بيدرو والنقيب (3)

11 سبتمبر 2015
الصورة
مشهد من أحد عروض المسرحية (تصوير: دانييل غارّيدو)
+ الخط -

[الفصل الثالث]


خشبة المسرح نفسها.

النقيب جالس على الكرسي يحرّكه كما لو كان مستغرقاً في تفكير عميق. فقد هدوءه والتكلف في الهندام الذي كان عليه في المشهدين السابقين، أصبح أشعث الشعر، وقد فكّ أزرار قميصه وحل ربطة عنقه. ينحني على الطاولة ويرفع سماعة الهاتف.

النقيب: أحضروه! (يضع سماعة الهاتف)

يعود مرة أخرى للتأرجح على الكرسي. في بعض الأحيان يبدو أنه يتنفس بصعوبة. تمضي بضع دقائق، تسمع أصوات قريبة ويرمى بيدرو إلى الغرفة وعلى رأسه قلنسوة، ملابسه ممزقة وعليها بقع دم كثيرة. يظل ممدّداً على الأرض بدون حركة. يقترب النقيب منه دون أن ينزع عن رأسه القلنسوة. يفحصه ويرى جروحه وكدماته المتعددة. عندما يمسكه من إحدى ذراعيه، يسمع أنيناً مبحوحاً وعندها يطلقه. يبدو تائهاً ويبتعد عن ذاك الجسم.

النقيب: بيدرو!

الجسم لا يستجيب، لكنه يحاول الحركة. يعود النقيب للاقتراب، وهذه المرة يمسكه بقوة ويقوده إلى الكرسي. لكن جسد بيدرو يميل إلى إحدى الجوانب. النقيب يمسكه ويصلح وضعية جلوسه. عندما يتحقق أنه ثبت أخيراً، يعود إلى كرسيه الكبير ومن جديد يتأرجح.

من أسفل القلنسوة، تُسمع بعض الأصوات، لكن في البدء لا يمكن التمييز إن كانت أصوات ضحك أم نحيب. يهتز الجسم. يوقف النقيب تأرجحه وينتظر متوتراً. لكن الصوت يستمر غامضاً ومبهماً. وعندها يقف النقيب ويتوجه صوب بيدرو ويسحب عن رأسه القلنسوة دفعة واحدة. عندها فقط يتبين جلياً أن بيدرو يضحك. وجهه متورم ومشوه، تماماً لكنه يضحك.

النقيب: على ماذا تضحك أيها الغبي؟

بيدرو: (كما لو أن النقيب لم يتحدث إليه) ووسط جلسة التعذيب بآلة التعذيب المنخس انقطع التيار الكهربائي، ذاك الانقطاع الكهربائي ذاته الذي توقعه عقيدك اللعين. مساكين هم أولئك الفيلة لم يعرفوا ما عليهم فعله لأنهم بدون تيار كهربائي لا قيمة لهم. وكانت هناك فتاة وآلة التعذيب المنخس في مهبلها وعندما انقطع التيار الكهربائي لا أعرف كيف تمكنت من أن تسدد لهم ركلة. والوحش أشعل عود ثقاب لكن المنخس (يضحك) لا يعمل بأعواد الثقاب. (يضحك ملء شدقيه) لا يعمل بأعواد الثقاب. (منذ هذه اللحظة وتقريباً خلال كل المشهد، سيعطي بيدرو الانطباع على أنه شخص يهذي أو ربما على أنه شخص يتظاهر بالهذيان. من الضروري أن يظل هذا الغموض) يظل برميل الماء المملوء طبعاً بماء الخراء وقطع الخراء التي تطفو فيه، لكن من الصعب القيام به في الظلام. برميل الماء لا يعمل بالكهرباء طبعاً. لكنهم في بعض الأحيان يصلونه بالتيار الكهربائي. وليس مسلياً القيام به وسط انقطاع للكهرباء. ففي الظلام، لا يمكن معرفة متى الشخص الذي يتعرض إلى لتعذيب لا يمكنه البقاء في البرميل أكثر. فقد أوضح الطبيب أنه من اللازم وجود إضاءة جيدة لتشخيص قرب السكتة القلبية. ولهذا كان عليهم إيقاف الجلسة.

النقيب: بيدرو

بيدرو: أدعى رومولو.

النقيب: لا، أنت تدعى بيدرو.

بيدرو: على أي حال، اسمي رومولو وألقب ببيدرو.

النقيب: لا تربكني. اسمك بيدرو ولقبك رومولو.

بيدرو: لا شيء.

النقيب: ماذا؟

بيدرو: لا شيء. لا اسم لي ولا لقب. لا شيء.

النقيب: بيدرو.

بيدرو: بيدرو لا شيء. لا شيء هو اسمي العائلي الأول. ألم تكن تعرف هذا أيها النقيب؟ أنا أفشيه لك في هذه اللحظة بالضبط. ألن تنادي على كاتب الاختزال؟ إنه تصريح مهم. أم أنك تستعمل المسجل؟ بيدرو لا شيء. واسمي العائلي الثاني هو أكثر؛ أي اسمي الكامل هو: بيدرو لا شيء أكثر. (يضحك بصعوبة).

النقيب: (ينتظر انتهاء بيدرو من الضحك) ما بك؟

بيدرو: لا شيء مهم. أنا وسط الموت ووداعاً. لكن عند هذا الحد لا يهمني الموت.

النقيب: أنت حي. وتستطيع أن تكون حياً أكثر مما أنت عليه الآن.

بيدرو: أنت مخطئ أيها النقيب، أنا ميت. إننا كما لو كنا نتحدث خلال ليلة السهر على جثتي قبل دفني.

النقيب: لا تمثل دور الذي يهذي؛ فمعي لا ينفع هذا التمثيل المسرحي.

بيدرو: هذا ليس تمثيلاً مسرحياً أيها النقيب. أنا ميت. لا تتصور الراحة التي أحسست بها عندما علمت بأنني ميت. لهذا لا يهمني الآن إن عذبوني بالكهرباء، أو غطسوا رأسي في الخراء، أو أن يعذبوني بالوقوف لساعات وأيام دون الأكل والشرب، وأن اضطر إلى قضاء حاجتي على ملابسي، أو أن يحطموا خصيتي. لا يهمني لأنني ميت، وهذا يمنحني رباطة جأش وسعادة  أيضاً. ألا ترى أنني سعيد؟

النقيب: أنت أول ميت يتحدث مثل ببغاء.

بيدرو: حسناً جداً أيها النقيب. ممتاز. استوعبت التناقض، أنت تتدرب من أجل المنطق، أليس كذلك؟ أنا ميت وأتحدث مثل ببغاء. أحسنت أيها النقيب! من كان ليقول إنك ستصل لهذا الاستنتاج الرائع؟ أحسنت! أريد أن يثبت في التسجيل رغبتي في التصفيق، وليس تصفيقي طبعاً؛ لأنني مكبل اليدين. (لحظة صمت) أنا أدين لك بتفسير، ما أود قوله هو أنني تقنياً ميت، لكنني ما زلت أعمل كجسد؛ أي أنني أتبول وأتبرز. لا أقول إنني أتجشأ، لأنه بما أنهم سيقتلونني من الجوع، فليس في بطني شيء عملياً لأتجشأ. لكن أنا أقول إنني ميت تقنياً لأنهم لن يستطيعوا أن ينتزعوا مني ولو حتى رقم هاتف واحد، ولا حتى رقم قميصي. ولهذا، فإنهم سيستمرون في ضربي وتعذيبي. وهذا الجسد الضعيف يستحمل القليل فقط الآن، يستحمل القليل جداً. كما لاحظت أنت جيداً، أنا لست رياضياً. وبما أنهم سيستمرون في ضربي وتعذيبي، فأنا ميت، ميت تقنياً. أفهمت أيها النقيب؟

لا تتصور مدى الراحة التي أحسست بها عندما علمت بهذا. كل شيء تغير. وكمثال على هذا، أنا كنت أكرهك، وقلت لك هذا، أما الآن بما إنني ميت، فأنا أشفق عليك. أحس إنني لأول مرة أسجل تفوقاً مهماً عليك، وحتى يمكنني القول بأنه يكاد يكون غير قابل للقياس.

النقيب: لا تكن واثقاً من نفسك. كيف تعرف إلى أي حد ستستحمل؟ هذا يعرف فقط عندما تأتي ساعته. أنت استحملت إلى حد الآن، لكنني قلت لك سابقاً إننا لم نصل إلى لحد الأقصى: إننا نكتشف كل يوم طرق جديدة.

بيدرو: أعترف أن هذا كان مصدر قلقي عندما كنت حياً: إلى أي حد سأستطيع التحمل؟ لأنه عندما يكون المرء حياً؛ يريد مواصلة الحياة، وهذا دائماً ما يكون إغراءً خطيراً، بالمقابل الإغراء ينتهي عندما يعرف المرء منا بأنه ميت.

النقيب: والألم؟

بيدرو: صحيح: الألم. كم هو مهم الألم عندما يكون المرء حياً، لكن عندما يكون المرء ميتاً، فإنه لا يأخذه بعين الاعتبار.

النقيب: اللعنة، أنت لست ميتاً. (فترة صمت) لكن ربما أنت مجنون.

بيدرو: سأقدّم لك تنازلًا أيها النقيب؛ أنا مجنون لكنني ميت.

النقيب: أو أنك تتظاهر أنك حي.

بيدرو: ملاحظة أخرى ذكية أيها النقيب! لأن لا أحد بإمكانه التظاهر بأنه ميت.

النقيب: (وقد فقد صبره) بيدرو!

بيدرو: بيدرو لا شيء أكثر.

النقيب: اللعنة على اسمك الكامل!

بيدرو: أخبرك أنك لعنت جثة، وهذا في كل مكان في العالم وتحت حكم أي نظام يعد عدم احترام.

النقيب: (محاولاً نقل الحوار إلى طريق عادي أكثر) عليك أن تتكلم يا بيدرو. أنا صادق معك: لقد تعاطفت معك. لا أريد أن يهشّموا عظامك.

بيدرو: لقد هشّموا عظامي أيها النقيب. تعاطفك جاء متأخراً، كم أأسف لهذا! ما عاد عندي كبد، ومن المرجح أنه لم يعد لي خصي. بسبب الشكوك لم أنتبه.

النقيب: لا أريد أن يحطموك.

بيدرو: لماذا تتحدث بضمير الغائب وتقول هم؟

النقيب: لا أريد أن نحطمك.

بيدرو: هكذا أفضل. ألا تحب الحطام؟ لنقل مدينة بومبي الأثرية، والمدينة الرومانية القديمه هركولانيوم، ومدينة ماتشو بيتشو، وبيدرو لا شيء أكثر، إلخ.

النقيب: اخرس أيها الأحمق.

بيدرو: الذين يصمتون هم الأحياء. أتتذكر أيها النقيب كيف كنت أصمت عندما كنت حياً؟ لكن نحن الأموات بإمكاننا الكلام. بالقليل من اللسان والحنجرة المضغوطة والأسنان الأربعة والشفاه التي تنزف دماً، بهذا القليل الذي تتركون لنا نحن الأموات بإمكاننا الكلام... (فترة صمت) عن عائلتك على سبيل المثال.

النقيب: مرة أخرى؟ لماذا لا نتحدث عن عائلتك أنت؟

بيدرو: أو عن عائلتي. ما المانع؟

النقيب: وعن زوجتك.

بيدرو: قل عن أرملتي. في الحقيقة أورورا...

النقيب: (قاطعاً) الملقبة بياتريث.

بيدرو يظل صامتاً. رأسه يميل على صدره.

النقيب: (يبتسم) كيف؟ ألم تكن ميتاً؟ الظاهر أنك إلى حد الآن تقوم بحركات انعكاسية.

بيدرو يستمر في عدم الحركة ورأسه ما يزال مائلاً إلى الأمام.

النقيب: أورورا ولقبها بياتريث. ألم أقل لك سابقاً إننا كل يوم نضع أوراقاً على الطاولة؟

بيدرو يرفع رأسه شيئا فشيئاً، لكن نظرته هذه المرة تبدو كأنها شاردة في مكان ما بعيد. يبدأ الكلام بنبرة صوت خافتة، كما لو كان يهمس في أذن، وبعدها يبدأ برفع صوته شيئاً فشيئاً.

بيدرو: عندما كنت صغيراً، كنت أحلم بالبحر. والآن وأنا ابن اثني عشر ربيعاً، أفضل رؤيته. نيكولاس يقول إنه ليس بحراً. نيكولاس...

النقيب: (مذعناً) الملقب إستيبان.

بيدرو: ... يقول إنه نهر. لكن في الأنهار تظهر دائماً الضفة الأخرى وهنا لا. إضافة إلى أن مياه الأنهار ليست مالحة. ومياه هذا النهر نعم مالحة لهذا فأنا أسميه بحراً. أسميه بحراً وعندما أسميه أدخل رجلي في الرمال والرمال تدخل بين  أصابع قدمي وتدغدغني.

النقيب: (كما لو أن بيدرو أعداه هو أيضاً يغير هيئته. كلاهما يتحدثان بالتناوب دون أن يتحاورا. في الحقيقة، هناك حواران متقاطعان) أنا كان علي أن أعطيها وردة لا أعلم لماذا، لكن كان علي القيام بذلك. هي كانت قادمة بصحبة والدتها وابنة خالتها. هي كانت قادمة وأنا كنت أنظر إليها، لكن كان علي إعطاؤها وردة.

وذات مساء، سرقتُ وردة من حديقة السفارة، والشرطي ركض ورائي، وقال أيها الولد اللعين، وركض ورائي، ولكنني ركضت أكثر منه وحينها عانيت أزمة الربو، لكن عندما وصلت إلى الحديقة، عندما وصلت إلى نافورة الماء، كانت الأزمة الربوية قد مرّت ولو أن القلب كان ما يزال يخفق بشدة. وحينها، اقتربت وأعطيتها الوردة وهي في البدء نظرت إلي مندهشة وبعدها رمشت عيناها، وعلى الفور رمت الوردة لمياه النافورة.

بيدرو: أنا كنت أريد أن أصبح متشرّداً. وفي الثالثة عشرة من عمري، تركت البيت. تمشيت طيلة الصبيحة وكنت أشعر بأنني منتعش وحر وسعيد. وبما أنه كان في جيبي نقود كانت لأمي؛ اشتريت، في منتصف النهار، شطيرتين من لحم الخنزير والجبن ومشروب شعير.

وفي المساء، بسبب الشمس الحارقة، نمت على أحد مقاعد الساحة واستيقظت على وقع جرس رجال المطافئ فقط، ولكنهم لم يعيروني أي اهتمام. مشيتُ ومشيتُ والكلاب كانت تتبعني أحياناً، وأحياناً أخرى لا. وعندها، بدأت ركبتاي تؤلماني، وأشعلت أضواء مصابيح الشارع. وعندما كنت على وشك البكاء، رمقتني أمي من الممر المقابل، وصرخت: بني! هناك انتهى مشواري كمتشرد.

النقيب: أندريس كان يلاحقني في كل مكان لأنه كان يكرهني، وأنا كنت أشعر بذلك الكره بشدة؛ لهذا لم يكن بوسعي أن أفعل شيئاً عدا كرهه. ذات يوم، لم أستطع أن أتحمل أكثر، واستدرت لمواجهته، وعندها هو أيضاً استدار وذهب يركض. حينها، بدأتُ ألاحقه وكنّا نكره بعضنا بعضاً، بشدة لكنه لم يستطع الاستدارة ولا مواجهتي قط.

بيدرو: كانت تأتي كل مساء إلى المكتبة لتدرس الرياضيات. كنتُ أدرس التاريخ، لكن في حقيقة الأمر لم أكن أدرس شيئاً؛ لأنني كنت أقضي الوقت وأنا أنظر إليها بطرف العين، محاولصا التحقق من أنها أيضاً تنظر إلي بطرف العين، لكننا لم نتلاقَ في التحقيقات قط؛ لهذا قضينا كل الفصل الدراسي نتبادل النظرات محاولين معرفة إن كان الواحد منا ينظر إلى الآخر. حتى ذات مساء، حين قامت أورورا...

النقيب: ... الملقبة بياتريث.

ولو أن النقيب قال هذه الجملة بطريقة ميكانيكية، فإنه كما لو كان بهذه الطريقة كسر السحر.

بيدرو: هذا جيد. أنت تعرف كل شيء أيها النقيب، لكن هذا لن يمنع أن أكون أنا ميت وأعرف شيئاً أكثر. على سبيل المثال، أنكم تعرفون أنها لا تعرف، ولكنكم تتصورون أنني أعرف.

النقيب: بإمكاننا إحضارها.

بيدرو: هذا سبب آخر لأكون ميتاً. وخير البر عاجله. نحن الموتى لا يمكن ابتزازنا.

النقيب: (بعد فترة صمت طويلة) لماذا يا ترى أعجبت بك رغم كل الحماقات التي تتفوه بها؟

بيدرو: ربما لأنك تحب الحماقات؟

النقيب: لا، ليس هذا. ما يجري هو أن حضرتك...  (ينقطع الصوت مندهشاً. يقدم على خطوات في الغرفة) حضرتك؟ والآن لماذا هكذا دون أي سابق إنذار لم أعد أتحدث إليك بصيغة المخاطب؟ (لأول مرة يبتسم بيدرو) لا، لا تبتسم. أحسست فجأة أنه علي أن أخاطبك بصيغة الغائب. هذا لم يحصل معي قط.

بيدرو: (دائماً يبتسم) لا تقلق. كتعويض، أنا سأخاطبك بصيغة المخاطب.

النقيب: (يوافق محركاً رأسه) هذا جيد. يبدو لي عادلاً.

بيدرو: (مبتهج تقريباً) أنبدأ؟

النقيب: طبعاً.

بيدرو: ابدأ أنت.

النقيب: لا، فلتبدأ حضرتك.

بيدرو: لقد قلت لك سابقاً إنني ميت؟ آه نعم لقد قلته لك سابقاً. حسناً، لكن قبل أن أغادر هذا الحي، أود الاطلاع على مكنون سر شيء هو بالنسبة لي لغز.

النقيب: نعم وأنا ما دخلي بهذا؟

بيدرو: هذا دخلك طبعاً. أود حل لغز كيف يمكن لشخص أن يتحول إلى معذِّبْ إن لم يكن أحمق، إن لم يكن وحشاً. (فترة صمت) انظرْ، أنا ميت؛ ما يعني أنني لن أحكي هذا لأي شخص. هو لي ليس أكثر.

النقيب: (وهو يتكلم ببطء) أنا لست هكذا.

بيدرو: حقاً؟

النقيب: لقد شرحت لك هذا سابقاً.

بيدرو: لكن أنا لا يهمني شرحك. أنت تعرف أنك هكذا. (فترة صمت) هيا، احْكِ لي كيف حدث هذا. أبسبب صدمة تعرضت إليها عندما كنت صبياً؟ أم بسبب قناعة راسخة؟ أم لحظة جنون عابرة؟ أم التدريب في قاعدة فورت غوليك العسكرية؟

النقيب: (رافعاً كتفيه) حسناً، أنا مناهض للشيوعية.

بيدرو: نعم، أتصور هذا. لكن هذا لا يعتبر شرحاً. يوجد ملايين من مناهضي الشيوعية في العالم، وهم ليسوا مُعذِّبين. البابا على سبيل المثال.

النقيب: ليس كل الأشخاص يصلون إلى تحقيق ذاتهم. (يضحك كما لو كان ما قاله دعابة)

بيدرو: أنا متفق معك، ليس كل الأشخاص يصلون إلى تحقيق ذاتهم. لكن أنت، لماذا حققت ذاتك؟

النقيب: إنها قصة طويلة وبطيئة. لا يتعلق الأمر بصدمة تعرضت إليها عندما كنت صبياً. ليس كل شر يحدث في الحياة سببه صدمات تعرضنا لها في الصغر. من الأفضل القول تغير طفيف تبعه تغير طفيف آخر، وليس بسبب قناعة راسخة.

من الأفضل القول إغراء صغير تبعه إغراء صغير آخر، إغراءات اقتصادية أو فكرية، هذا لا يهم. وكل شيء كان له نصيبه في التأثير علي. صحيح أن الدفعة الأخيرة أعطيت لي في قاعدة فورت غوليك، فهناك علموني بواسطة تعذيب وجيز ويمكن الصبر عليه عانيت منه شخصياً أين تكمن النقط الحساسة للكائن البشري. لكن، قبل هذا، علموني تعذيب الكلاب والقطط. قبل، قبل، دائماً هناك قبل.

إنه شيء تدريجي، لا تظن أن في غمضة عين كما لو بسبب عمل سحر يتحول الواحد من شاب طيب إلى وحش عديم الإحساس. وأنا لست وحشاً عديم الإحساس، أنا لست كذلك إلى حد الآن. لكن، في المقابل، لم أعد أتذكر متى كنت شاباً طيباً. (فترة صمت) ولماذا أحكي لك كل هذا؟ لماذا أجعل منك كاتم أسراري؟

بيدرو: دائماً يكون الأوان قد فات عندما يتعلق الأمر بأعمال شريرة.

النقيب: جلسات التعذيب الأولى تكون فظيعة. تقريباً كل مرة كنت أتقيأ، لكن يوم يترك الواحد منا القيء، لحظتها يكون قد ضاع. لأنه بمرور أربعة أو خمسة، أيام يبدأ بالاستمتاع. حضرتك لن تصدقني...

بيدرو: أنا أصدق كل ما تقوله، لا تقلق.

النقيب: لا، حضرتك لن تصدقني. لكن ذات ليلة، كنا نقوم فيها بتعذيب فتاة بواسطة آلة التعذيب المنخس، الفتاة لم تكن جميلة جداً وكنا ننخسها، أتدرك هذا؟

بيدرو: طبعاً أنا أدرك ما تقول. وهي كانت تصرخ وقد فقدت صوابها وتهتز وتهتز... (يتوقف)

بيدرو: وماذا؟

النقيب: لن تصدقني، لكن سرعان ما أدركت أن جهازي التناسلي قد انتصب. ليس أقل من انتصاب في تلك الظروف. ألا يبدو لك عملاً شنيعاً؟

بيدرو: نعم يبدو لي كذلك.

النقيب: والأسوأ هو أنني في اليوم التالي عندما كنت أهم بمضاجعة زوجتي لم أستطع... وبدأت أنفعل.. ولم أتمكن...

بيدرو: لكنك في الأخير تمكنت، أليس كذلك؟

النقيب: نعم. كيف عرفت؟

بيدرو: دائماً ما يتمكّن المرء.

النقيب: لكنني تمكنت فقط عندما وضعت كل قوة الذاكرة لاستعادة صورة الفتاة التي كانت تعذب في الليلة السابقة، والتي لم تكن جميلة جداً. أليس هذا مرعب؟ تمكنت من مضاجعة زوجتي فقط عندما تذكرت الفتاة التي كانت تتلوى من شدة اللألم لأننا كنا ننخسها. ماذا يسمى هذا؟ يجب أن يكون له اسم علمي.

بيدرو: الاسم ليس مهماً.

النقيب: لهذا السبب، ليس بإمكاني العودة إلى الخلف. لهذا السبب، ليس بإمكاني التنازل. لهذا السبب، علي أن أجعلك تتكلم. لقد قطعت مسافة طويلة في هذا الطريق. أتفهم الآن؟ أتفهم لماذا سيكون عليك أن تتكلم؟

بيدرو: أفهم أنك تريد أن أفهم أنا.

النقيب: لهذا كان علي أن أخاطبك بصيغة الغائب. لأنني إذا كنت واصلت مخاطبتك بصيغة المخاطب، لم أكن لأتمكن.

بيدرو: أتحب أن أقول لك شيئاً؟ لن تستطيع أيها النقيب بكل الطرق. لا بمخاطبتي بصيغة الغائب، ولا بصيغة المخاطب، ولا حتى إن ناديتني بسيادتك. أترى؟ هذه هي الميزة التي تتمتع بها كلمة لا، دائما لا ولا شيء غير لا. أسمعت جيداً يا نقيب؟ لا! أسمعت أيها النقيب؟ لا! أسمعتم أيها النقيب؟ لا!


* ترجمة عن الإسبانية إبراهيم اليعيشي

المساهمون