مركزاً رئيسياً لها، بالإضافة إلى سيطرتها بشكل كامل على الجنوب الغربي وتحديداً السواني والزهراء. وشكّل سلاح الجو عاملاً محورياً في تحويل المعادلة لصالح قوات الحكومة، التي سيطرت على نقاط مهمة في جنوب شرقي العاصمة وتحديداً في السبيعة وسوق الخميس، لقطع خطوط إمداد مليشيات حفتر بين غريان والترهونة، بالتزامن مع استهدافها خطوط الإمداد الواصلة بين قاعدتي الجفرة والوطية في غريان.

بالتوازي مع ذلك، عملت حكومة الوفاق على تحريك العديد من القضايا ودفعها إلى الواجهة، ما أربك مواقف الكثير من داعمي حفتر، كالانتهاكات التي اقترفتها مليشيات الأخير بحق المدنيين، لا سيما قصف حي أبو سليم، الأسبوع قبل الماضي، الذي راح ضحيته عشرات المدنيين بين قتيل وجريح، والاعتداء المسلح على مركز إيواء مهاجرين غير شرعيين في قصر بن غشير، بالإضافة إلى استهداف طيران حفتر مطار معيتيقة ومدرسة داخل عين زارة.

وعلى الرغم من عدم التجاوب الدولي، إلا أنّ الحكومة لا تزال تطالب مجلس الأمن والمنظمات الدولية بإرسال فرق لتقصي الحقائق، ما ساعد على تعديل الكفة التي كانت تميل دولياً لصالح حفتر. فخلال الأيام الماضية، عاودت عواصم كبرى، من بينها موسكو، وقادة مجموعة دول ترويكا الاتحاد الأفريقي (رواندا، مصر، جنوب أفريقيا) خلال اجتماعهم الأسبوع الماضي في القاهرة، الدعوة لوقف القتال وضرورة عودة العملية السياسية. كما أنّ دولاً واضحة في دعمها لحفتر، كفرنسا، عادت لتعلن اعترافها الرسمي بحكومة الوفاق كطرف شرعي في البلاد، وهو ما بقي أقرب إلى الثرثرة في ظل تواطؤ شبه علني خصوصاً من قبل أميركا وفرنسا والثلاثي السعودي ــ الإماراتي ــ المصري، مع روسيا طبعاً، في دعم مليشيات حفتر.

وفي الأثناء، وعلى الرغم من كل المستجدات الميدانية التي حملتها الأيام العشرة الأخيرة، والتي تميل لصالح الحكومة، إلا أنّ مليشيات حفتر لا تزال تملك بعض أوراق القوة. فبالإضافة إلى سيطرتها على أجزاء واسعة من البلاد شرقاً وجنوباً، والتي تضم مواقع النفط والغاز المهمة بالنسبة إلى أطراف دولية نافذة في ليبيا، فهي لا تزال أيضاً تسيطر على مواقع استراتيجية وحساسة بالنسبة إلى طرابلس؛ فقواعد الوطية والجفرة تشكّل طوقاً أمنياً للعاصمة، وبقاؤها في يد مليشيات حفتر يعني استمرار تهديد طرابلس. كما أنّ مليشيات حفتر لا تزال تمتلك حلفاء في غرب البلاد، لا سيما في مدينتي صبراتة وصرمان (70 كيلومتراً غرب طرابلس) وورشفانة المتاخمة للعاصمة غرباً. وبالتالي، فإنّ إمكانية فتحها لأكثر من جبهة للقتال أمر ممكن، ما سيؤثر سلباً على قوات الحكومة التي ستضطر للتشتت والتوزع على أكثر من محور، وهو ما يعني أن المشهد الليبي لا يزال مفتوحاً على كل الاحتمالات.

المساهمون