تاريخ الجنسانية .. الفكرة وسوسيولوجيا المؤلف

04 اغسطس 2020
الصورة

ميشيل فوكو .. نجح في تحريك أسئلة الأكاديميا الغربية (milenio.com)

"... بيد أنه كان يمكن لفوكو أن يتناول المؤلف الخطابي دون أن تتعرض نظريته لهذا الخطر، فإن للمنظومات المعرفية حياة دائرية، (..) وحتى عندما تناول فوكو أسلاف النظم الحديثة، مثل أشكال المراقبة والقوننة، لم يكن ذلك لتوضيح سبل النظم والتغيير التاريخية - (..) إن لطرح فوكو مظهراً تزامنياً خادعاً" .. وائل حلاق

في مطلع كتابه "تاريخ الجنسانية" وافتتاحيته الصارخة "نحن الفكتوريون"، يبدو ميشيل فوكو كمن يدوّن بلاغاً للثورة، في بيانها الأول، وقد كان لكتابه هذا أصداء الثورة بالفعل. هنا يجب أن أوضح، ابتداءً، أني أتناول هذه الفكرة والرأي من خلال رؤيتي التي تختلف عن رؤيتَي وائل حلاق وإدوارد سعيد، مع تقدير مكانتهما الكبرى، فالموقف من مسارَي فوكو يحتاج إلى تحرير جريء.
على الأقل، لكي يطرح فكرته النقدية للعالم الإنساني، وليس للشرق فقط، بصورة واضحة، وهذا يتفق مع دعوة فوكو إلى نقد إرث كانط، أو كليات رسالة التنوير والمآل الذي كانت تعيشه أوروبا، في مقولته "إن المهم رفض من نحن"، فنحن الجندرية المهيمنة اليوم التي أسس فوكو منهجها الحديث، أضحت سلطة تستحق أفكارها على الأقل المراجعة والنقد.
ولربط هذا الجدل بإشكالية المركز النطاقي الذي عاد ليضم نظرية فوكو ذاتها في سلطته، نشير إلى موقف الفيلسوف الفرنسي، رينيه غينون، أنه لا يوجد تمايز حقيقي بين أشكال المعرفة، المحدّدة داخل الحقول الأكاديمية الغربية، لأنها تنطلق من رؤيةٍ كونيةٍ واحدة. لتعميم غينون الصعب جذورٌ مرصودة، ولكن قد يُختلف معه في التفصيل، فجذر التفكير لدى النفس الإنسانية أضحى يعيش بالفعل تحت وصايةٍ مختلفة، وظرف حاكم على تفكيرها، وهذا يعود بنا مباشرة إلى الحالة الذاتية والنفسية التي ألف فيها فوكو تاريخ الجنسانية، وما أعقبه.

سؤال الموت وما بعده أوجد سؤال بقاء الحياة ومرجعها، وكلا هاتين النظريتين باتت ضمير وجدان منفعل، في داخل المؤلف

لقد مثّل رفض الروح المطلق، ورفض المصادر المعرفية غير العلم التجريبي، إلى روح قلقة للغاية ومضطربة، فسؤال الموت وما بعده أوجد سؤال بقاء الحياة ومرجعها، وكلا هاتين النظريتين باتت ضمير وجدان منفعل، في داخل المؤلف، وقد لا يشمل ذلك كل تعريفات الإلحاد، ولا المؤمنين بالعلمانية الماركسية الحادة.
لكون بعض ممارسي تلك الفلسفية المعاصرة ومحرّريها، قرّر أن يتعايش مع حقيقة علمية كبرى، يستشعرها، في وجدانه الداخلي، وفي تأملاته في صور الكون. وهذا يبرز في من تكون رحلته العلمية في فضاء الكون، أو علوم الطبيعة، فهنا قد لا ينشغل بهذا الإله الخالق، ولا بعلاقته به، وإنما لديه تسليم بوجوده ينعكس على استقرار نفسي أفضل من الباحث المؤمن بالعدمية الكلية، فيسعى العدمي لتفسيرات متعدّدة ثم يُحبط، فيتجه إلى محاولة تنظيم حركة الإنسان، بناء على قناعةٍ صنعها ظرفه، وانفعالاته النفسية. وهكذا يبدأ بتدوين مقدّمات تاريخ الإنسان، وخصوصا الإنسان الأوروبي، ثم يصل إلى ما بعد الدولة المدنية، وأين يُطوّر فيها نظريات الحرية، هنا المأزق الكبير، في إصرار النفس المأزومة على خلق مدار يُقنع ذاتها ويقنع الجمهور، بأنها تتطور إلى معالم أفضل، وأنها تتجه في مدارات متدرّجة لتطور الحرية.

بعدما نجح  فوكو في تحريك أسئلة الأكاديميا الغربية نحو دور القوة في صناعة وتحديد معايير التاريخ والقانون، والتجرّد الإنساني، عاد إلى محاولة صناعة تحرير الفرد من السلطة

هنا، حالة ميشيل فوكو مهمة جداً للفهم، فبعدما نجح في تحريك أسئلة الأكاديميا الغربية، نحو دور القوة في صناعة وتحديد معايير التاريخ والقانون، والتجرّد الإنساني، عاد إلى محاولة صناعة تحرير الفرد من السلطة، فخلق ميزاناً عبر دراسة قرنين في أوروبا، وظواهره الاجتماعية والسلوكية، وهي دراسةٌ بذاتها تحتاج إلى التحقيق المنصف والمتوازن، ثم حمّل منظومات هذه الأزمات كلها، عبر معادلة الجنس والعلاقة معه.
ونحن نتتبع بالذات خطة كتابه تاريخ الجنسانية، والتنقل المفاهيمي فيها، خلط فوكو بين السلطة السياسية والسلطة المجتمعية والمآلات العقابية، من دون أي توقف أو مراجعة أو حتى مناقشة للميراث الأخلاقي الكلي لعلاقات البشرية، في اتجاهين رئيسيين لكامل الحياة الفطرية، وهي علاقة المجتمع وعلاقة القانون بمصالح المجتمع، ثم علاقة الأسرة الصغيرة بذاتها وبكل أفرادها.
كان ذلك كله ضمن دحرجة ممنهجة، سعى إليها فوكو عن عمد ظني لا تقصٍ علمي، على الرغم من أن الأمثلة التي عرضها، سواء كنماذج لانحطاط السلوك أو الظلم، في تاريخ أوروبا، أو رحلة الأخلاق في التاريخ البشري، لم تكن تطرح لديه مقابلها أي مصادر، فضلاً عن نظريات الشرق، فكيف يعتبر وصف وائل حلاق له مؤرخا مرموقا، أو تضخيم قيمته المرجعية عند إدوارد سعيد دقيقاً. ولسنا هنا نشكك في مكانة ميشيل فوكو، في موقعه الفلسفي، غير أننا نؤكد أهمية المراجعة لتحريراته للأيديولوجية النهائية، وكيف تعمم اليوم وتتأسس عليها نظريات التطرف الجندري الحديث.

عند فوكو، منتهى العلم والمعرفة لفلسفته إسقاط الروابط العائلية، ووضعها في إطار تاريخي متخلف

واصل فوكو رحلته التي لم تكن تعترف بأي معيار أخلاقي، ثم واصل ربط السلطات، حتى وصل إلى سلطة الذات والجنس، وهنا رابط مهم يظهر لدى الإلحاد العدمي، بحيث يُستدعى الجنس أساس حياة، مرتبطا بالوجود. وهنا تعقيب وتفصيل مهم، عن الجنس نزوة تحكمها الأخلاق، لا يعترف بها فوكو وألغاها كلياً، وبين الجنس وحق طبيعته الفطرية في الممارسة، والتزاوج والتوالد، وهذا شرحٌ واسع لا يسعنا بسطه. ولكن في حالة فوكو، فإن الفطرة التي ولد عليها البشر، ومنظومة الأخلاق، وتعدّدية العلاقة بين الإنسان في العائلة بين أب وأم وأولاد، والإنسان في شراكة الحب والزوجية، وخصوصا المرأة، مُسقطة تماماً من جدولته، وهو يقدّم نظريته، أو على الأقل تم التعامل معها في ما بعد وكأنها حتميات علمية، فمنتهى العلم والمعرفة لفلسفته إسقاط الروابط العائلية، ووضعها في إطار تاريخي متخلف. فلا حدود لنكاح الأرحام ولا المثلية ولا السادية مع الأطفال، والمرجع العلمي هنا هو النزوة، والسلطة المرفوضة سلطة التوقف عن أي ممارسة جنسية، مع أيٍّ كان، ورفض الأدب الوجداني الفطري الذي ضمن للأسرة الإنسانية إطارا أخلاقيا موحدا، يجده الإنسان من الأسكيمو إلى أفريقيا، لقد أضحى الدافع الشخصي لفوكو في معيار حرية الإنسان، حاكمية النزوة.