بين السياسي والأخلاقي في جَلد مرسي

29 يونيو 2019
الصورة
+ الخط -
كشف مقتل الرئيس المصري الأول بعد ثورة 2011، محمد مرسي، كثيرا من أزمات العقل السياسي العربي، ليس فقط من ناحية السؤال السياسي المستمر من حيث "ماذا جلبت الثورات؟!"، ولكن كذلك من ناحية السؤال الأخلاقي أيضًا، وكلاهما، لا يزال، يفرضه الحراك الثوري العربي، بزخمٍ يكاد يتطابق مع اليومي والمعيش، في حياة المواطن العربي. وبالذات في ما يتعلق بسؤال الموت، ليعيد إلى الموت (والحياة) لااعتياديته، حتى وإن كان منهمرًا ببذخٍ في حياتنا وحولنا، وفينا. ليس بمعنى أن روح مرسي أثمن من أرواح شهداء سورية والسودان واليمن والبحرين وتونس وفلسطين ومصر وغيرها، وإنما لأن كل هؤلاء، ومرسي معهم، قاتلهم واحد، وهو بيننا وحولنا، وأحيانًا فينا، حتى وإن هادنه مرسي وجماعته، براغماتيًا، متى ما أوقفناه، فرغنا حينها لسؤال الشهادة، ليس قبل ذلك!
بادئ ذي بدء، كاتب هذه السطور ممن عارضوا، قولًا وفعلًا، سياسات الإخوان المسلمين في عام حكمهم في مصر، ويرى أنهم كانوا بتلك السياسات وبراغماتيتهم عتبة أساسيّة للمؤسسة العسكرية لتُحكِم خطتها الواضحة منذ يوم 28 يناير/ كانون الثاني 2011. ومن يتذكّر تفاصيل المواجهات في الصفوف الأولى (في محطة رمسيس – الإسعاف، في القاهرة)، لن ينسى مشهد انهيار قوات الداخلية، وهروب أفرادها، إذ كانت تقف خلفها قوات الجيش تمدّها بالذخائر، ولكن حين انهارت قوات الداخلية، وبحسب أبسط قواعد العلوم العسكرية والحربية، لا يمكن للدبابة أن تواجه الكتل الجسدية البشرية المتحرّكة. حينها، وفي لعبةٍ رمزيّةٍ ذكية، أدارت دبابات الجيش فوهاتها وبنادقها صوب الهاربين من أفراد الداخلية، وهو ما انخدع به الثوار والثائرات، مرتين. كانت الثانية هي لحظة محاصرة منزل حسني مبارك في حي مصر الجديدة – الميرغني، حين تزايدت أعداد المتظاهرين والمتظاهرات، فاضطرت حينها قوات الجيش والحرس الجمهوري أن تلعب لعبة فوهات دباباتها مرة أخرى، (وتاريخ قوات الحرس الجمهوري في الثورة دموي، دفاعًا عن مؤسسة الرئاسة باعتبارها مؤسسة دولة عميقة، وليس شخص الرئيس)، لتسترد حينها مؤسسة الجيش، رمزيًا فقط، ما لم تتنازل عنه إطلاقا منذ ما يزيد عن ستين عامًا؛ الدولة والمخيال المعسكر.
إلا أن العلاقة مع مرسي، بكل ما حملته وتحمله من ترميزاتٍ مكثفة، لا ينبغي أن ينفصل فيها
 السؤال السياسي عن الأخلاقي، وبالذات في كثافة الموت؛ وإلا أنتجت الثنائيات نفسها التي تعيد أنظمة الثورة المضادة لتعيد إنتاج نفسها، مثل "خيانة – وطنية" و"إرهاب – أمن" و"ظلامية – تنوير" و"مقاومة/ ممانعة - احتلال/ تطبيع)، وهي ثنائيّاتٌ ليست فقط عاجزةً عن تفسير الواقع المركّب، إلا أنها، وهو الأهم، لا تستطيع إقامة جدل أخلاقي معه، لأنها قائمةٌ على استحواذاتٍ وتصنيفات، حينها نجد بعضهم يتواطأ مع قاتل الثورة ومرسي باسم الثورة، باعتبار أن مرسي عدو الثورة، وكأن قاتله كان ثائرًا!
لنتأمل تفاصيل المشهد ولو قليلًا. .. لا تنجو إدانة سياسات مرسي وجماعته من تبرئةٍ ضمنيةٍ للدولة المصرية العميقة، والنظام المصري. وتلك هي اللعبة الإجرائيّة نفسها، بالمعنى السياسي، التي قام بها المجلس العسكري في 2012، وكانت حينها أن الثوار والثائرات الذين كانوا يواجهون قوات وزارة الداخلية والجيش التي قتلتهم وسحلتهم في الشوارع، وعرّت وتحرشت واغتصبت، ومعها إعلام الدولة الرسمي الذي يصورهم بلطجية، والقاضي الذي حاكمهم عسكريًا، كان الثوار والثائرات يتصوّرون مع الإعلام الرسمي نفسه في "العرس الديمقراطي الثوري"، والأصابع منتصبة بحبرها السّري، واصفين الانتخابات بالديمقراطية والنزيهة، بإشراف منظومة القضاء نفسها، وتحت حماية وزارة الداخلية نفسها، والجيش نفسه، حينها فقط فقدوا مصداقيتهم الأخلاقية وفاعليتهم الثوريّة.
تقع اللعبة نفسها الآن حول قتل مرسي؛ فالآلة الخطابيّة للدولة والجيش تضع الخلاف مع الراحل وجماعته سابقًا على الخلاف معها. وبالذات إذا كان الخلاف معها هو بالأساس عن حق / الحق في الحياة وليس الموت وحده، وما يضمن ذلك من دولة حرة ديمقراطية، دولة حريات وقانون تقبل التعدّد والتنوع، دولة قبل أن تكون مؤسسة سياسية، هي مؤسسة ذات هامش أخلاقي، وهو بالأساس ما طالبت به ثورة يناير 2011.
ولكن ثمّة ما يخيف أكثر من مجرد الموقف من القتل والموت، بالمعنى المباشر، وهو درجة التماهي مع القتل والقاتل معًا، فإن كانت الحداثة تتسلل إلينا بشكلٍ سيّال، كما يوضح عالم الاجتماع، زيغمونت باومان، وأننا نتمثلها ونذوِّتها، فإن أبرز معالم هذا التمثل هو التماهي مع مؤسسة الدولة، وهو ما تلعب عليه الأنظمة العربية، لتحوّل أفرادها إلى مخبرين ورجال شرطة وقضاة، فقط لصالحها، وهو ما نراه جليًّا في الخطاب الإعلامي المصري، والذي وإن كان باذخ السفه بشكلٍ فضاح لا يستدعي النقد، إلا أنه يكثّف من حالة التماهي تلك، وينشر خطابًا عدائيًا، قائمًا على ثنائية "خائن – وطني"، فقط التي ترسم حدودها الدولة وآلاتها الخطابيّة.
لعل المخيف ليس فقط التماهي مع مؤسسة الدولة التي باتت مهووسةً بتنميط مواطنيها وتصنيفهم ومعاقبة أي خروجٍ عن هذا التصنيف، ضمن عتباتٍ بات الدم والقبول به أساسيًا فيها. لكن 
الأكثر من ذلك هو ما يحدث على مستوى الوعي والإدراك وتشكيلهما، فيما يتعلق بشكل المواطنة المطلوبة واشتراطاتها على تعريف الوطن والتماهي معه. حيث يصبح جزءًا أساسيًا من رمزية المواطنة قبول القتل وتبريره، ليس فقط حال حدوثه، ولكن باحتماليّة حدوثه. والحالة السورية مميزة في هذا الأمر؛ إذ تحول نظام الأسد إلى مفرخةٍ لمجرمين على مستوى المُمكن من الدم، وعليه تترسم حدود الجماعة المتخيلة. هنا تنكسر لدى المواطن في ممارسته مواطنيته العتبتان الأساسيتان للدم البشري؛ الحرمة والشهوة، فاختراق حدود الجسد البشري، وسفك دمه، لهما حرمة رمزية ومعنوية وماديّة، متى ما تخطّاها الفرد تحول إلى مجرد قاتل، فقد مشتركه الإنساني مع أخيه الإنسان، على المستويات الثلاثة. الشهوة أمر آخر، انكسار العتبة الأولى أكثر من مرة لأحدهم، ينتقل به من مرحلة فقدان الحرمة إلى اشتهاء القتل، لترسيم شكل علاقته ليس مع الآخر فحسب، إنما مع نفسه من حيث إعادة كتابتها. وهنا يتحول من قاتلٍ إلى وحش، تعمى بصيرته عما بين هذين التحولين من خسائر، فلا تعود لمسألة الأخلاقي والسياسي في القتل لديه من أثر، لا على مستوى الفرد، ولا على الجماعة.