تبديد الخطاب الديني

14 ابريل 2020
بعد انقلاب 2013، طارد السيسي كل مؤيدي النظام الشرعي الديمقراطي الذي أنتجته ثورة يناير 2011، واستهل حكمه بسلسلة مذابح دامية وشارة سوداء في أركان الشاشات تحذر من الإرهاب (الإسلامي) في سيناء، وأسس لتدمير سمعة حركة حماس (الإسلامية) القلب النابض للمقاومة الفلسطينية ضد العدو الصهيوني، كما اجتهد في تزييف مرجعية المصريين عبر إيهامهم أن ما جاء به انقلاب يوليو 1952 هو أصل هويتهم.

بدأ قائد الانقلاب رحلته بغربلة قيادات الأزهر، بعد سحبه صلاحيات استقلاله التي مكنه منها دستور 2012، فوحد رجاله الخطبة، ولووا أعناق النصوص، وعينوا بصاصا في كل مسجد؛ لتبدأ عملية التغيير العقائدي التدريجي التي سميت "تجديد الخطاب الديني".

عبر فجوة زمنية نقلنا المجدد لعصور ظلام أوروبا، حين اعتبر نفسه نصف إله مسؤولاً عن دين الشعب؛ فطالب بتغيير أحكام الطلاق، وأمر بمراجعة النصوص الإسلامية، وصارت إذاعة القرآن الكريم منبرا لبث فتاويه، حتى أن دعاء مسجلا بصوته صار يذاع عبر وسائل الإعلام المسموعة والمرئية، مثل هذه الأمور لم يقدم عليها رئيس ذو خلفية إسلامية اتهموه وجماعته زورا بالفاشية الدينية، وباحتكار الفكر الإسلامي والرغبة في تغيير هوية المواطن بالقوة.

لم يفوت السيسي مناسبة عالمية أو إقليمية أو محلية إلا وأكد فيها أن المسلمين وحدهم هم مصدر الإرهاب في العالم، ليضعهم في بؤرة الشك والاستباحة، ولتشب أجيال مسلمة جديدة منسحقة تتحمل الخزي والعار نيابة عن الدنيا بأسرها.


في 2014، في ليلة القدر، أرجع الهجمة العالمية الشرسة ضد الإسلام لسلوك المسلمين الذين ضيعوا إنسانيته وجعلوه مصدرا للتخريب والتدمير، والذين يفتقرون في نظره إلى الصدق والإتقان والسماحة؛ واتهم حفظة القرآن بارتكاب جرائم القتل والإرهاب؛ وفي لقاء تليفزيوني، نصّب نفسه منقذا لمصر والإسلام من الإخوان، ومدافعا عن الله وفلسفة خلقه للبشر.

أثناء الاحتفال بالمولد النبوي في 2015، طالب علماء الأزهر بثورة دينية، واتهم النصوص الإسلامية بأنها تعادي الدنيا وتحرض مليارا ونصف المليار من المسلمين على قتل بقية أهل الأرض، وأنها تعد منبعا للقلق والخطر في العالم؛ وخص الخطاب الديني وحده بأنه المتسبب في فتنة الشباب وإلحاده.

في يوليو/ تموز 2016 وبحضوره شخصيا نفذت طائرات حربية مصرية محاكاة عملية لـ"محاربة الإرهاب" تضمنت قصف مجسم "مسجد" بحجة أنه يُؤوي إرهابيين.

في 2017، أكد في جامعة الأزهر أن مظهر الإسلام في العالم أصبح مشوها، وأن سكانه مرعوبون من المسلمين الذين وصفهم بأنهم أدوات تدمير؛ وفي الندوة التثقيفية الـ24 التي نظمتها الشؤون المعنوية في القوات المسلحة، أعلن أنه لن يسمح باندماج أي شخص ذي خلفية إسلامية في مؤسستي الجيش والشرطة، بل إنه وسع دائرة الإقصاء لتشمل كل مؤسسات الدولة، واعتبر أن تمسك المواطن بهويته الإسلامية يتعارض مع وطنيته.

في 2018، صرح في زيارته للحزب الشيوعي الصيني، في بكين أن التيارات الإسلامية في مصر استغلت الفرصة للوصول إلى الحكم وتولي السلطة؛ وفي جلسة استراتيجية بناء الإنسان المصري خلال مؤتمر الشباب، قال إن الأمة الإسلامية تمر بمرحلة ضياع لأنها مبنية على فكرة الحرب!

في 2019، وعلى هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة، قال إن الإسلام السياسي هو سبب الفوضى في المنطقة؛ وفي مؤتمر ميونخ للأمن في ألمانيا، حّذر من أن أقليات المسلمين في أوروبا وأميركا يتم تجنيدها واستخدامها لارتكاب أعمال تروّع المجتمع، ووجّه الأوروبيين إلى أهمية مراقبة المساجد، وما يُنشر في دور العبادة.

في 2020، اعترف بسرّ رعبه من عودة الفصيل الإسلامي الذي ينعته بـ(قوى الشر)، حين خوّف المصريين من الإفراج عن الإخوان واندماجهم في المجتمع، ومن ثم عودتهم للتدخل في شؤون الدولة.

في إطار الثورة الدينية المزعومة، بدأ التجرؤ على المساجد لأول مرة في تاريخ مصر؛ ففي 2013 أمر السيسي بحرق مسجد رابعة، وإطلاق الرصاص وقنابل الغاز على مسجد الفتح؛ ثم توالى منذ ذلك الوقت هدم وإغلاق آلاف المساجد والزوايا بحجة محاصرة الإرهاب والتطرف.

استغل النظام الانقلابي ظهور كورونا لاستكمال ما بدأ، فكان أول إجراء اتخذه لمواجهة الفيرس هو تعطيل صلاة الجماعة في المساجد؛ وتغيير صيغة الأذان، ومطاردة أي تجمع رمزي للصلاة، يصاحب هذا حزمة تصريحات لوزير الأوقاف الذي اعتبر أنه من الجهل مقارنة ازدحام المواصلات، والأسواق، ومواقع العمل المختلفة، بخلو المساجد! وأن مخالفة ولي الأمر في منع صلاة الجماعة خيانة للوطن، وأكد أنه لا نية لفتح المساجد في رمضان، وهنا أضافت دار الإفتاء لمستها بإعلان أن رفع الأذان في مكبرات الصوت هو إفساد في الأرض.

يدعو النظام لجمع التبرعات، ويقنع الشعب (كالعادة) أنه المسؤول عن حل أزماته، لذا وجهت دار الإفتاء، ووزارة الأوقاف بالتصدق بتكاليف الحج والعمرة، وأصدرتا فتوى عاجلة بحجة مساعدة متضرري كورونا، لتمد صناديق الدولة وصناديق موالية أصابعها لتنتزع من جيوب المواطنين حتى الزكاة.

وأخيرا، أصدر الأزهر فتوى تؤكد أن صيام رمضان لا ضرر منه؛ فقطعت وزارة الأوقاف عليه الطريق وأفتت أن الأمر بيد الأطباء. ليست لدي أدنى مشكلة في التعطيل، أو التعجيل، أو الإفطارعند الضرورة، لكن أن تطبق هذه الإجراءات بتسرع لتصبح هي الحل الأول والأوحد وسط حرص كل مجال على استكمال نشاطه بشكل طبيعي، هذا ما أتحدث عنه.

يقول المنقلب إنه لا يسعى لتشويه الإسلام والمسلمين، أو للعبث بالدين، ولا أدري لو كان يريد ذلك ماذا كان سيفعل أكثر؟ حبس السيسي الجماعة في مربع الإرهاب، وصنف كل من يملك فكرا إسلاميا مستقلا معتدلا مخالفا لما يخطط كإخواني، إرهابي، متشدد يستحق العقاب.

وهكذا؛ صار الدين ألعوبة في يد من حول جيشا مهابا إلى أنفار مسخرين لخدمة اقتصاده، إنه يعلم جيدا أنه لن يربح حربه على الإسلام السياسي الذي يخشاه، إلا إذا غير عقيدة المسلمين نفسها، كما بدل عقيدة الجيش من قبل.
تعليق: