بين بنكيران والعثماني

06 يناير 2018
الصورة

سعد الدين العثماني وعبد الإله بنكيران

بين الأمين العام السابق لحزب العدالة والتنمية المغربي، عبد الإله بنكيران، والأمين الحالي للحزب، سعد الدين العثماني، اليوم ما هو أكثر من خلافٍ نجم عن اختلاف في النهج السياسي. وعلى الرغم من أن الاختلاف في الاجتهاد لتوصيف وضع المغرب ضمن التحدي الراهن للمنطقة نظرا لحساسيته، من شأنه أن يرتب مواجهة، إلا أن الخلاف بشأن مستقبل "العدالة والتنمية" لم يعد الآن يتعلق بالمغرب وحده. فما حقيقة الاختلاف وما قصة الخلاف؟
يمكن القول إن الخلاف بين الرجلين موضوعي في أحد أبعاده، ويحمل بعدا صراعيا يتجاوز المغرب. وفي هذا الملمح الصراعي، يجري توظيف خصائص بنكيران الذاتية، كما يجري استغلال قلقه على تجربته الوليدة "العدالة والتنمية" لتهديد الحزب. فما الرابط بين الموضوعي والذاتي في قضية الخلاف في "العدالة والتنمية"؟ بداية، يمكن القول إنه خلاف يتعلق بمنهج إدارة المشهد الديمقراطي في المغرب. فالاختلاف كبير بين رؤيتي بنكيران والعثماني، حيث كان منهج الأول هو السعي إلى بناء نظام فرعي/ توافقي داخل سياسات المغرب، يتشكل من جملة من الأحزاب مختلفة التوجهات، تتراوح بين حزب يمين علماني (الاستقلال) وآخر ينتمي لليسار (التقدم والاشتراكية) والحزب الثالث ينتمي لليمين الديني (العدالة والتنمية). وذلك لمنح المغرب قائمة أولويات تتفق عليها جملة من الأحزاب، على الرغم من اختلافاتها، ما يشكل نواة يمكن توسيع قاعدتها فيما بعد من خلال الحركة، كما يمكن الاستناد إلى هذه الكتلة لحماية ما اصطلح المراقبون على تسميته "الاستثناء المغربي". منيت تجربة بنكيران بالإخفاق لأمرين: أن أولويات الكتلة التوافقية التي كان يحاول بناءها لم تكن متماسكة، ما أدى إلى نكستين، حيث أدت تصريحات رئيس حزب الاستقلال عن اعتبار موريتانيا من التراب المغربي إلى استبعاده من الحكومة، وهو ما رضي به "الاستقلال". وتمثلت المشكلة الثانية في اضطراب مكانة المواطن في رؤية المجموعة، ما أدى إلى تعطيل مشروعاتٍ أنتجت "حراك الريف" في النهاية، ومن أسف أن وزيري حزب التقدم والاشتراكية، نبيل بنعبدالله والحسين الوردي، كانا أبرز المقصّرين في تباطؤ مشروع "منارة المتوسط" الذي كان أحد أسباب اتجاه احتجاجات الشمال وجهة اجتماعية.
وبعيدا عن الرؤية الجبهوية التي ستزكّي التنافسية/ الصراعية، اتجه العثماني وجهة أخرى،
 ربما تتناسب مع تكوينه طبيبا نفسانيا ومثقفا رفيعا؛ يحمل درجات علمية عليا في الآداب والشريعة، وهي الوجهة التواصلية، والتي تمثل عنوان المجتمع الثقافي المغربي اليوم، وهي وجهة يقودها مفكر بوزن محمد أمزيان. ومن هنا، ذهبت جهود العثماني في اتجاه ترضية القوى السياسية المغربية، وهو اتجاه استوعب عددا كبيرا من الأحزاب، بما في ذلك الخصم اللدود لحزب العدالة والتنمية، أي "الأصالة والمعاصرة". كما أنه أجرى تسوياتٍ قبل بموجبها باشتراطات حزبي الإصلاح الوطني والاتحاد الاشتراكي التي سبق أن رفضها بنكيران، وعمم رفضها على الحزب قبل انتخاب العثماني أمينا عاما للحزب. وإذا كانت رؤية بنكيران الجبهوية تجعل من كتلة الأحزاب المتوافقة ركيزة انتخابية ومجتمعية، تدعم الأجندة التوافقية المتفق عليها بين هذه الأحزاب، فإن رؤية العثماني تدعم هدفا آخر، هو دعم التطبيع مع الحضور المشروع للإسلاميين في المعترك السياسي، وتراعي تحرّك "العدالة والتنمية" في بيئة محلية وإقليمية وعالمية تحمل للإسلاميين نظرة سلبية، تتراوح بين التوّجس والعداء.
هذا عن الاختلاف، غير أن هذا التباين الموضوعي لا يعني عدم وجود خلاف. والفرق بينهما أكبر من أن يكون بين كلمتين. وتفيد الملاحظة المدقّقة أن الخلاف بين بنكيران والعثماني تجاوز كونه حزبيا، حيث عرف المجتمع المغربي تدخلاتٍ من أطراف خارجية، يبدو حتى اللحظة أنها تدخلاتٌ إعلامية، لكن مراميها سياسية. فمن ناحية، وبعد إلغاء تكليف بنكيران برئاسة الحكومة، ثم تكليف العثماني، شهد المجتمع السياسي في المغرب هجمة إعلامية، حيث بدأت صحف حزبية وأخرى غير حزبية تعمل على "تسخين" بنكيران، وتوظف قلق هذا السياسي الكبير على حزبه من ناحية، وتستغل ملكاته الجماهيرية وغيرته على سيرته الشخصية من ناحية أخرى، لتأزيم "العدالة والتنمية" إن لم يكن "تفجيره"، خصوصا أن رفض تعديلات اللائحة تم بأغلبية 51%، كما فاز العثماني بمنصب الأمانة العامة بنسبة 55%، وكلها مؤشراتُ تنطوي على تهديد للحزب الذي قاد "الاستثناء المغربي".
عناوين الصحافة المحلية، مثل "فشل بنكيران" و"الصفعة" و"بداية النهاية للعدالة والتنمية"،
 دخلت معها عناوين صحافة عالمية تجاوزت المهنية بكثير، منها عناوين "فرانس 24" التي كان أكثرها تجاوزا للمهنية الحديث عن حكومة العثماني باعتبارها "قشرة موز" تحت حزب العدالة والتنمية، وحديث "دويتشه فيله" عن القصر و"تلجيم" "العدالة والتنمية" بعد بنكيران. ولا يخفى ما تحمله هذه العناوين من استفزاز وقلق لسياسي فذ يحمل صفات عبد الإله بنكيران الشغوفة والغيورة. ويبدو الخطاب الإعلامي الاستفزازي الأوروبي مفهوما في إطار القلق التقليدي من الحضور السياسي الإسلامي جنوب المتوسط، وخصوصا من فرنسا، إلا أن الهجوم الداخلي تتزايد أهميته بالنظر للدور الإماراتي في تمويل أكثر من خمس منصات إعلامية مغربية ذات طابع حزبي. وغني عن البيان أن الدور الإماراتي معروف بعدائه للإسلاميين، وتكشفت أبعاده مع دراسة أعدها الباحث المغربي محمد أغنوغ.
ويمكن لدراسة معمقة أن تكتشف بسهولة أن الخطابات الإعلامية المغربية المعارضة لحزب العدالة والتنمية انقسمت بين طرف يركز على مستقبل مبهم للحزب بدون بنكيران؛ ويهاجمون بصورة غير مباشرة اتجاه "العدالة والتنمية" إلى دعم مؤسسيّته على حساب كاريزما بنكيران، وطرف آخر يستفز الرجل بالتركيز على مفردات خطابٍ من قبيل "الفشل" و"الصفعة" و"النهاية" و"السقوط"، وكأن ثمة رغبة ملحة، داخليا وخارجيا، في وجوده في بؤرة الضوء في الحزب، واستثارته للبقاء في مركز القرار، على الرغم من تعثر ستة أشهر لجهوده في تشكيل الحكومة.
ما يزيد الأمر دقة أن "الغضبة الملكية" التي عصفت بوزراء كانوا في حكومة بنكيران الثانية بسبب تقصيرهم في تنفيذ مشروع منارة المتوسط لتطوير الشمال لم تقترب من بنكيران، على الرغم من أن الوزراء والمسؤولين الكبار المقالين كانوا يعملون إما وزراء معه أو في مناصب تتبع حكومته، وكأن القصر الذي سحب التكليف بالوزارة من بنكيران يرغب في الإبقاء عليه خارج دائرة أزمة حراك الريف.