بين السرايات أقرب من أثيوبيا

بين السرايات أقرب من أثيوبيا

07 يونيو 2020
+ الخط -
ما الذي يمكن أن تفعله معنا سخرية الأقدار أكثر من اختيارها للأيام التي نستقبل فيها ذكرى هزيمة الخامس من يونيو 1967، لكي تُدخلنا في تجربة كتجربة سد النهضة الأثيوبي الذي نشّف ريق المصريين قبل الأوان بأوان.

نحن لم نقرأ درس هزيمة يونيو جيدًا منذ وقع، ولم نتعلم من أخطائه؛ ولذلك ليس عجيبًا أن تنبعث الآن دعوات الهجايص لمواجهة السد الإثيوبي بأفكار من نوعية "اغضب يا ريس" و"أعلنوا الجهاد على إثيوبيا"، و"عبد الناصر لو عايش كان وقف أثيوبيا عند حدها" و"الله يرحمه السادات فاكرين لما ضرب أهل الحبشة على قفاهم" و"فين أيام مبارك لما هدد إنه يضربهم بالطيارات"، وما إلى ذلك من دعوات يختلف رافعوها تمام الاختلاف عن بعضهم ومع بعضهم؛ لدرجة أنك لا يمكن أن تجمعهم في غرفة واحدة دون أن يضربوا بعضهم بالنعال، ومع ذلك فجميعهم يشتركون في الاعتقاد الشعبي الأكثر شيوعًا لدينا بأن مصر هي أم الدنيا المحروسة المذكورة في القرآن والمحمية بالأولياء والتي ستظل تحظى دائمًا بمعاملة خاصة "لأن فيها شيء لله؛ ولذلك تفوت عليكي المحن، يمر بيكي الزمان، وإنتي أعلى مكان"، وهو اعتقاد لا يصلح للتطبيق خارج نطاق إذاعة الأغاني، ولن نتقدم خطوة إلى الأمام إلا بعد أن نتخلص منه تمامًا؛ فندرك أن ما يسري على غيرنا من الشعوب من قوانين الكون سيسري علينا بالضرورة؛ لأننا لسنا شعب الله المختار، والكون ليس ملكًا لنا لمجرد أننا كنا أول حضارة نشأت على أرضه.

تعال نتكلم بصراحة بعيدًا عن الطنطنات والعنتريات، وقل لي كم شخصًا تعرفه يطلق تعبيرات عنصرية مهينة على الأفارقة من نوعية "..."، ولا بلاش فأنت تعرف هذه التعبيرات جيدًا وتعرف أنك بنفسك تستخدمها من حين لآخر ولو على سبيل الدعابة التي تظنها بريئة. ولكي لا أبرئ نفسي من ذلك العيب دعني أخبرك أنني كتبت سلسلة مقالات في صحيفة "المصري اليوم" عام 2009 أعتذر فيها عن سخريتي فيما سبق من ذوي البشرة السوداء؛ يومها حاولت على قدي أن أفتح ملف التعامل العنصري الذي نمارسه مع إخواننا الأفارقة كأن الدماء الزرقاء تجري في عروقنا، ولم أكن أعلم وقتها أن عدالة السماء التي لا تنزل فقط في ستاد باليرمو ستعطينا الآن درسًا بليغًا، هو أن من تموت ضحكًا عليه وسخرية منه واستهانة به يمكن أن يكون سببًا في موتك عطشًا؛ فهل نعتبر أم لا؟ وهل تكون هذه الأزمة بداية لمراجعة شاملة ليس فقط لأبسط سلوكياتنا مع شركائنا في القارة الأفريقية؛ وإنما لتعاملنا مع الكون بشكل عام؟

"الحكاية مش حكاية سد"؛ بل حكاية كل شخص منا يعتقد أن دور البطولة في الدراما الكونية محجوز لنا بالضرورة لكي نستمر في لعب دور بطل القارة المرح الذي لا يكف عن إطلاق الغازات الفكرية، والتغني بشعارات أستاذية العالم على الطريقة الناصرية أو الإسلامية أو الفرعونية؛ مفترضًا أن على جيراننا الأفارقة أن يستمروا في لعب دور الكومبارس أو السنّيد في أحسن الأحوال؛ فإذا رفضوا وقرروا أن يصنعوا لأنفسهم قدرًا مختلفًا لا يعبؤون فيه باحتياجاتنا، كان أول ما نفكر فيه أن نضربهم بالطائرات، ثم عندما نكتشف أن ذلك غير متاح بالسهولة التي كنا نظنها، نبدأ في تمزيق ثياب بعضنا البعض وأصواتنا تعلو بالشكوى من المؤامرة الإسرائيلية الصينية القطرية الإيرانية الأميركية التي تستهدف تركيعنا وتعطيشنا وتجويعنا، دون أن يسأل أحدنا نفسه عما فعله لإيقاف هذه المؤامرة منذ وعى على الدنيا، ولماذا كنا دائمًا مشغولين بالفوز بكأس أفريقيا أكثر من انشغالنا بأن يكون لنا مصالح حقيقية في أفريقيا التي نمتلك منذ عشرات السنين معهدًا متخصصًا في دراساتها في قلب جامعة القاهرة.

أتحدى أن يكون مسؤول واحد طيلة الثلاثين عامًا الماضية قد قام بتطبيق توصيات رسائل الماجستير والدكتوراة التي يقدمها المعهد كل عام؛ فلو فعلوا ذلك لما كان حالنا كما لا يخفى عليك، ولما أصبحت الأصوات التي نسمعها لحل الأزمة الأثيوبية متنوعة بين شرسين يطالبون بسحق أثيوبيا لتلزم حدودها وتعرف هيّ بتكلم مين، و"طيّوبين حبّوبين" يوصون بمنح مساعدات لأثيوبيا ولعموم الأفارقة لكي نستعيد ريادتنا في أعينهم فيقولوا لنا "آسفين يا مصريين إننا فكرنا نتطاول عليكم مع إنكم أسيادنا، وخير زعمائكم من محمد علي إلى عبد الناصر مغرّقنا".

مع الأسف أغلبنا لا يدرك إلى أي حد تغيرت أفريقيا عن الصورة التي سكنت وجداننا بفضل فيلم (عماشة في الأدغال) وما شابهه، وهو تغيير يمكن أن تعرف بعض ملامحه بقراءة كتاب (نهوض أفريقيا) الصادر عن الدار العربية للعلوم، والذي كنت قد اخترت في عام 2010 أن يكون الكتاب الأول الذي أعرضه في برنامج (عصير الكتب) طيّب الله ثراه، حيث طلبت يومها من الروائي والدبلوماسي عز الدين شكري فشير أن يقرأه ويشاركني في عرضه للمشاهدين، وكان أبرز ما حاولنا إيصاله لكل من يهمه الأمر أن أفريقيا لم تعد ذلك المكان الذي نحسن إليه أو نتعالى عليه؛ بل إنها أصبحت سبيلاً إلى خلاصنا الاقتصادي، لا يصح أن نتأخر عن الاهتمام به لحظة واحدة.. بالطبع لم يفرق ما قلناه ببصلة مع أحد؛ لأن الدولة التي لا تهتم بدراسات يصدرها معهد تنفق عليه من ميزانيتها، لن تهتم قطعًا ببرنامج يتحدث فيه اثنان من المغرضين الحاقدين.

ستسألني: ما هو الحل يا سيدي، هل لديك كلمة حلوة تقولها بعيدًا عن التقطيم فينا وتقليب المواجع علينا؟ سأجيبك ببساطة: حل أزمتنا مع أثيوبيا موجود على حدود (بين السرايات)؛ حيث يقع حرم جامعة القاهرة الذي يضم بداخله معهد الدراسات الأفريقية الذي أنشأناه ونسيناه، تمامًا كما نسينا أفريقيا ظنًّا منا أنها لن تجرؤ أبدًا على تهديد مصالح أسيادها حاملي أكبر عدد من ألقاب كأس الأمم الأفريقية، وأنهم لو فعلوا كما فعل الأثيوبيون فآخرهم معانا "شوية طيارات أو شوية معونات".

أي تحرك لحل أي أزمة لا يقوم على أساس من المعرفة والبحث العلمي والتفكير العقلاني سيودي بنا إلى مزيد من الهزائم التي ندلعها ونسميها نكسات، ومن ليس له خير في بين السرايات لا يصح أن يرتجي الخير من أثيوبيا.

...

نشرت هذه السطور في يونيو 2013، وللأسف لا تزال صالحة للنشر.  

605C8788-2DB9-4AE6-9967-D0C9E0A2AD31
بلال فضل
كاتب وسيناريست من مصر؛ يدوّن الـ"كشكول" في "العربي الجديد"، يقول: في حياة كل منا كشكولٌ ما، به أفكار يظنها عميقة، وشخبطات لا يدرك قيمتها، وهزل في موضع الجد، وقصص يحب أن يشارك الآخرين فيها وأخرى يفضل إخفاءها، ومقولات يتمنى لو كان قد كتبها فيعيد كتابتها بخطه، وكلام عن أفلام، وتناتيش من كتب، ونغابيش في صحف قديمة، وأحلام متجددة قد تنقلب إلى كوابيس. أتمنى أن تجد بعض هذا في (الكشكول) وأن يكون بداية جديدة لي معك.