بيروت... مشكلتها ومشكلتهم معها!

13 اغسطس 2020
الصورة

لبيروت في الوجدان العربي العام جاذبية جمالية وقومية وثقافية وفنية كبيرة، وهي جاذبيةٌ قديمة ومتجدّدة، يسهل رصد ملامحها لدى كل الأجيال العربية المعاصرة. ولذلك يشعر كل العرب أن بيروت بيروتهم، ومدينتهم التي لن يكونوا غرباء فيها إن قدّر لهم أن يتخذوا منها مقاما قصيرا أو طويلا. وأنهم، على اختلافاتهم الكثيرة، يجمعون على حبها ويجتمعون في قلبها. وتلك هي المشكلة كما يبدو.. مشكلتها ومشكلتهم معها!

نعم .. هناك مدن عربية أخرى، قليلة، ربما تنافس بيروت في تلك الجاذبية القومية العامة واللافتة، كالقاهرة. ولكن يبقى لبيروت ذلك السحر الذي يتبدّى حتى لمن لم يعرفها عن قرب، ولم يزرها أبدا، مثلي! فهي المدينة التي تسكن القصائد والروايات واللوحات والأغاني وقلوب الشعراء والكتاب، لأنها الحلم بالنسبة إليهم، ماضيا وحاضرا ودائما. تغنّوا بها وكتبوا عنها. مدحوها وهجوها أيضا. وحتى من لم يكتب عنها منهم لا بد أنه حجز، ولو على سبيل الافتراض، مساحتها في نص يسكن الحلم. والأحلام في جداول المبدعين محققة، حتى لو لم يتح لهم تدوينها بالكلمات. ولهذا، أي مساسٍ بجانب بيروت هو مساسٌ بشغاف القلوب كلها، فلا يلومنا في انحيازنا إليها أحد، ذلك أن الأحد هذا يشاركنا، حتما في الانحياز النابع من المحبة كلها، فهي عاصمة المتفقين والمختلفين، وهي مدينة الحب، على الرغم من الكراهية التي يتعامل فيها من أحبّها مع المحبين الآخرين لها.

عن بيروت.. للجميع أن يكتبوا بكل اللغات التي يجيدونها، وحتى التي لا يجيدونها، فهي تسامحهم على أخطائهم، ولعل هذا ما شجّعهم على المضي في الأخطاء على أنواعها. ولا تهم المعايير في كتابةٍ عن مدينة خارجة دائما من بوتقة المعايير. ولا يهم فيها وعنها، ولها من يكتب ومن يقرأ ومن يقول. من يمدح ومن يهجو، ومن يحقق ومن يرصد ومن يحاول أن يصل. والمحاولة هنا هي النهاية المحتملة والمتوقعة، فلا وصول نهائي بشأن بيروت وعنها.

في الانفجار الذي فتت قلب خيمة العرب الأخيرة، عصر الرابع من أغسطس/ آب الحالي، ككل الانفجارات التي سبقته وحاولت تفتيت ذلك القلب المرهق، توزّعت الشظايا بالعدل على محبيها في القرب والبعد، وتناثرت البقايا وفتافيت الحياة على طول الخريطة العربية وعرضها، لتذكّرنا مجدّداً بمعنى بيروت في الوجدان العربي الموحد. 

جاء انفجار المستودع رقم 12 في المرفأ، والذي لم تنته التحقيقات بشأن أسبابه على نحو دقيق، ليعلن أن هذه المدينة هي المستودع الحقيقي لأحلام الخاسرين والمنتصرين في معركة الحياة بنسختها العربية، فبيروت التي عانت من الحروب الأهلية عقودا، ومن حروب الآخرين على أراضيها، ودفعت ثمن حماقات السياسيين من راحتها واقتصادها ولمعانها وحياتها ظلت دائما محتفظة بقوة روحها وجمال واقعها ورباطة جأشها تجاه ما يحدث لها من الداخل ومن الخارج، واستطاعت أن تعبر كل المضائق التي وضعت أمامها، وتخرج من كل الشراك التي وضعت فوقها، لكن محنتها بقيت مستمرة، فالأشرار قادرون دائما على تغيير جلودهم وتبديل أقنعتهم للعب أدوارهم القديمة بمهارات جديدة، في سبيل قتل مدينتهم الأثيرة، والطيبون عاجزون غالباً عن المقاومة إلا بمقدار ما يسمح به النظام العالمي للرداءة والقبح. 

تمنياتنا لبيروت بالسلام والأمان، والانتصار على كل المتربصين بها من الأعدقاء. أما الأعداء، فهم واضحون معلنون.. حتى ليكاد يختفي أثر ما يضمرون لها من شر. تحت ضوء شمسها العالية. ذلك قدرها، وقدرهم أيضا.