بيدرو والنقيب (4)

12 سبتمبر 2015
الصورة
مشهد من أحد عروض المسرحية (تصوير: دانييل غارّيدو)

[الفصل الرابع والأخير]


خشبة المسرح ذاتها.

بيدرو ملقى على الأرض أو على الأقل جسم بيدرو. والذي لا يتحرك وعلى رأسه قلنسوة. بعد فترة، بدأ يُسمع أنين خافت. يدخل النقيب لا يرتدي قميصاً ولا ربطة عنق، عرقان جدّاً وشعره متشعث.

النقيب: آه!  لقد أحضروك قبل الأوان. (يلمس الجسم بإحدى رجليه) بيدرو. (الجسم لا يعطي إشارات على استمراره على قيد الحياة) هيا يا بيدرو علينا العمل. (يذهب صوب المغسلة، يبلل الفوطة ويعصرها قليلاً. يقترب من الجسم الممدود على الأرض. ينحني عليه وينزع عن رأسه القلنسوة ويبقى بديهياً متأثراً إزاء الوضع الكارثي الذي بقي عليه وجه بيدرو. يتمالك نفسه، مع ذلك ويبدأ بتنظيف جروح وجهه بالفوطة المبللة قليلاً. يبدأ بيدرو بالحركة ببطء) بيدرو. 

بيدرو: آه؟ (يفتح عيناً واحدة، لكن الظاهر أنه لم يتعرف على النقيب)

النقيب: ما الذي جرى؟ أتشعر بتحسن؟

بيدرو: آه؟

النقيب: أتعرفت علي يا بيدرو؟

بيدرو: (متلعثماً) للأ... سف... نعم.

يساعد النقيب بيدرو على الجلوس على الكرسي، لكن المعتقل لا يستطيع البقاء ثابتاً. هذه المرة نعم حطّموه. يزيل النقيب حزام سرواله ويربط به بيدرو مع ظهر الكرسي لكي لا يسقط على الأرض.

سيبدأ بيدرو بالانتعاش تدريجياً. لكن ظاهرياً يبدو منتهياً. على أي حال، دائماً سيكون هناك تناقض بين الحيوية النسبية التي ما زال يظهرها وجهه، ومظهر جسمه المنهك.

بيدرو: إذن أنت هو النقيب؟

النقيب: طبعاً، كيف ضربوك هذه المرة! لقد هشموا عظامك، يا لها من وحشية يا بيدرو!

بيدرو: الحمد لله... أنني... كنت ميتاً ساعتها.

النقيب: ألا يبدو لك أن الوقت قد حان للتنازل قليلاً؟ لقد تصرفت كبطل. من ذا الذي سيكون عديم الإنسانية إلى هذا الحد ليعاتبك على الكلام الآن؟

بيدرو: (لا يجيب وبعد فترة صمت) أيها النقيب، أيها النقيب.

النقيب: ماذا؟

بيدرو: أنت لا تتحدث إطلاقاً مع نفسك على انفراد؟

النقيب: ربما، أحياناً.

بيدرو: أنا نعم أتحدث مع نفسي على انفراد.

النقيب: وما دخل هذا؟

بيدرو: أنا أتحدث مع نفسي لأنني منذ ثلاثة أشهر وأنا معزول عن العالم الخارجي.

النقيب: كيف؟ تحدث معي.

بيدرو: هذا ليس حديثاً.

النقيب: وما هو إذن؟

بيدرو: هذا خراء. (فترة صمت) أنا أتكلم مع نفسي لأنني أخاف أن أنسى كيف يتكلم الناس.

النقيب: لكن تحدث معي.

بيدرو: أنا لا أقصد الحديث مع العدو. أقصد الحديث مع زميل أو مع أخ.

النقيب: آه.

بيدرو: أيها النقيب، أيها النقيب.

النقيب: ماذا هناك الآن؟

بيدرو: ألا تشعر أحياناً أنك تطير في الهواء؟

النقيب: بصراحة، لا.

بيدرو: طبعاً. فأنت لست ميتاً.

النقيب: ولا أنت، ولو أنك تقوم باستحقاقات جديرة بالذكر لتكون كذلك.

بيدرو: لكن أنا أحياناً أسبح في الهواء وهو أمر جميل. وساعتها أذهب إلى غاية الشاطئ.

النقيب: أنت لا تذهب إطلاقاً. لا إلى الشاطئ ولا إلى أي مكان. أنت مدفون هنا.

بيدرو: نعم هو كذلك، هو كذلك. أنا مدفون طبعاً. لأنني ميت. لكنني عندما أسبح، أذهب إلى غاية الشاطئ. من الواضح أنني لا أذهب كل يوم، ففي بعض الأحيان يكون مزاجي سيئاً. أمس كان مزاجي جيداً وذهبت. منذ سنوات عندما كنت أذهب إلى الشاطئ ليس سباحة، وإنما مشياً على الأقدام، كنت أرى دائماً أزواجاً من العشاق، لكن الآن لم تعد موجودة. الآن إنها تتصارع معكم. الآن الشباب موقوفون أو مختبئون أو في المنفى. (لحظة صمت طويلة) ما اسم زوجتك أيها النقيب؟

النقيب: (مهمهماً) وأنت ما دخلك بهذا؟

بيدرو: أترى؟ لقد منحتك فرصة لكي تقوله لي بأدب، لكنني أعرف أنها تدعى إنيس.

النقيب: (مندهشاً) وأنت من أين عرفت هذا؟

بيدرو: لقد قلت لك من قبل إنني أعرف عنك أكثر مما تعرف أنت عني. اسمها إنيس. لكن لا تقلق. أنا أعرف أيضاً أن ليس لها اسم لقب. إلا أنك تناديها بيبا. لكنه ليس اسماً سرياً. يا للحظ، أليس كذلك؟ في هذه الأيام ليس من الجيد أن تملك اسماً سرياً.

النقيب: إلى أين تريد الوصول؟

بيدرو: إلى موتي أيها النقيب، إلى موتي.

النقيب: ماذا ستربح من عدم الكلام؟ أن يهشموا عظامك؟

بيدرو: أو أن يكفوا عن تهشيم عظامي.

النقيب: لا تتوهم. لن يتركوك.

بيدرو: إن مت سيتركونني وسأموت.

النقيب: لكن الموت بهذه الطريقة طويل.

بيدرو: ليس كثيراً، إن المرء ساعد، إن المرء تعاون.

النقيب: (على عجل متوهماً) أأنت على استعداد للتعاون؟

بيدرو: (ينطق ببطء) أنا مستعد  للتعاون في مسألة موتي. (فترة صمت) وأنا مستعد أيضاً للمساعدة على أن تحبك إنيس.

النقيب: لا تقلق بهذا الشأن إنها تحبني.

بيدرو: نعم إلى غاية اليوم. لأنها لا تعرف على ماذا يقوم عملك بالضبط.

النقيب: ربما تتصوره.

بيدرو: لا، هي لا تتصوره. لأنها إن كانت تصورته من قبل، فإنها كانت لتتركك. هي ليست سيئة.

النقيب: (كأنه إنسان آلي) هي ليست سيئة.

بيدرو: وأريد أيضاً أن أساعدك على أن لا يكرهك ولداك الذكر والبنت.

النقيب: ولداي لا يكرهاني.

بيدرو: ليس بعد بطبيعة الحال. لكن سيكرهانك مستقبلاً. ألا يذهبان إلى المدرسة؟

النقيب: يذهب الولد فقط.

بيدرو: لكن البنت ستذهب في ما بعد. وسيخبر الزملاء والزميلات الولد والبنت عن من تكون أنت. في أول مشاجرة ستقع، سيعلمان. هذا منطقي. ومنذ هذا الكشف سيبدأان بكرهك. ولن يغفرا لك أبداً. لن تسترجعهما قط. لن تعلم قط إن... (لا يستطيع الاستمرار في الكلام، يغمى عليه)

في البدء النقيب لا يقترب منه. ينظر إليه دون أن ينظر إليه. يستغرق في تفكير عميق. وبعد ذلك، يتوجه صوب المغسلة، يملأ كأساً من الماء، ويواجه بيدرو، ثم يسكب على وجهه الماء. شيئاً فشيئاً، يستعيد بيدرو الشعور.

النقيب: لا تتوهّم. أنت لم تمت بعد. نحن ما زلنا هنا وجهاً لوجه.

بيدرو: (وهو يستفيق) آه، نعم نتحدث عن إنيس والولدان.

النقيب: كفّ عن هذا!

بيدرو: أيها النقيب، لماذا لا تقتلني؟

النقيب: أنت مجنون! وتريد أن تجنني!

بيدرو: لماذا لا تقتلني أيها النقيب؟ أعدك أنه سيكون دفاعاً عن النفس. إضافة إلى أنني أردت الهرب. قانون الهروب، أتتذكّر؟ الشجاعة أيها النقيب لديك فرصة مواتية للقيام بخير أعمال كل يوم.

النقيب: يا لك من ثرثار اليوم.

بيدرو: أنا أثأر قليلًا بعد أيام طويلة من الصمت. إضافة إلى أنك المحاور المثالي.

النقيب: أنا؟

بيدرو: نعم لأن ضميرك يؤنبك. إنه لجدّ محفّز معرفة أن العدو يعاني من تأنيب الضمير. لأن كل ما قلته سابقاً عن أنك لم تولد جلاداً كل هذا أكذوبة. أنت عملت "كسيئ" لمدة طويلة في ماضٍ غير بعيد. نحن نعرفك أيها النقيب. بمعنى عليكم أن تستخدموا قلنسوات أغلظ. دائماً ما يكون هناك شخص يرى الشخص الآخر. وأنا على سبيل المثال، لا أقف عند حد معرفة اسم زوجتك، أنا أيضاً أعرف اسمك أنت وحتى لقبك.

النقيب: أنت مجنون. أنا لا لقب لي!

بيدرو: نعم لديك. ما يحدث هو أن لقبك ليس اسماً، وإنما هو رتبة. لقبك هو رتبة النقيب. وأنت عقيد، أنت عقيد يا نقيب. إذن عندنا خياران: إما أن نتوجه إلى بعضنا بعضاً برومولو ونقيب، أو أن نتوجه لبعضنا بعقيد وبيدرو. ما رأيك أيها النقيب؟ هيا يا عقيد؟  

النقيب: (وهو ينم عن إحساسه بالأذى) أتعرف شيئاً. أنت أكثر قسوة مني.

بيدرو: لماذا؟ لأنني أطبق عليك المعاملة نفسها؟ هذا ليس شيئاً ذا شأن. إضافة إلى أنك ما زلت تحتفظ بالسلطة وآلة التعذيب المنخس وبرميل ماء الخراء وتقنية التعذيب بالانتظار الطويل. أنا ليس عندي شيء من هذا، وإنما رفض الكلام فقط.

النقيب: وهل يبدو لك كل هذا هيناً؟

بيدرو: لا، لا يبدو لي هيناً. لكن مع إنكاري الكلام...

النقيب: ... المتعصب...

بيدرو: هذا هو. مع إنكاري المتعصب للكلام، أختفي وأترك لك الميدان فارغاً. أو أفضل القول أترك لك المقبرة فارغة.

يبدو النقيب كما لو أنه مهزوم وبيدرو أيضا غلبه تعب شديد. في الأخير، يرفع النقيب ناظره ويتكلم كما لو أنه غير هيئته.

النقيب: لا يا بيدرو أنت لست قاسياً. أنا أطلب منك السماح. وبما أنك لست قاسياً ستتفهم. أنت قلت إنك تريد أن أنقد حب زوجتي وطفلَي.

دون أن يعير أدنى انتباه لما يقوله النقيب، يبدأ بيدرو بالكلام، ويقوم بذلك دون أدنى شعور بما يحيط به.

بيدرو: أصحيح أنك لم تتكلم على انفراد مع نفسك قط أيها النقيب؟ أنا هنا الآن معك لكن على كل حال، سأتكلم مع نفسي على انفراد. وبالمناسبة، ستتعلم كيف يتحدث الناس في مثل هذه الظروف. سجل نقطاً أيها النقيب. فهذا اختبار عن الكيفية التي يتحدث بها الناس وهم على انفراد. (فترة صمت) انظري يا أورورا...

النقيب: ... الملقبة بياتريث...

بيدرو: (كما لو أنه لم يسمع تعليق النقيب) انظري يا أورورا أنا محطم، وأعرف أنك كنت أينما كنت أنت أيضاً محطمة. لكنني ميت وأنت بالمقابل ما زلت على قيد الحياة. أنا أتحمل كل شيء، كل شيء، كل شيء عدا شيء واحد: هو ألا أكون ممسكاً بيدك. هذا أكثر شيء أشتاق إليه: يدك الناعمة والطويلة، وأصابعك الناعمة والحساسة. أظن أنه الشيء الوحيد الذي يربطني بالحياة إلى غاية الآن. إن منحوني تحقيق أمنية واحدة قبل رحيلي الكلي فسأطلب هذا: أن أمسك بيدك خلال ثلاث أو خمس أو ثماني دقائق. نقضي وقتاً ممتعاً يا أورورا...

النقيب: (بصوت متحشرج)... الملقبة بياتريث...

بيدرو: ... أنا وأنت. أنا وأنت نعرف ما تعنيه الثقة بالآخر. لهذا وددت لو أمسكت بيدك: لأنها ستكون الطريقة الوحيدة لأقول لك إنني أثق بك، ستكون الطريقة الوحيدة لمعرفة أنك تثقين بي. وأن نعود بالذاكرة إلى ثقتنا المتبادلة في السابق أيضاً.

أتتذكرين ذاك المساء من شهر مارس منذ أربع سنوات في الشاطئ القريب من بيت والديك؟ أتتذكرين أننا قضينا قرابة الساعتين مطروحين على الرمال من دون أن ننبس ببنت شفة ننظر إلى درب التبانة كالذي ينظر إلى سقف داخلي لبيت؟ أتذكر أنه سرعان ما بدأت أحرك يدي فوق الرمال باتجاهك دون أن أنظر إليك، وبسرعة أدركت أن يدك كانت قادمة نحوي وفي منتصف الطريق التقتا. لاحظي أن هذه الذكرى هي أكثر ما أتذكر. أيضاً جسدك وبشرتك وأيضاً فمك. كيف لي ألا أتذكر كل هذا؟ لكن ذاك المساء في الشاطئ هي أكثر صورة أتذكر. أورورا...

النقيب: (وهو ينتحب)... الملقبة ببياتريث...

بيدرو: ... أخبري أندريس شيئاً فشيئاً بهذا. لا تجرحيه بفظاظة بالخبر. هذا يطبع أي طفولة. اشرحي له الأمر رويداً رويداً ومن الأول. فقط عندما تكونين متأكدة من أنه فهم فصلًا، عندئذ فقط ابدأي بحكي للآخر. تماماً كما تفعلين عندما تحكين له القصص. تدريجياً دون أن تجرحي مشاعره. اجعليه يفهم أن هذا لم يكن تمزقاً عاطفياً ولا شعوراً داخلياً ولا مشاجرة فجائية، وإنما قراراً ناضجاً وسيرورة.

اشرحي له الأمر جيداً بكلمات لينة ومضبوطة من بين التي تشكل أفضل أسلوبك. قولي له إنه ليس مضطراً إلى تقبل الأمر كله، لكن يجب عليه فهمه. أعرف أن تركه الآن بلا أب هي بمثابة عنف أقترفه بحقه، أو على الأقل هذا ما يمكن أن يحس به. لا أعرف إن كان سيحدث اليوم ولكن ربما في يومٍ ما، أو في ليلة سيعاني فيها من الأرق. أنا أثق في قدرتك الفذة على الإقناع؛ لكي تقنعيه أن بموتي أنا لا أمارس بحقه أي عنف، وإنما على طريقتي الخاصة أحاول خلاصه.

كان بإمكاني أن أحافظ على حياتي إن وشيت، وأنا لم أش. لكنني إذا كنت وشيت، ساعتها فعلاً كنت سأحطمه. اليوم ربما كان سيشعر بالفرح لعودة أبيه إلى البيت، لكن بعد تسع أو عشر سنوات سيضرب رأسه في الحائط. قولي له عندما يكون بإمكانه استيعاب ذلك، إنني أحبه كثيراً وإن رسالتي الوحيدة له هو ألا يخون. ستقولين له هذا؟ قومي بأداء المشهد عدة مرات من قبل، بهذه الطريقة لن تجهشي بالبكاء عندما تحكين له. لأنك إن بكيت سيفقد كل ما تقولينه القوة. أنت متفقة معي أليس كذلك؟ ذات مرة أنا وأنت تحدثنا عن هذه الأشياء حينما كان النصر يبدو محتملاً وقريباً. الآن ما زال محتملاً لكنه ابتعد. لن أكون حاضراً ساعة النصر وهذه خسارة. أما أنت وأندريس؛ فنعم، ستكونان حاضرين، وهذا من حسن الحظ. الآن أعطني يدك. وداعاً يا أورورا...

النقيب: (وهو يبكي بهستيرية) ولقبها بياتريث!

يحل الصمت لمدة طويلة.

بقي بيدرو بعد المجهود الذي قام به مكسور النفس، ربما فقد من جديد الشعور. يميل جسمه إلى جهة، لم يسقط فقط لأن حزام السروال يربطه بالكرسي.

من جهته، النقيب أيضاً، شبيه بالميت لكن تردي وضعه له بطبيعة الحال إشارة أخرى، وهذا يجب أن يظهر للعيان. رأسه بين يديه، وبين الفينة والأخرى يسمع أنينه. بعدها، شيئا فشيئاً، سيبدأ بإصلاح وضعيته، ورغم أن بيدرو يبدو ظاهرياً فاقداً للوعي، يبدأ بالتكلم معه.

النقيب: بيدرو أنت ميت وأنا أيضاً. تتعدد أسباب موتنا طبعاً. جاء موتي بالحيلة، بالكمين. سقطت في المكيدة ولم يعد ممكناً العودة إلى الوراء. لقد وقعت في الفخ. إذا كنت قلت لك سابقاً بأنني لا أستطيع التخلي عن هذا العمل، أنت كنت ستقول لي هذا طبيعي لأنه سيكون بمثابة التخلي عن أسباب الراحة والسيارتين، إلخ. والأمر ليس هكذا. كل هذا سأتركه دون الإحساس بالندم. وإذا لم أتركه فاعلم بأنه بسبب الخوف. فهم يستطيعون أن يفعلوا بي ما يفعلونه، ما نفعله بك. وساعتها ستقول لي بالتأكيد "حسناً، ها أنت ترى بأم عينك يمكنك التحمل".

أنت نعم تستطيع التحمل؛ لأن لك ما تؤمن وما تتشبث به. أما أنا فلا. لكن ضمن عدم إمكانيتي من خلاصي يبقى لي حل وسط. أنا أعرف أن إنيس والولدين يمكنهم أن يصلوا إلى كرهي في يوم ما إذا علموا بكل ترف تفاصيل ما قمت به وما أقوم به. لكن إن كنت أقوم بكل هذا بالإضافة، دون الحصول على أي شيء، كما حدث في قضيتك إلى غاية الآن، فليس لي مبررات ممكنة.

إن أنت مت دون البوح بلا حتى معلومة واحدة، بالنسبة لي سيكون الفشل الذريع والخزي الكبير. وإذا بالمقابل قلت شيئاً سيكون أيضاً بمثابة تبرير لوجودي. وقسوتي في هذه الحالة لن تكون مجانية؛ لأنها حصلت على الهدف من وجودها. هذا كل ما أطلبه منك، وأتضرع إليك أن تعطيني ليس الأربع أسماء، وإنما اسما واحداً فقط ويمكنك الاختيار: غابرييل أو روساريو أو ماغدلينا أو فيرمين. فقط واحد، الأقل دلالة بالنسبة لك، ذاك الذي تحس بمحبة أقل تجاهه أو حتى الأقل أهمية من بين الأربعة.

لا أعرف إن كنت تفهمني: هنا أنا لا أطلب منك معلومة لإنقاذ النظام وإنما معطى لإنقاذ حياتي أنا، أو بقول أصح لإنقاذ القليل مني. أنا أطلب منك التبرير المتواضع للنجاعة لكي لا أظل أمام إنيس والأولاد مثل سادي عديم النفع، وإنما على الأقل مثل متحرٍّ مقتدر، ومثل محترف يعود بالنفع. بخلاف هذا سأفقد كل شيء. (يتقدم النقيب خطوات نحو بيدرو ويجثو على ركبتيه أمامه) يا بيدرو بقي لنا القليل من الوقت، القليل جداً من الوقت، لي ولك. لكنك ستذهب وأنا سأبقى. يا بيدرو هذا رجاء من رجل محطم. أنت لست عديم الإنسانية، أنت إنسان حساس، أنت قادر على حب الناس والمعاناة والموت عوضاً عنهم. يا بيدرو أنا أترجاك: قل لي اسماً ونسباً، لا شيء غير اسم ونسب. لقد تقلصت إلى هذا الحد كل مطالبي. ربما النصر سيكون لك.

يتحرك بيدرو قليلا. يحاول الاستقامة، لكنه لا يستطيع، يقوم ببذل مجهود آخر وفي الأخير ينتصب.

النقيب: أنا أطلب هذا من رومولو، أتوسل إلى رومولو. أجثو على ركبتي أمام رومولو! رومولو ستقول لي اسماً ونسباً؟ ستقول لي هذا فقط؟

بيدرو: (بصعوبة) لا... أيها النقيب.

النقيب: إذن أنا أطلب هذا من رومولو، أتوسل إلى رومولو. أجثو على ركبتي أمام رومولو! أستغيث ليس بالاسم السري وإنما أستغيث بالإنسان. جاثياً على ركبتي أنا أتوسل إلى بيدرو الحقيقي.

بيدرو: (يفتح عينيه جيداً وهو شبه محتضر) لا... أيها العقيد!

تنير الأضواء وجه بيدرو، بينما يظل النقيب في العتمة جاثياً على ركبتيه.


* ترجمة عن الإسبانية إبراهيم اليعيشي