بيروقراطية ثقافية تتبنى خطاب محور إقليمي

05 يوليو 2014   |  آخر تحديث: 05:02 (توقيت القدس)
+ الخط -

يجتمع "المكتب الدائم لاتحاد الادباء والكتاب العرب" في غير عاصمة عربية، وينفضّ من غير أن يترك أثراً يُذكر في الحياة الثقافية العربية. ونظراً لما يخرج به من رؤى سياسيةٍ، تجمع بين الفوقية والتبشير بالعموميات، والقفز عن مجمل الحراك الثقافي العربي، وتعيين مواضع العطب والإعاقة فيه، وتحديد حالات التعسف والتنكيل، ومعتمداً لغة الاعلام العربي الرسمي، فإن اجتماعات هذا الاتحاد، وبياناته، تظل تقبع في منطقةٍ معتمةٍ، لا تستثير اهتماماً، ولا تثير صدى يذكر، ومنها الاجتماع الذي عقد، أخيراً، في عمّان، بضيافة قيادة رابطة الكتاب الأردنيين بين 23 و26 يونيو/حزيران 2014.

أصدر الاجتماع المذكور عدة بياناتٍ، منها البيان السياسي وبيان الحريات والبيان الثقافي والبيان الختامي. وتجمع بين هذه البيانات الأربعة رؤية واحدة، تقوم على اختزال معضلات الحياة العربية عامة، بمعضلة واحدة وحيدة، هي موجة "التكفير". ليست هذه الرؤية مبتسرة فقط، إذ يتعمد أصحابها إغماض الأعين عن معضلاتٍ فادحة أخرى، بل هي (هذه الرؤية) تكرر كلاماً قديماً قيل، على الأقل منذ 13 عاماً، مع انكشاف خطر القاعدة في التفجيرات الأميركية. أجل المشكلة مستمرة، وتستحق الالتفات إليها، غير أن مياهاً عكرة أخرى مرت تحت الجسر، مصبوغة بدماء عشرات آلاف من البشر، رداً على موجة الربيع العربي التي يقفز عنها البيانان، السياسي والختامي، كما يقفزان على حق الشعوب في تقرير مصيرها الداخلي، مشددين، بدلاً من ذلك، في غير موضع، على دعم الجيوش (ليس على الحدود ضد مخاطر خارجية!)، وما يسمى الدولة الوطنية، مع تكرار الحديث عن رفض التدخل الأجنبي.


لا يحتاج المرء إلى بصيرةٍ ثاقبةٍ، لكي يلاحظ أن البيانين، السياسي والختامي، تحكمهما رؤية نظامي دمشق وطهران، مع محاولة لاستدراج مصر للوقوع في شباك هذه الرؤية، بمغازلة التطورات التي وقعت فيها.

 خطر التكفير هو محور الخطاب السياسي والدعائي للنظامين المذكورين، والتكفير، في هذه الحالة، يقترن بمنظمات الإسلام السياسي السني. أما الاسلام السياسي الذي أطلقته الجمهورية الإسلامية الإيرانية، واقترن بتصديرٍ مذهبي وطائفي للثورة، ثم الاستعاضة عن التصدير الثوري بإنشاء شبكاتٍ من الميليشيات والجماعات المحلية المسلحة التي تدين بالولاء لطهران، فهذه المجموعات تقع خارج مسمى الإسلام السياسي التكفيري، وهي مناراتٌ تنويريةُ، وتعطف على المكونات الاجتماعية الأخرى، وخصوصاً الشركاء في الدين الواحد!

التركيز على التكفيريين وحدهم ذخيرة إعلامية وهدية ثمينة يسبغها "المكتب الدائم" على حلفٍ سياسيٍّ بعينه في المنطقة، ورسالة سياسية شديدة الوضوح، فالاجتياح الإيراني للمنطقة في سورية والعراق ولبنان واليمن (الحوثيون) مُرحّب به من لدن المكتب الدائم. وفيما يكرر البيانان السياسي والختامي رفض التدخل الأجنبي، فإن التدخل الايراني هو، في عُرف المكتب الدائم، عائلي وليس أجنبياً.

ومن واجب الأدباء والمثقفين العرب إلغاء وجودهم، وإنكار الكيانات العربية مجتمعةً وفرادى، من أجل اجتياح إيراني سلس، لا يعترضه معترض، وذلك كله نكاية بأميركا والعدو الصهيوني، فأفضل وسيلةٍ للرد على أميركا والصهيونية تمكين الجمهورية الإسلامية، وحرسها الثوري وميليشياتها الجرّارة المذهبية الطائفية التكفيرية، مستعينةً بمليارات نفطها وغازها، لكي تخترق النسيج الوطني والاجتماعي والسياسي، وتطعن السيادة الوطنية في الصميم وتقوض الكيانات القائمة.

وهو ما يثلج صدور "تنويريين" عرب، ممثلين بالمكتب الدائم والجهة المضيفة. ولتكريس هذه الرؤية الاستتباعية، ينجح المكتب الدائم في إغماض الأعين عن الأهوال التي ارتكبها النظام في دمشق ضد شعبه على مدى ثلاث سنوات ونيف، في مواجهة انتفاضةٍ سلمية، وتغدو ظاهرة مثل قذف أربعة ملايين سوري خارج حدود وطنهم، والتسبب بتهجير مثل هذا العدد، أو يزيد، إلى المنافي، وتدمير منهجي لحواضر عربية إسلامية، مثل حماه وحلب وحمص، تغدو هذه  أحداثاً تافهة وعرضية، لا تستحق الوقوف عندها، لدى تنويريين، لا يجدون سنداً مرجعياً لتنويرهم سوى النازية الاستئصالية التي تعيد هندسة الوطن والشعب بالحديد والنار والمجازر اليومية والاصطفاء العرقي والطائفي.

 وبينما يرطن البيانان، السياسي والختامي، بدعايةٍ سوريةٍ إيرانية مكشوفة، فقد عمد نفر من المثقفين العرب الأحرار، في الأثناء، (260 مثقفاً من سورية ولبنان والعراق) إلى إصدار بيان دانوا فيه، بصورةٍ قاطعةٍ، ظاهرة داعش، وما تحمله من رسالة ظلامية، ومن تهديد سافر للمجتمعات والأوطان. وبخلاف المكتب الدائم الذي يرى الأمور بعين واحدةٍ منحازة، لم يستثن البيان الميليشيات الطائفية التكفيرية، ذات الولاء الإيراني من نقدهم الذي يلحظ تجريف المجتمعات والأوطان العربية، بما ييسر ظهور التطرف بسائر أشكاله وتمظهراته. وهذا هو الفرق بين أدباء بيروقراط، يديرون ظهورهم لكفاح شعوبهم، وللمحنة الرهيبة التي تواجهها الشعوب، وأدباء ومثقفين مستقلين، يشهدون على مظاهر الانحطاط، ويحددونها كما هي، ويدعونه لمواجهتها بغير انتقاءٍ، يؤدي إلى تغليب تكفير على آخر من قماشته.

أما الثناء المفاجئ في البيانين، السياسي والختامي، على الجيوش العربية، فهو يجمع بين البديهيات لجهة الاحترام والتوقير الواجبين لهذه المؤسسة، والتوظيف السياسي المكشوف لهذا الثناء من أجل تبرئة نظامٍ، كنظام دمشق، في زجّه الجيش بحرب بمختلف الأسلحة الثقيلة ضد انتفاضة الشعب، أو الموافقة على أن تلعب الجيوش (قيادتها بالأحرى) دوراً سياسياً سافراً.

وكان المرء يتمنى لو أن هناك مواجهة مع العدو الصهيوني تتم، في هذه الآونة، كي يصبح ذكر مسألة الجيوش مبرراً في البيان، ومثلُ ذلك الحديث عن الدولة الوطنية غير المعرّفة، فهي، كما ينبئ سياق البيان، لا تعدو أن تكون نظم الاستبداد والفساد، فإذا ما أريد إصلاح نظام إصلاحاً عميقاً وسلمياً، فإن التنويريين يهبّون من رقادهم، ويرون في ذلك مساساً بدولهم الوطنية!

البيان، يشقيه السياسي والختامي، هو مرافعة ضد الربيع العربي وتداعياته، تتقيد برؤية محورٍ إقليمي، وتردد مضمون هذه الرؤية، والهدف تمكين هذا المحور من السيطرة على المنطقة، تحت شعار مكافحة التكفيريين، وهي مكافحةٌ، تبدأ بالاشتباك الطائفي (لا الوطني أو المدني) مع هؤلاء، لتمتد إلى طائفتهم وبيئتهم الاجتماعية، ثم إلى النسيج الوطني بأسره، لتنال، أخيراً، من الوجود العربي والهوية القومية، وما يحدث في سورية والعراق ولبنان واليمن أوضح شاهد لكل من له عينان.