تابع وزعيم: التماهي المدمّر

25 يوليو 2020
الصورة

لا سبيل لفهم حقيقة التناقضات لدى الأفراد والمجتمعات سوى حين يتم استخدام مبدأين متضادين في سياق واحد. الأول قول أو تصرّف أو سلوكٌ يندرج في إطار "أنا أكثر معرفة منك وأنت لا تفهم بقدري". وينحصر الثاني في عبارة "الزعيم يفهم أكثر منا وهو يدرك مصلحتنا أكثر منا". وغالباً ما يكون معتنق المبدأين طرفاً واحداً، تبدو شخصيته متعلقةً حصراً بزعيمٍ، سواء كان قائد قبيلة أو رئيس حزبٍ أو أمير حربٍ. وهو تعلّق يُذيب شخصية الفرد المتماهي مع زعيمه، مهما كانت التبريرات "مقنعة" بالنسبة إليه. وبالتالي، فإن خضوع هذا الفرد إرادياً للزعيم يوجب حكماً انتفاء صوابية حكمه في أي موضوع يعتبر نفسه "أفهم من الآخرين" فيه. لا ينتبه صاحب النقيضين أن في الحالتين هناك نقصاً في تعريف "الفهم" بحدّ ذاته، وهو تعريفٌ واسعٌ ومتشعّب، ولا يقتصر على ميادين محددة. يُمكن لفردٍ ألا يفقه شيئاً في الفيزياء، ولكنه قادر على تفكيك اللغة العربية مثلاً، إلا أن هذا لا يعني بأنه أقلّ أو أكثر فهماً من الآخرين. لا أحد يعرف كل شيء، ولا أحد يجهل كل شيء. 

وصناعة الطغاة، عادة، لا تأتي من "ذكائهم" بقدر ما تأتي من حقيقة قبولنا بسطوتهم على إدراكاتنا الواعية واللاواعية، بدلاً من التركيز على مبدأ "التعلّم"، ولو كان غير متبادل، لأن "الزعيم يفهم كل شيء ويعلّم ولا يتعلّم"، سواء بسبب منصبه الديني أو السياسي أو العسكري. ينبثق هذا التعلّم من مفهوم واحد: إسقاط كل ما هو سلبي في حياتنا على الزعيم. مثلا: هل تنقطع الكهرباء لديه؟ هل يعاني من نقصٍ في المياه؟ هل هو قادر على الدخول إلى المستشفى للعلاج إذا أُصيب بجرحٍ طفيف؟ ماذا عن الطعام وجودته؟ هل يعاني من حرّ الصيف وقساوة الشتاء مثلنا؟ هل يخشى تمزّق حذائه، لأنه غير قادر على شراء غيره؟ هل هو قادر على الانتقال من مكانٍ إلى آخر، من دون الاكتراث لثمن الوقود؟ هل يعاني من البطالة مثلنا؟ هل في وسعه تسديد أقساط المدارس لأولاده؟

من المفترض أن يجعل تكثّف مثل هذه الأسئلة البديهية كل من يدافع عن زعيمٍ "لأنه يفهم أكثر منا"، في حالةٍ صداميةٍ مع الذات، ممهداً لمسار تحرّري، إلا أن كثيرين يرفضون استيعاب فكرة أن "الزعيم شخص والشخص يُخطئ"، لا بل يعتبرون أنفسهم مولجين بالدفاع عنه، ولو كان مخطئاً، لأنه في الواقع دفاعٌ عن خطيئتهم بالذهاب بعيداً في تماهيهم مع هذا الزعيم. هنا يبدأ الشرخ داخل شخصية الفرد، فتغيب شخصيته الحقيقية، ويكيّف سلوكه وشخصيته الجديدة وفقاً لسلوك الزعيم وكلامه. لا يعني هذا الأمر احتراماً وحباً، حسبما يظنّ الفرد، لأن الأمرين لا يتطلبان تماهياً، بل تنازلاً متبادلاً لاستقامة أي علاقة.

هذا الأمر هو ما يجعل كثراً "على قناعة" بأن "الزعيم هو كل شيء" ويعملون على قمع كل فكر متعارض معه بالتخوين والعمالة، بدلاً من النقاش واستخدام الدلائل. تكفي عبارة "أنت لست أفهم من زعيمنا"، لإدراك أنهم على خطأ، لكنهم غير مستعدّين للاعتراف به، فيلوذون بزعيمٍ، لا يعرف اسمهم على الأرجح، ولا حتى المكان الذي يعيشون فيه. ليس هذا النموذج من العلاقة بين زعيم وتابع صحيّاً، للعقل قبل المجتمع. مثل هذه العلاقة لن تكون أبدية، خصوصاً أنه لا يمكن التصرّف إزاءها على أساس التعامل اليومي. صحيحٌ أن بعضهم مستفيد منها في مهنٍ عدة، إلا أن ديمومة هذه الاستفادة موضع شكّ دائماً. وحتى ذلك الحين، لا يُمكن لمن هو مقتنع بمثالية الزعيم أو كماله، اعتبار نفسه محقاً فيما يقول ويفعل، لأن التماهي مع الزعيم يؤثر على أحكامه في سياقاتٍ أخرى، بدءاً من العلاقة مع العائلة وصولاً إلى المجتمع الكبير.