بيوت من الماضي

18 فبراير 2019
الصورة

(لؤي كيالي)

+ الخط -
يشغلني البيت كثيراً، على الرغم من أنني غير مشدود إلى الإقامة في مكان واحد. والبيت هو المسقط الأول للكائن حين عاد من البرية، وقرّر أن يبدأ العمارة. رمى سلاح الصيد، وترك عدّة الشواء في الخارج، وذهب نحو الداخل كي يبني نفسه من الأعماق، ويفكر في الحياة بين الجدران. قرّر أن يربط الفرس، ويزرع الحديقة، ويحفر البئر، وينجب، ويعمر مدرسةً، ويشق الطريق، ويبني الجسر، ليسافر نحو العالم.
ظل البيت هو العنوان الأول، ونقطة المكان التي تنطلق منها صرخة الولادة التي سيتردّد صداها في أماكن أخرى، نمشي نحوها خطواتٍ وأعماراً. ورغم الترحال الطويل بين بلدانٍ كثيرة، لم يشغلني سوى البيت الأول الذي كبرت فيه وسط الأهل على ضفاف نهر الخابور، وزرعت في حديقته أشجار الكينا والتوت والمشمش والزيزفون. بقيتُ مسكوناً بالروائح والثمار والطيور، تلك التي عشت معها في الطفولة، وبتّ جازما أنها لا يمكن أن تتكرّر في مكان آخر في العالم. تلك التفاصيل البيتية هي التي شكلت ذاكرتي الأولى وحاسّتي لتذوق العالم، وفتحت عيوني على الفضاء الخارجي، وصنعت لي عنوانا خاصا يشبه الوتد الذي يشدّ حبل الحياة الذي مهما استطال يبقى له مربطٌ في مكان ما. ورغم أنني ابتعدت عن ذلك المكان منذ حوالي 35 عاما، إلا أنني لا أزال أحمل بعض اللحظات، وأستعيدها كما لو أنها حصلت منذ فترة قريبة، وغالبا ما ترجع على شكل نوستالجيا، ولكنها تشكل البطاقة الذاتية الأولى التي تعرّف عن الكائن في الرحيل الذي لا ينتهي بين البلدان.
حين أحلّ في مكان جديد أهتم كثيراً بالعمران القديم، القريب من العمران في بلادي الأولى، وأتجه، عادة، نحو عناصر الشبه مع مسقط الرأس، لأذهب بعد ذلك نحو الامتدادات التي تشكّل سورية الكبرى والعراق، وهي الفضاء الجغرافي الذي يرسم حدود وجداني الخاص، وحين أجد مكانا متعدّد الإحالات، أحس بالقرب والقرابة معه، وهذا يحصل كثيرا في الفضاء العربي وجواره، وكثيرا ما تأخذني التفاصيل حد الأرق، فأذهب إلى التنقيب في الرموز وتاريخها ومصادرها كي أُشبع الحنين والمعرفة، وأعوّض الغياب عن مسقط الرأس.
وتشدّني على الدوام قوة المكان في وجدان الكائن، وأقف عند هذا القدر الهائل من البشر الذين تعرّضوا للتهجير، وصاروا يعيشون في جغرافياتٍ بعيدةٍ مختلفةٍ في شروطها عن المكان الأصلي. وهنا يحضرني عامل المناخ وتعاقب الفصول، فأشعر بنقصٍ إذا مر عام ولم أشهد فصل الربيع كاملا. ومع أن الربيع الأوروبي ليس طويلا، كما هو ربيع بلادنا، فإني أتصرّف تجاه الفصول وكأني في سورية، فالشتاء ينتهي رسميا بالنسبة لي مع آخر يوم من فبراير/شباط. ولا أظن أن الأمر مسألة نفسية، وإنما بيولوجية أيضاً، تنبع من الحاجة إلى كرم الربيع الذي يحوّل الطبيعة إلى احتفالٍ مفتوح، ومهرجانٍ من الفرح.
حين أرى الناس يندمجون في المكان الجديد، أحس أن ذلك قريبٌ من شروط العمل القسري الذي يشكل نوعا من الاقتلاع. وحتى لو أعاد البشر تكوين حياتهم في المكان الجديد الذي يختلف عن مسقط الرأس، ثقافيا واجتماعيا ومناخيا، فإن السعادة لا يمكن بلوغها.
والبيوت كذلك، هي منازل السوريين التي صارت من الماضي، بعد أن دكّتها براميل نظام بشار الأسد وطائرات الروس، على طول البلاد وعرضها. والبيوت صور الدمار التي بقيت تتحدث عن حياة متينة عاشها الأهل وراء الجدران هناك. تلك البيوت ستظل تحكي تغريبة السوريين، مثلما بقيت مفاتيح البيوت الفلسطينية تؤرخ لوطن عصيّ على النسيان. تلك البيوت هي أول العمران على الأرض التي سكنها البشر منذ بداية التاريخ، وعليها ما يستحق الحياة.