بين الكويت والرياض

22 يوليو 2019
الصورة
+ الخط -
ركب القائمون على قناة العربية رؤوسَهم، فلم يكترثوا بمطلب وزارة الإعلام الكويتية الاعتذار للكويت وشعبها عن "الإساءة البالغة، وغير المقبولة"، في هزء مذيعةٍ من الكويتيين "أصحاب قطر"، في مختتم خبرٍ قرأته مشوّهاً، عن كأس العالم في دولة قطر. ولم يحفل أيٌّ من أولئك، أي الذين يديرون القناة والعاملين فيها، بطلب نائب وزير الخارجية الكويتي، خالد الجارالله، منهم الإسراع في تقديم اعتذارٍ، لتصحيح ما بدر منهم. بل غرّد عبد الرحمن الراشد، وأمثالٌ له من شطّار الإعلام السعودي، يُثنون على المذيعة، لأنها كشفت "نفاق المنافقين". ويجد واحدُنا نفسه مغتبطا إذا ما ضُمّ إلى هؤلاء المنافقين، على أن يفسّر هذا الرهط من ناس الإسفاف في الإعلام العربي سرعة الاعتذار الذي أقدمت عليه صحيفة الاقتصادية، (الموصولة كما "العربية" بمكتب ولي العهد محمد بن سلمان)، بعد اقترافها حماقةً أكثر صفاقةً من فعلة المذيعة تلك، إذ نشرت رسما كاريكاتيرا يعرّض بقيادة الكويت، ويسخر من سياساتها، ثم سحبته من موقعها الإلكتروني، و"نافقت" بكلامٍ كبيرٍ عن الكويت الشقيقة، العظيمة بقيادتها وشعبها وتاريخها.. 
والأقرب إلى تفسير التناقض بين عناد القناة وتعقّل (؟) الصحيفة أن تحسّبا في محله طرأ من أن يأخذ سخط الكويتيين الشعبي من هذا التجرؤ (السعودي) صانع القرار الكويتي إلى ما يؤكد أن موعد طفح الكيل قد أزف، فللتحلّي برباطة الجأش، وكظم الغيط، والترفّع، والعد إلى العشرة، حدودٌ، سيما وأن القصة، في جوهرها، أبعد كثيرا من بلاهة مذيعةٍ ومن زعرنة رسام كاريكاتير، فالذي وراء الأكمة ثقيل وكثير. ولا يحتاج مراقب العلاقات السعودية الكويتية إلى حصافةٍ من نوعٍ خاص، ليعرف أنها في طورها الراهن مريضة، وأن ثمّة خلافاتٍ جدّيةً تغطّيها قشورُ المجاملات المعلومة، ولا تسمح بتأزمها مقاديرُ الحلم الغزيرة التي تطبع شخص أمير الكويت، الشيخ صباح الأحمد، المجرّب الخبير، والأدرى من غيره بحاجة الخليجيين إلى ما يُنقذهم من تزيّد حماقات بعضٍ بينهم. يُضاف إلى هذا الأمر، وسابقه (كظم الغيظ و..) أن الكويتيين يحفظون للعربية السعودية جميلا ثقيلا، منذ موقعة تحرير الكويت من الغزو العراقي. ولكن هذا كله، وغيره، لم يعد يُسعف المراقب في أن يطرد سوء الظنون عنه، ولا سوء التوقعات الممكنة، والاحتمالات المرجّحة، فلن يكون مفاجئا، ربما، أن تتدحرج كتلة النار المغطّاة برمال التكاذب إلى ما لا يستحسنه أي عاقلٍ يتطلّع دائما إلى أحسن العلاقات والصلات بين دول الخليج وشعوبها.
سخافتا "العربية" و"الاقتصادية" تجاه الكويت موصولتان بكثيرٍ مما لا تتوقف عن نشره وسائط الصحافة السعودية، منذ عدم استطابة معلقين ومستكتَبين وموظفين في هذه الصحافة مسارعة الشيخ صباح الأحمد إلى التوسط في الأزمة الخليجية ما أن اندلعت، ويتجرّأ هؤلاء أحيانا على تصريحات مسؤولين كويتيين رفيعين في هذا الشأن. ويحدث أيضا أن يتناولوا الحياة البرلمانية الكويتية، ورموزا فيها، بلغةٍ مستخفّة، تخلو من أي اعتبارٍ لقيمة التعددية ومعنى السياسة ومساءلة الحكومة، وما إلى ذلك من مفاهيم لم تعثر بعد على أي موطئ لها في المملكة، بل تجري رياح محمد بن سلمان الإصلاحية باتجاهٍ يعاكسها، وذبح جمال خاشقجي وحبس ناشطات سعوديات، واحتجاز دعاة ومثقفين، من بين أعراضٍ كثيرةٍ دالّةٍ على هذا.
يبقى حاضرا في هذه الغضون الخلاف المزمن إيّاه، الموروث منذ ترسيم الحدود في 1922، والذي أبقى على منطقةٍ مشتركةٍ، غنيةٍ بالنفط، تم بشأنها صوغ اتفاقية 1970، نظّمت استثمار هذا النفط فيها، ثم ظل الطرف الكويتي يلحظ خروق الرياض لها. وبعد محادثاتٍ ومداولاتٍ، عسيرةٍ غالبا، من أجل حسم تفاهم نهائي، تأكّد لدولة الكويت أن المملكة تُؤثر الميوعة على الحسم المشتهى، بل أقدمت على اتفاقٍ مع شركة أميركية للعمل في المنطقة المختلف بشأنها، من دون كبير اكتراثٍ بحسابات الكويت، حتى إذا تجمّد هذا كله منذ أربع سنوات، روهن على زيارة محمد بن سلمان في سبتمبر/ أيلول الماضي الكويت، ولكنها تمّت شديدة البرودة، وفشلت.. والفشل هو العنوان الأوضح لكل محاولات التعمية على ما يتّقد تحت الرمال، ويحتّم قدوم يومٍ يطفح فيه الكيل الكويتي حقا. وعندها لن تنفع معه شطارةٌ مثل التي جرّبتها صحيفة الكاريكاتير التافه، ولن يخصّ ركوبُ الرأس، كالذي فعلته قناة العربية، غير أصحابه.