بين آيا صوفيا و"الجامع الأعظم" في الجزائر

28 اغسطس 2020
الصورة
+ الخط -

أعاد الإعلان الرسمي في الجزائر عن افتتاح الجامع الأعظم، وهو أكبر مسجد في أفريقيا والثالث على المستوى العالمي بعد المسجدين، الحرام والنبوي، في غرّة الفاتح من نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل، إحياء جدل مشابه، أو نفسه تقريبا، للذي واكب، قبل أسابيع، إعادة الأتراك تحويل آيا صوفيا من متحف إلى مسجد، وإن كانت السياقات التاريخية مختلفة، ذلك أن بناء المسجد الأعظم في الجزائر، في الظروف التي تم فيها، تجاوز مدلولات كونه صرحا حضاريا كبيرا، بإمكانه أن يعيد عملية الإحياء الفكري والديني للمنطقة المغاربية، وربما تجاوزها حتى أدغال أفريقيا، وإنما لأنه كان تحدّيا بالأساس للمنظومة الاستعمارية الصليبية لفرنسا، وفصلا نهائيا لهوية الجزائر المسلمة، التي تشترك مع الأتراك في صناعة تاريخ موحد في مواجهة الحملات الصليبية.

اعتبرت أصوات في الداخل الجزائري بناء الجامع الأعظم تهديدا للثقافة الأمازيغية

ومع ذلك، قد تبدو المقارنة للوهلة الأولى، بين آيا صوفيا في تركيا، بإرثها التاريخي العظيم، والجامع الأعظم في الجزائر، بدلالاته الهوياتية وعظمته المعمارية (يتسع لـ120 ألف مصل)، مقارنة غير منضبطة، غير أن الضجة المفتعلة التي أثارتها قوى ضد قرار إعادة "آيا صوفيا" إلى سابق عهده مسجدا، مشفوعا، هذه المرّة، بأصواتٍ يُفترض أنها عربية مسلمة، بقيادة المؤسستين الدينيتين في مصر والسعودية، تحيلنا مباشرة إلى الضجة المفتعلة ذاتها التي أثيرت في السابق وتثار اليوم مجدّدا في الجزائر، من فرنسا (والكنيسة الكاثوليكية فيها)، بدعم من قوى علمانية محلية منسلخة عن دينها وتاريخها. كما أن تزامن هذا الضجيج في إسطنبول والجزائر بشأن الأبعاد الهوياتية للمعلمين الحضاريين العالميين تستدعي وقفة فاحصة للاعتبار وأخذ الدروس.

كان لافتا أن الرمزية التي سعى إليها الرئيس التركي، أردوغان، من خلال إعادة فتح آيا صوفيا أمام المصلين الجمعة 24 يوليو/ تموز، كانت متعمّدة لتزامن ذلك مع مرور الذكرى الـ97 لمعاهدة لوزان الثانية (1923)، التي كانت بمثابة شهادة الوفاة الرسمية للدولة العثمانية وميلاد الجمهورية التركية بقيادة أتاتورك، بما يحيي الآمال والطموحات في إعادة بعث الخلافة والإمبراطورية العثمانية، بينما اختار الرئيس الجزائري، عبد المجيد تبون، بدقة الأسبوع الماضي (20 أغسطس/ آب)، للقيام بزيارة هي الأولى له لمشاريع منجزة في البلاد منذ توليه الرئاسة، إلى هذا الصرح الحضاري الكبير، لتزامنها مع ثلاث مناسبات دفعة واحدة، الأولى دينية وتتعلق بالسنة الهجرية الجديدة (1442)، واثنتان وطنيتان في غاية الدلالة أيضا، ذكرى الهجوم الشمال القسنطيني (1955)، الذي فكّ حصار الاستعمار على مهد الثورة الجزائرية في منطقة الأوراس، وذكرى مؤتمر الصومام (1956)، الفاصل في تاريخ الثورة الجزائرية، والذي أعاد إحياء الثورة وأعاد تنظيمها وهيكلتها بشكلٍ جعل من المستحيل على المستعمر أن يخمدها.

شكلت المعركة المتشابهة في تركيا والجزائر حالةً من تحدّي الهوية في البلدين، والرغبة في الانبعاث الحضاري

أكثر من ذلك، كانت رمزية زيارة الرئيس الجزائري الجامع الأعظم، مناسبة للإعلان عن تاريخ الافتتاح الرسمي لهذا المعلم الذي طالما انتظره الجزائريون منذ العام 2011، تاريخ الشروع في بنائه، لتكون رمزية الافتتاح أيضا مزدوجة، وطنية مرتبطة بتاريخ الفاتح من نوفمبر/ تشرين الثاني الذي يصادف تاريخ اندلاع أعظم ثورة تحريرية في التاريخ الحديث في الجزائر لطرد المستعمر الغاشم (1 نوفمبر/ تشرين الثاني 1954)، ودينية هي ذكرى المولد النبوي الشريف، قبل أن يشاهده الجزائريون يصلي ركعتي شكر لله داخل المسجد الذي ساهم هو بنفسه عندما كان وزيرا للسكن في بنائه، كما أردوغان يوم فتح آيا صوفيا وهو يتلو القرآن، وعلى رأسه طاقية بيضاء.

من الناحية الرمزية المكانية، الوضع في الجانبين مثير للتأمل، فالمكان الذي بنى فيه الإمبراطور البيزنطي جستيان الأول العام 532 كاتدرائية آيا صوفيا، علاوة على أنه يمثل رمزا للحضارتين البيزنطية والعثمانية، فقد كان المركز الذي أُديرت فيه المعركة مع العثمانيين، قبل أن تتحوّل إلى مسجد عام 1543، ما منح المكان رمزية خاصة، ارتبطت بالفتح في المخيال العثماني التركي، وحتى المخيال الإسلامي عامة. في المقابل، تأخذ رمزية المكان بالنسبة للجامع الأعظم في العاصمة الجزائرية، من كونه بُني على أرض مباركة ابتلعت العام 1541 أسطول الغازي شارلكان، قبل أن تحوّلها فرنسا الاستعمارية، على يد الكاردينال شارل لافيجري، بعد احتلالها إلى أكبر مركز للتبشير وتفريخ "الآباء البيض" في الجزائر وكامل أفريقيا (1892). وتذكر كتب التاريخ أن الكاردينال الفرنسي الذي سميت المنطقة وقتها باسمه وقف مختالا في هذا المكان بالذات، ليلقي بسؤاله الفاجر "أين أنت يا محمد؟".

رمزية المكان نفسها هي التي دفعت جزائر الاستقلال إلى أن تجيب على سؤال الكاردينال لافيجري بتسمية المنطقة وما حولها المحمدية، نسبة إلى الرسول الكريم محمد، وأن تبني في المكان نفسه واحدا من أعظم مساجد الدنيا وأرقاها معمارا وزخرفة، تماما كما ظلت آيا صوفيا أضخم كاتدرائية مسيحية حتى بناء كاتدرائية إشبيلية عام 1520، وواحدة من أبرز المعالم التاريخية في العالم.

 ما يتجاوز الرمزيات المشتركة، بين المعلمين الحضاريين الكبيرين، حجم الكراهية والهجمات التي واكبت هذه العودة إلى الحاضنة الإسلامية

غير أن ما يتجاوز الرمزيات المشتركة، بين المعلمين الحضاريين الكبيرين، هو حجم الكراهية والهجمات التي واكبت هذه العودة إلى الحاضنة الإسلامية. وإذا كان العالم قد تابع الهجمة الشرسة التي تعرّضت لها تركيا وقيادتها السياسية، بعد قرار استعادة آيا صوفيا مسجدا، فإن ما لا يعرفه كثيرون أن فكرة بناء مسجد الجزائر الأعظم بتلك المواصفات العابرة للحدود قد أشعلت ضده حروبا طاحنة، قادتها فرنسا وكنيستها الكاثوليكية، وساندتها في الداخل الجزائري جماعات مرتبطة بشكل وثيق بالمشروع الفكري الاستعماري. وكان لافتا أن الهجوم على قرار تحويل آيا صوفيا مسجدا لم يقتصر على اليونان وفرنسا أو أميركا وفرنسا والغرب، بل تعدّاه إلى دول يفترض أنها عربية مسلمة، ساءها جدا تحويل المتحف مسجدا، في ردة فعل بالغة السوء، سيسجلها التاريخ واحدةً من أحداث عصر الظلام العربي، المتسم بالتحالف مع المسيحية الصهيونية على حساب الإسلام، وهو الأمر الذي تكرّر ضمن نطاقه الطبيعي، مع الجامع الأعظم في الجزائر، عندما حاولت فرنسا عرقلة المشروع قبل تسع سنوات، وشنت ضده حملة إعلامية شرسة، بدأت بوصف صحيفة لوفيغارو الفرنسية الرئيس السابق، عبد العزيز بوتفليقة، الذي أصر على إنجازه بـ"الفرعون". ولم تنته عند الادّعاء في قنواتها الرسمية، بعد وصول الرئيس تبون إلى الحكم، أن المشروع كلف الجزائريين عشرة مليارات دولار من قوت أطفالهم (المشروع تكلف ما بين 1.4 إلى ملياري دولار)، الأمر الذي أدّى بالجزائر إلى استدعاء السفير الفرنسي لديها للاحتجاج.

وطوال سنوات الإنجاز التي عرفت عراقيل ضخمة، عملت فرنسا، بكل ما أوتيت من قوة وتأثير، على إفشال المشروع عبر تحريك أدواتها، وبث الإشاعات المغرضة عبر وسائل الإعلام، بالادعاء مرة إن الجامع هدية ضخمة للأصولية لتفريخ الإرهاب، ومرة بدغدغة عواطف الشعب أنه بحاجة إلى بناء المستشفيات للعلاج، بدلا من تبذير الأموال على بناء مسجد في بلد فيه آلاف المساجد، قبل أن تستقر الحملة مع زمن الحراك على مقولة إن المشروع هو امتداد للمرحلة البوتفليقية التي ثار ضدها الشعب، ما دفع وزير الشؤون الدينية السابق، محمد عيسى، إلى القول إن بعضهم يعتبر امتلاك الجزائر هذا المسجد وكأنها امتلكت القنبلة النووية!

الهجوم على قرار تحويل آيا صوفيا مسجدا لم يقتصر على اليونان وفرنسا أو أميركا وفرنسا والغرب، بل تعدّاه إلى دول يفترض أنها عربية مسلمة

والحال أن المقولات الغربية عن أن تحويل آيا صوفيا مسجدا يشكل تهديدا للحضارة المسيحية، كما عبر عن ذلك البطريريك كيريل رئيس الكنيسة الأرثوذكسية الروسية، وجد صداه في الجزائر، حيث اعتبرت أصوات في الداخل الجزائري بناء الجامع الأعظم تهديدا للثقافة الأمازيغية. وعليه، وجدت الدعوات الشعبية إلى تسمية الجامع باسم الفاتح عقبة بن نافع رفضا قاطعا من دوائر أعلنت، من دون حياء، معاداتها ما أسمته "الغزو الإسلامي للجزائر". وهنا أيضا تتجلى ردة الرئيسين في تركيا والجزائر متناسقةً الى أبعد الحدود، وقد قال أردوغان، بكل وضوح، إن بلاده مارست حقها السيادي مع آيا صوفيا، وسوف تعتبر أي انتقاد لهذه الخطوة تجاوزاً على سيادتها. كما دفعت الرئيس تبون إلى القول إن هناك من "لا يعجبهم أن تكون الجزائر صاحبة منارة أفريقية وعالمية"، وأن هناك من يتوهم أن تكون الجزائر "محمية".

لقد شكلت المعركة المتشابهة في تركيا والجزائر حالةً من تحدّي الهوية في البلدين، والرغبة في الانبعاث الحضاري من بوابة الدين الذي ظل قرونا طويلة حصنا منيعا أمام حملات الإلحاق، كما كان المحرّك الأول وراء بقاء الأمة في الريادة وقيادة العالم. ولهذا السبب، خسرت اليونان اليوم معركتها، ولبست السواد حزنا على فقدانها الأبدي جوهرة التاج البيزنطي، كما خسرت فرنسا معركتها ضد الجزائر المسلمة منذ 1832، وقد انتصبت اليوم في سماء الجزائر (المحمدية) أعلى مئذنة على وجه الكرة الأرضية (265 مترا)، لتحسم نهائيا النقاشات الطويلة والمجهدة حول الهوية ومشروع المجتمع. وعليه، ستبقى آيا صوفيا في تركيا، ومعها الجامع الأعظم في الجزائر، والذي ستهتز الأرض كلها لصوت الأذان وهو ينطلق منه في الفاتح من نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل، على الرغم من كيد الكائدين، يشكلان الرمز المكثف وعبقرية المكان والعمارة وفن الحياة، بمآذن تمتد بالحب والتسامح في السماء إلى أقصى الروح.