بيروت .. وجع الأكثرية الصامتة

بيروت .. وجع الأكثرية الصامتة

29 اغسطس 2020
الصورة
+ الخط -

منذ 4 أغسطس/ آب الحالي، تاريخ انفجار مرفأ بيروت، لم تقم المنظومة السياسية في لبنان سوى بأمر واحد: تفادي الحديث عن الانفجار بحدّ ذاته، وإضاعة التحقيقات في شأنه، بحجة أن الوقت كفيل بطمس المسألة. قوموا فقط بجردة حساب بسيطة منذ ذلك اليوم، لن تجدوا سوى حديثٍ عن "حربٍ إسرائيلية" و"الحياد الناشط" و"كتاب التاريخ" و"تشكيل الحكومة" و"حقوق الطوائف" و"مسلمين ومسيحيين" وخطابات ومؤتمرات صحافية تدّعي المظلومية، فضلاً عن حملاتٍ لجيوشٍ إلكترونيةٍ تُسهم في تأجيج الجدالات بشأن كل ملفٍ بصورة مذهبية، مروراً بالمشكلات الأمنية المتفرقة وإسباغ الأبعاد الطائفية عليها، وصولاً إلى تأكيد عجزها عن تأمين الحل للأوضاع المالية والاقتصادية، تحديداً غلاء الأسعار واحتمال فقدان دعم القمح والأدوية والوقود. هذا كله من دون أن تعرب هذه المنظومة عن نيتها الاستقالة حتى.

يُمكن فهم سلوك هؤلاء أنه "طبيعة بشرية"، تتمحور حول رفض التنازل لجيل جديد أو لأطراف أخرى، وأن "خلودهم" حتمي وفقاً لها. جنون العظمة في لبنان ترونه في كل ابتسامة ساخرة لكل من يدلي برأيه في مقابلة صحافية أو خطاب موجّه. وفي سياق هذا المفهوم، تتكثف المساعي إلى طيّ صفحة انفجار المرفأ، وكأن أكثر من مائتي ضحية وستة آلاف جريح، ليسوا سوى أرقام فقط من دون أسماء ولا محبّين. في المقابل، الأكثرية الصامتة التي لا تستهويها الشهرة ولا حبّ الظهور ولا التقاط الصور، الأكثرية الجائعة والعطشى، والعاطلة عن العمل، والساعية إلى الهجرة، والخائفة من الغد، والقلقة بشأن اضطرارها إلى دخول المستشفى، والتائهة في القرارات اليومية، وحدها المتروكة أمام عين الإعصار، في ظلّ الاستغلال الكثيف لمنظمات وأشخاص مصائب الناس للصعود إلى السلطة على ظهورهم.

وسط هذا كله، يبقى الحديث عن انفجار المرفأ ضبابياً. أوقفت السلطة صغار الموظفين فحسب، ربما قد يكون هؤلاء موعودين بإطلاق سراحهم في وقتٍ لاحق، ففي الأدبيات اللبنانية، يقوم موظف في قطاع عام بطلبٍ من وصيّه السياسي بتسليم نفسه لفترة، ريثما تهدأ الأمور، ثم يُطلق سراحه. وفي الغضون، يتم افتعال ضجيجٍ ما بغية التغطية على عملية إطلاق السراح هذه. وإذا كان صغار الموظفين يؤدّون دور "الجنود" في هذه المسائل، مع توقعهم إطلاق سراحهم، فكيف سيُمكن توقيف وزير أو نائب أو رئيس أو مسؤول أو أن يستقيل أيٌّ منهم؟ لن يستقيل أيٌّ منهم. هذا مفروغ منه.

ثم، كيف يمكن تقبّل فكرة أن رئيساً أو مسؤولاً يطلب مساعدة دول خارجية، بصورة فيها من الإهانة ما لا يمكن أن يتحمّله أي إنسان عاقل؟ كيف يحقّ لنا طلب المساعدات من الخارج، فيما لم نحاسب فرداً واحداً على سرقة المال العام وهدره، ناهيك عن تهريب الأموال إلى جنات ضريبية؟ كيف يُمكن لإنسانٍ، بكامل اتزانه، ذرف الدموع أمام أصغر مسؤول عربي وإقليمي ودولي لشحذ الأموال، فيما لم يقم بواجبه في محاسبة المصارف التي سطت على ودائع الناس؟ 

أمام مثل هذه الحالات، لا تفكّر مرتين، بل ثق بأن لبنان بالصورة الحالية مناسب لتلك المنظومة، وعبارة "لم يدعوني أعمل" ليست سوى غطاء لهم جميعاً. حقيقة وجودنا بين هؤلاء تعني، وفق الأساطير، أننا قمنا بأفعال خاطئة في حيواتنا السابقة، ما استُلزم معاقبتنا بالعيش على أرضٍ واحدة مع أسوأ نسخ الذهنية السلبية في لبنان. الأسوأ أن معادلة "فقير مقابل فقير" تحت عناوين مذهبية وسياسية وتاريخية وغيرها من الملفات الجدلية، ناجحة لسببٍ واحد، هو اندفاع عديدين ممن يعتبرون أنفسهم من "المثقفين" في هذه الجدالات، على قاعدة أن "لا خيار ثالثاً" في أي ملف. إنها الخطيئة بحقّهم أولاً، وبحق الناس ثانياً، وحاجزٌ أمام أي فكرة تنويرية مستقبلاً.