بين الإبداع والحذلقة

15 ديسمبر 2019
الصورة
+ الخط -
تمنح اللغة العربية أبناءها فرصةً نادرةً للتجديد والابتكار، وقد تتطوّر هذه الإمكانية إلى حالة إبداعية قائمة بذاتها. مثلاً: المعلق الرياضي المندمج تماماً في التعليق على مباراةٍ في كرة القدم لا يعوزه مثل هذا الإبداع اللذيذ؛ إذ كثيراً ما نسمعه وهو يهتف: القائم الأيمن "ينوب" عن الحارس في التصدّي لهذه الكرة المُخَادِعَة، أو لهذه الكرة المُقَوَّسة. هذا يعني أن القائم المصنوع من حديد أو من خشب يقوم بفعل "النيابة" عن الكائن البشري في التصدّي للكرة، والكرة المصنوعة من البلاستيك تكتسب صفة إنسانية هي: المُخَادَعَة، أو صفة مغايرة لطبيعتها الفيزيائية، إذ يراها المعلق مقوسةً بدلاً من كروية، أو زاحفة، وفي بعض الأحيان يتحدّث معلق ما عن شعور إنساني نبيل تمتلكه العارضة الخشبية، فيقول: العارضة "تتعاطف" مع الحارس وترفض هدفاً محققاً!
ولكن هذا النوع من الإبداع قد يتطوّر، في بعض الحالات، إلى "حذلقة"، ويصبح مفعوله سلبياً، ضاراً، مضللاً.. مثلما حصل في ذلك الفصل الجميل من مسرحية "ضيعة تشرين" التي كتبها أديبنا الساخر محمد الماغوط، حيث المختار (نهاد قلعي) يتحدث لجمهوره ومواطنيه عن صمود قواتنا في الحرب التي يعرف الجميع أننا خسرناها، ومَنْع العدو من تحقيق النصر، وفجأة يتقدم أحد أفراد حاشيته منه، ويهمس له بكلام، فيقول: شو هالحكي؟ انتصرنا؟! ويقول للمواطنين: عم يقلي إنه نحن اللي انتصرنا. والله كويس إني انتصرنا. مبروك علينا هذا النصر المؤزر. وكعادة المنافقين والشّبيحة والمحنحبكجية تبدأ الاحتفالات بالنصر.
الفصل المسرحي المذكور يتحدث عن البدايات الأولى لـ الحذلقة اللفظية التي يقترفها إعلام النظام السوري بحق المواطنين، وقد تحوّل مع الأيام إلى فولكلور مسلّ، وأما الآن فالمحلل السياسي الاستراتيجي الذي يعتمده النظام السوري يجلس في استوديو إحدى الفضائيات، ويسرد "عكسَ" ما يجري على أرض الواقع بثقةٍ ترقى إلى مستوى الحديث عن أن الخشب يطفو على وجه الماء، وغيرها من الحقائق العلمية التي يُجمع على صحتها جمهورُ العلماء. مثلاً: يتعرّض موقع إيراني قريب من دمشق لقصف إسرائيلي، يَسمع دَوِيَّهُ ويرى حجم الدمار الذي لحق به كلُّ من هب ودب من أهالي المنطقة. ومع ذلك، يقول المحلل الاستراتيجي إن دفاعاتنا الجوية تصدّت للطائرات المغيرة، ومنعتها من تحقيق أهدافها بدقة، وهكذا يكون النصر قد تحقق.. ولا بد هنا من أن يظهر الكرم الحاتمي للمنتصر، فينصب السرادق، ويقيم الأفراح، وتأتي فرقة العراضة الشامية لتغني: هيّ لِنَا، ضرب السيف طاعْ لِنَا، ويا عريس كتر ملبَّسْ.
لا يوجد على وجه الكرة الأرضية الآن، ولم يوجد على مر العصور أحدٌ يجاري نظام الأسد في أمرين رئيسيين: الإجرام والكذب. ولكن هذا يجب ألا يمنعنا من الإشارة إلى أي خلل أو مرض يظهر فينا نحن المعارضين الثائرين. مثلاً: يرفض القسم الأكبر من المعارضين السوريين مشاركة المرأة في الحياة العامة، رفضاً قاطعاً، ولئن قبلوا (على مضض) بأن تقوم المرأة ببعض النشاطات سرعان ما يحصرونها في نوع محدّد من الأعمال، كالأعمال المنزلية، ونسج الصوف، وشغل المخرز، والتمريض، وهذا يعبر عن الطبيعة الذكورية لمجتمعنا تعبيراً صائباً.. ولكن هؤلاء الإخوة أنفسهم يستبسلون في سبيل إثبات أن المرأة السورية شاركت في الثورة ضد نظام الأسد، لأسبابٍ عديدة، أولها أنهم يريدون أن يُظهروا أنفسهم عصريين، وثانيها أن يثبتوا أن المجتمع كله، رجالاً ونساء، معادٍ للنظام، وثالثها سحب الذرائع من النظام الذي يزعم أن حرية المرأة لديه محفوظة، وهذا جعلهم يتصدّون لكل من يزعم أن المرأة السورية مغيبة، مستخدمين الحذلقة اللغوية ذاتها، كقولهم: كانت ساحات التظاهر "تعجّ" بالنساء.. أو: كانت المرأة "تتصدّر" المشهد الثوري.. ويستمرون في ذلك، حتى ليخال المتابع أن الثورة السورية نسائية انضم إليها بعض الرجال!