بين 1919 و1952 في مصر

02 اغسطس 2020
الصورة

وقع في القرن العشرين حدثان مفصليان في مصر، أحدثا تغييرات كبيرة في وجه المشهد السياسي والاجتماعي، والمفارقة العجيبة أنّ الثاني سار في مسار معاكس لمسار الأوّل، فبدا أنّ الثاني نقض ما غزله الأوّل وهدم ما بناه، في مشهد ينطبق عليه وصفٌ سكّه نجيب محفوظ في رواية "السمّان والخريف"، حينما تحدّث عن اللحظات التي يثب فيها التاريخ "وثبة خطيرة"، تؤدّي إلى نتائج قد يبدو بعضها مستعصياً على الفهم. 

الحدث الأوّل ثورة 1919 التي تعدّ الثورة المؤسِّسة في مصر، فهي أكبر ثورة شعبية وطنية في التاريخ المصري الحديث، حيث أسّست لوجود الدولة المصرية في المشهد الدولي، وأسبغت عليها المشروعية (قبل ثورة 1919 كانت مصر مجرّد ولاية عثمانية)، وبلورت الشخصية الوطنية المصرية، وحقّقت ما أخفقت فيه الثورة العُرابية، وعبّرت أبلغ تعبير عن شعار "مصر للمصريين"، عندما جمعت المصريين، على اختلاف طبقاتهم وفئاتهم، رافعين مطلبهم بالاستقلال والديمقراطية، ودشّنت لفصلٍ جديدٍ مجيدٍ في تاريخ الحركة الوطنية المصرية.

دشّن نظام يوليو التنظيم الشمولي الأوحد الذي يعتمد على أجهزة الدولة في المقام الأوّل

كان حزب الوفد (1923 – 1953) هو التجسيد التنظيمي المؤسّسي البشري لثورة 1919 (حسب تعبير طارق البشري)، وهو الحزب السياسي الحقيقي الوحيد في تاريخ مصر الحديث (منذ عهد محمد علي) الذي نشأ وانتشر برغبة مجتمعية، خارجاً عن هيمنة أجهزة الدولة، حاملاً لواء الليبرالية الوطنية، ممثِّلاً كلّ تكوينات المجتمع المصري، من الباشوات والأفندية، إلى العمّال والفلّاحين، وكان أوّل تنظيم سياسي أو اجتماعي يدخل إلى القرى المصرية بعد الطُرق الصوفية، واستمرّ حيّاً قادراً على المبادرة والتأثير في الشارع، ومواجهة بطش الدولة والاحتلال أكثر من ثلاثين عاماً، وما سوى "الوفد" من كيانات سياسية سابقة أو لاحقة دار بين تنظيمات شمولية دولتية أو تنظيمات/ جماعات دينية مُغلقة بائسة، أو أحزاب نخبوية منعزلة عن عموم الناس.

حاول الإنكليز امتصاص آثار الهبّة الشعبية الهائلة في 1919، بالتعاون مع قوى الرجعيّة ممثّلة في القصر، وحزب الأحرار الدستوريين ممثّل الليبرالية الأوتوقراطية، الذي استقطب الفئات الاجتماعية القديمة التي وقفت ضدّ الثورة العُرابية (لأنها مثّلت تهديداً لمصالحهم) من كبار المُلّاك، وذوي الأصول التركية الشركسية التي استمدّت قوّتها من المراكز الاجتماعية، لا من تأييد الشعب، فساوم حزب الأحرار الدستوريين مع الإنجليز في تصريح 28 فبراير/ شباط 1922، ومع القصر في دستور 1923 الذي وضعته لجنة شُكِّلَت بالكامل من المَلكيين وأنصار "الأحرار الدستوريين".

تمكّن العسكر من القضاء على الليبرالية الوطنية، وتجريف كلّ الهياكل المجتمعية القديمة، ما أحدث فراغاً كبيراً على مستويات عدّة،

أنتجت نصوص دستور 1923 مجالاً سياسياً ثلاثي الأقطاب، الأوّل الاحتلال "السلطة الفعلية"، والثاني القصر "السلطة الشرعية"، والثالث الأمّة/ المجتمع، فعلى الرغم من سلطات الملك الواسعة الواردة في نصوص الدستور، إلّا أنها، في المقابل، أوجدت مساحات كبيرة للحركة أمام القوى المجتمعية، وكانت الصيغة النظرية التي خرج بها الدستور تقول إن "الأحرار الدستوريين" هم الذين سيلعبون دور الممثّل السياسي للأمّة، بيْد أن المفاجأة جاءت عند الممارسة الفعلية لأحكام الدستور، فقد حلّ "الوفد" محلّهم، وفشلوا فشلاً ذريعاً في أوّل انتخابات برلمانية في يناير/ كانون الثاني 1924 التي اكتسحها الوفد اكتساحاً، وحصل على 90% من المقاعد، مقابل ستة مقاعد فقط للدستوريين، واستطاع "الوفد" طوال الحقبة الليبرالية أن يكون مصدر إزعاج وإضجار كبير للقصر والاحتلال، ففاز في كلّ الانتخابات النزيهة (ست مرّات)، وأُسقط في الانتخابات المزيّفة (أربع مرّات)، وظلّ فاعلاً حتى آخر انتخابات في يناير/ كانون الثاني 1950 عندما حصل على 70% من مقاعد البرلمان.

وثب التاريخ، صباح 23 يوليو/ تموز 1952، وثبة خطيرة، فكان الانقلاب العسكري لتنظيم الضبّاط الأحرار على الحقبة الليبرالية، فقد استطاعوا، بغرابةٍ شديدة، الاستيلاء على السلطة، فألغوا الملكية وأعلنوا الجمهورية، وبمباركة وتأييد جماعة الإخوان المسلمين وبعض السياسيين الموتورين من حزب الوفد، ساروا في طريق الديكتاتورية، فأجهزوا على الدستور والحياة الحزبية والبرلمانية. وبعد أزمة مارس 1954 (في "مجلس قيادة الثورة") كانوا قد تمكّنوا من القضاء على الليبرالية الوطنية، وتجريف كلّ الهياكل المجتمعية القديمة، ما أحدث فراغاً كبيراً على مستويات عدّة، فالمجال السياسي الذي كان يحمل قدراً طفيفاً من التوازن أحلّ العهد الجديد محلّه مجال "الرجل الأوحد"، حيث ورث رئيس الجمهورية فيه مواقع الملك والوفد معاً، كما جاءت دساتير تلك الحقبة بنصوصٍ عظّمت النزعة الأبوية للرئيس، ومنحته صلاحياتٍ شبه إلهية، إلى جانب قيام النظام الجديد بعملية إدماج للسلطتيْن، التنفيذية والتشريعية، بعد هيمنة الثانية على الأولى، فأتى النظام الانتخابي المشوّه ببرلماناتٍ كانت أشبه بغرف ملحقة بالحكومة. 

أخفق نظام 23 يوليو في بلورة أيديولوجيةٍ واضحةٍ قادرة على الانتشار الشعبي، وجذب قطاعات جماهيرية من المؤيّدين والمستفيدين

أمّا الفراغ الناجم عن إلغاء الأحزاب، فقد دشّن نظام يوليو التنظيم الشمولي الأوحد الذي يعتمد على أجهزة الدولة في المقام الأوّل، لا على القواعد الجماهيرية كما كان حال حزب الوفد، فبسبب الطبيعة "التآمرية" لرجال يوليو (حسب تعبير نزيه الأيّوبي) اصطبغت آليات عمل التنظيم السياسي بالصبغة الأمنية، فقد وقفت الأجهزة الأمنية في الكواليس، ولعبت من وراء الستار دور الفاعل الرئيسي غير المرئي في المشهد السياسي، عبر صياغة التقارير الأمنية التي مثّلت الآلية الوحيدة لاختيار الكوادر وتصعيد القيادات. وبعد صدور الميثاق الوطني في 1962، جاء قرار إنشاء "التنظيم الطليعي"، بهدف أن يكون العقل المُفكِّر، والدليل الموجِّه للتنظيم الشمولي. 

على الرغم من هذا كله، ولأسباب عديدة، أهمّها الاعتماد على "الشلليّة"، وتقديم أهل الثقة على أهل الخبرة، أخفق نظام 23 يوليو في بلورة أيديولوجيةٍ واضحةٍ قادرة على الانتشار الشعبي، وجذب قطاعات جماهيرية من المؤيّدين والمستفيدين، وبناء تقاليد مؤسسّية راسخة للتنظيم الدولتي الذي فشل في ملء الفراغ السياسي، ما فتح الباب واسعاً أمام تمدّد (وانتشار) النشاط السياسي "الموازي" أو تنظيم الإخوان المسلمين (على الرغم من صدامه المدوّي مع نظام يوليو، فكلّما تلقّى التنظيم الإخواني ضربة أعاد بناء نفسه)، بحُكم إتقانه آليات العمل السرّي التي قام عليها "النظام الخاصّ" الذي مثّل النقيض التاريخي والمعادل الموضوعي للتنظيم الطليعي، ما أنتج قدراً من "التغذية المرتدّة" والمنفعة المُتبادلة بين طرفي تلك الثنائية الصراعية، وجعل العقود الماضية مسلسلاً ممتدّ الحلقات، لصدامات تعقبها هُدنات بين نظام 1952 وتنظيم الإخوان المسلمين.. وما زال العرض جارياً.