تأملات في شرفة على البحر

31 أكتوبر 2019
الصورة
"بغداد"، جميل ملاعب، 2011
+ الخط -

قطرات ماء وأزهار مشمش

قصائد بورخيس تستلقي كسولة في نقيع العنب.
القطة تقترب بحذر من حاشية الطاولة
موسيقى النوا اليابانية تميل على ضوء النافذة.
قطرات ماء وأزهار مشمش.
الوقت على كلّ حائط. الرقصة تتعثر أمام الباب.

الآن أفهم السرّ في تلويحة المرأة اليابانية:
تحفظ الروح طيّة فوق طيّة
تحفظ الجسد ظلّا فوق ظلّ
تحفظ الكلام صوتاً فوق صوت
تحفظ العطر رقّة فوق رقّة
تحفظ الإيقاع همهمة فوق همهمة
وتحفظ الليل والنهار في شغف الحديقة.


■ ■ ■


لم يعد للموت طعم الموت!

عواءٌ ليس كعوائك يا ألن غينسبيرغ!
هنا القصيدة موحشةٌ والشوارع امتلأت بالمسلّحين
المدنُ اجتهدت أن تطلق صرختها في بوق القيامة

ندمتُ أنّي لم آخذ تلك الحصاة المستديرة من جبل الرجبان*
تركتُها بين قبضة رملٍ وزهرة رتم
أشعرُ الآن أنّها شظية من نيزك ضلّ طريقه
وأنّها روح وردةٍ وقبلةٌ لم تكتمل.


(*الرجبان: بلدة صغيرة في الجبل الغربي، ليبيا)


■ ■ ■


الطُرق

لا يهم
إن تفرّقت الطُرق
وبقيت الساحة والعمارة العالية.


■ ■ ■


الدائرة

من مكر القذيفة أنّها تسقط كما تسقط ثمرة من أعلى الشجرة.
من مكر القذيفة أنّها ترفع صوتها عاليًا وهي تنزل المنحدرات المتعرّجة عمياء كالليل بصيرة كالحدأة.
من مكر القذيفة أنها تمتلئ بالدماء كما يمتلئ البئر بالماء.


■ ■ ■


طبل الحرب

البيداءُ تهب المسافر ما يقدر عليه وليس ما يريد.
الشجن يضرب باب القلب، كأنّه يضرب طبل الحرب الذي حدثني عنه أبي.
وأنا اقرأ كتاب مارلين هاكر (أسماء) أتنقّل بين قصائد الغزل، أراقب فولتير والمرأة البيضاء، أسمع أصوات سقوط العملة المعدنية في علبة الصفيح. كذلك أرى الوِحشة، أرى يدها تمتدّ إلى الصحيفة تداعب ساق المطربة الشعبية. أرجع لغزليات مارلين هاكر، أكثر انتباهاً لمعمار الغزلية، لكنّ البناء كلمات يمكن زلزلتها برفّة جناح!

للحظات كانت الورقة خاوية. للحظات امتلأت بترجمات قصائد لمارلين هاكر.
هكذا الكلام يعلو، يقترب، يصغر ويتلاشى، وهكذا النوم يحمل سريره وأحلامه بعيدا.
هذا طريق يؤدي إلى بيت مارلين هاكر، وهذه ستارة نافذتها.
سآخذ معي بهارات ووصفاً مفصلاً للكسكسي الليبي.
إن سمح وقتها سنجلس عند طاولة مطبخها الصغير معنا جولان حاجي، نترجم لزوميات المعرّي.


■ ■ ■


إقليدس 325 – 265 ق. م

مدَّ في الفضاء خطوطًا وأسقطَ السكينة على الأرض.
"هذا ولدٌ خطفته جنيّاتُ النيل وسقته بغايا المعبد خمرتهنَّ المعتّقة، ترفقوا به إن قابلكم يلوّح بيده في الهواء أو نائماً على عتبات بحر الإسكندرية. لا تشوّشوا عليه أغنياته وفوق هذا وذاك لا تلتقطوا ما يتساقط من أعداد على قدميه". قالت امرأةٌ بالمدينة

ما لا يعبر عليه عددٌ كاملٌ، أصمّ.

حفاظاً على ديمومة الكون وعلى توازن الطائر الطنّان الذي باح بالسرّ؛ قذفت إقليدس أيدي حرّاس الأعداد الصمّاء من أعلى البحار. الفضاء سلّة سرور وما هناك باقٍ هناك وما هنا باقٍ هنا.
المستقيم لا يعرّف. الحقيقة منحنية. الفلسفة تلهث عطشانة للفودكا. مَنْ يجد الباب يجد البيت. لكنك لن تجد الباب ولن تجد البيت.

لأكثر من ألفي عامٍ رأى الجميع الأعداد مثنى. الغابة قالت: مرّ بي فردٌ كاملٌ أو لعلّه لم يمرّ. في الفراغ تخونك الأعداد الغفيرة. التكرار طريقٌ مسدودٌ. الخطُّ انتصاب في البرية. الحدُّ جانبٌ لشيء. الحدُّ لا يعرّى. الشكلُ بيت الحدود. دائرةُ الطائر شجرةٌ وبُعدٌ.


■ ■ ■


فرضيات

فرضية أ
إلى الكأس أخذتْ النارُ الحاميةُ الرملَ
إلى العنب أخذتْ الشمسُ الأملاحَ والالتفاتةَ
إلى السُكْرِ أخذتْ البهجةُ الشاعرَ والمغنيةُ الراقصَ.

فرضية ب
وبيننا هواءٌ وشجٌر وحُروبٌ
وبيننا جبالٌ وأنهارٌ وسُحبٌ
وبيننا قلاعٌ وأعلامٌ ومقابرٌ
وبيننا أسرّةٌ تصطكُّ أرجلُها وأسواقٌ وأغانٍ
وبيننا كلامٌ فصيحٌ وكلامٌ معجمٌ ونومٌ ويقظةٌ.

فرضية ت
الواقفُ على رأس التلّ عارفٌ بالغيوم
الواقفُ على رأس النهر عارفٌ بالصمت
الواقفُ على رأس البحر عارفٌ بالنسيان.

فرضية ج
يدور الكلامُ على نفسه كثور الطاحونة
يتساقط الشعير في الكيس
كتساقط صوت الماء في أذن الثور.

فرضية ح
قرص الشمس أبيض يرتعش
يراه العرّاف من نافذته الضيّقة.

فرضية خ
النقصانُ كيس رملٍ مثقوب
تخدعك قلّته وتخدعك كثرته
لك أن تتمسّكَ بخديعتكَ
أو بنقصانٍ لا تعلمَ قّلته من كثرته.

فرضية د
إن كوّرتَ يديكَ حصلتَ على ثقبين، كُرتين، مطرقتين، جَملين أو تابوتاً لكلامٍ ميّت.

فرضية ذ
يمينكَ تأخذ من شمالك ما أخذت من يمينك
لا نقصان ولا زيادة في دفتر صاحب المكْس ومُحصِّل الضرائب.

فرضية ر
صاحب التوت يُقسّم يومَه
في النهار توتٌ أبيض وفي الليل توتٌ أسود.

فرضية ز
القفز من المنحدر الضيّق قفزٌ غير واثق.


■ ■ ■


أرخميدس 287-212 ق. م

"قتله أحدُ جنودي" قال الجنرال مارسيلوس، وقيل مات في الثالثة والسبعين وهو يحلّق في الفراغ بعدةٍ من خطوطٍ مستقيمةٍ ومنحنية. حدّقَ الناسُ في عريه وهو يصيح وجدتهاـ وجدتها. وكان هو يحدّقُ في عري المرآة. الشكلُ على الرمل لم يكتمل، الحياة اكتملت في سيف الجندي الغاضب
أيّ الأشكال سيرسمها دم عالم الرياضيات؟ أيّ أرواح نجت من آلتك يا قائد الجيشين؟

لأني خبّأتُ مفتاح الكُرة الحلقةَ والمستقيمَ تحت حجر؛ لا أحد يسرقُ هوى أصابعي.
هكذا تبدأ الأمور: الصباحات الصافية. الصباحات التي يسير الناس فيها. الصباحات بنكهات الربيع. الصباحات المغلقة على نفسها. الصباحات المتردّدة في عبور الشارع. السموات البعيدة. السموات القريبة. السموات الكسولة. السموات في الثكنات العسكرية.

بَعْدَ كَمْ من الأعداد ستنتهي الأسماء؟
قال الحاكم وهو يتثاءب: أيّهما أثقل في ميزان الحساب حبّات رمال أركنو أم كلام الناس في مدن الشمال؟ قال الشاعر: أيّهما أثقل في ميزان الشجن، صفير رمال الصحراء أم غناء النساء الثكالى؟
قال دليل القافلة: أيّهما أثقل في ميزان المسافات أخفاف الإبل على الرمال أم أحلام المسافرين الموتى؟


■ ■ ■


ديوفانتس الإسكندراني القرن الثالث ق.م

لا علامة للنقصان. لا علامة للتكرار. لا علامة للزيادة
النقصان طلب ورغبة. الزيادة قدومٌ وإتيان. التكرار لا شي لا شيء.


■ ■ ■


رينيه ديكارت 1596- 1650 م

وانهارَ كثيبُ الأسئلة: كلّما صعدتُ صار المكانُ أضيقَ والفضاءُ أرحب
ما أبغي؟ مطرقة وسنداناً، كلاماً مستقيماً وكلاماً ملتوياً على نفسه
الاستمرار أحياناً كالسفر على ظهر حلزون
سأجدُ مفتاح كلّ الأقفال
سأجد الخطوات على طاولتي في الصباح الاستثنائي.

حاذر من زهرة الصبّار
اقترب منها قبل أن يهرب الندى إلى حاشية الليل
سهلٌ وصفُ زهرةِ الصبّار.

بأيّ لغة تفكّرين ُيا نحلة؟!

نسيتُ إلى أين كانت تمضي الرغبات ذات القميص الأزرق!


■ ■ ■


اسحاق نيوتن 1642 – 1727 م

ربطتْهُ السماء بخيط من نور، صار يفكّر كيف يعيد النور إلى النور.
الطريق من الرياضيات إلى الإلهيات تقوده العتمة الكثيفة!


■ ■ ■


سيدي قنانة القرن 18 م

الكثبان الرملية بناتُ الريح الجنوبية.
بيتُ العناكب صغيرٌ على سفينة النجاة.
رشيقٌ كمتسلّقِ نخيل
يسأل الناس عن إيقاعه المسروق
يصرخ اقتربي أكثر أيّتها العيس العطشى.

من يفهم حكاية الغريب؟
لقد دخلتْ الأنعام المصيدة الحجرية.

ترفّقْ بنفسك وأنت تنزل الوادي!
يدٌ تحملُ إبريقك ويدٌ يتدلّى منها سيف مثلوم.

ارتجافةٌ وراء ارتجافةٍ
مخيّلةُ الشاعر على حبْل الكون.

عليك أنْ تختار بين أن تنزع قشرة السكينة
أو ترشَّ على سريرك ماء الخيبة.
أليس الهوى خاصرة زهرة؟!

حرّكْ قدميكَ يا راقصُ، الأرضُ يبابُ والشواهدُ ترتجف هناك بين جبل أصمّ ورابية تسيلُ منها الشهقات.

بغربال يلتقطُ الرياح عارية، النومَ من صالة البريد والنساءَ من مقاهي المدينة. عليه أن ينعطفَ ويؤجّلَ شهواته حتى يصلَ البحر.


* شاعرٌ ليبي مقيم في النرويج

دلالات