بيت نبالا.. قرية فلسطينية مهجّرة خاضت معركة طاحنة

بيت نبالا.. قرية فلسطينية مهجّرة خاضت معركة طاحنة

22 مارس 2017
الصورة
خلّف الإسرائيليون وراءهم ركام قرية (العربي الجديد)
+ الخط -

كانت القرية، القائمة على تلٍّ صخري ينحدر نحو الجنوب الغربيّ، تشرف على السهل المحيط باللد إلى الشرق من مطارها. وكانت تقع شرقي طريق عام يُفضي إلى الرملة ويافا وإلى غيرهما من المدن. وممّا عزّز صلات بيت نبالا بالمراكز المدينيّة خط فرعي لسكة الحديد التي بُنيت زمن الحكم العثمانيّ، كان يصلها بخط سكة حديد رفح - حيفا. وكانت طريق فرعيّة أخرى تربطها بالقرى المجاورة لها في الشرق والجنوب الشرقي.

في سنة 1596 كانت بيت نبالا قرية في ناحية الرملة (لواء غزة)، وعدد سكانها 297 نسمة فقط. وكانت تؤدّي الضرائب على عدد من الغلال كالقمح والشعير والزيتون والفاكهة، بالإضافة إلى عناصر أخرى من المستغلّات كالماعز وخلايا النحل ومعصرة كانت تستعمل لمعالجة الزيتون.

في أواخر القرن التاسع عشر، كانت القرية متوسطة الحجم وتقع في طرف سهل. وفي فترة الانتداب البريطاني، أنشأ البريطانيون معسكرًا في الجوار. وكان للقرية، في تلك الأثناء، شبكة متعامدة الخطوط مستطيلة الشكل؛ إذ كانت شوارعها الفرعيّة تمتد في موازاة شارعين رئيسيين يتقاطعان وسطها. وكانت بضعة دكاكين ومسجد ومدرسة ابتدائيّة تتجمهر عند ذلك التقاطع.

وكانت المدرسة قد أُسست في سنة 1921، وكان يؤمها 230 تلميذًا في عام 1946 /1947. وكان سكان القرية، ومعظمهم من المسلمين، يبنون منازلهم بالحجارة والطين، ويعتاشون من الزراعة، فيزرعون الحبوب والزيتون والتين والعنب والحمضيّات. وكانت الزراعة بعليّة في معظمها، لكن بساتين الحمضيّات كانت تروى من آبار ارتوازيّة.
في 1944 /1945، كان ما مجموعه 226 دونماً مخصّصاً للحمضيّات والموز، و10197 دونماً للحبوب، و1733 دونماً مروياً أو مستخدماً للبساتين. وكان ثمة خربتان جنوبي القرية.
ورد ذكر بيت نبالا في الأوامر العملانيّة لعملية "داني" الصهيونيّة التي شملت احتلال قضاء اللد والرملة برمته. فقد صدرت الأوامر إلى القوات الإسرائيليّة، وفق المصادر التاريخيّة، بمهاجمة بيت نبالا التي كانت ترابط فيها - كخط دفاع ثانٍ - سرية من جيش الدفاع العربي (عددها 120-150 جندياً)، بعد الاستيلاء على اللد والرملة.
وفي 13 يوليو/تموز عام 1948 طُرد سكان اللد من مدينتهم، وأكره الجنود الإسرائيليون كثيرين منهم على التوجه إلى بيت نبالا (التي كانت لا تزال في يد العرب). والمرجح أن تكون القرية قد سقطت بعد بضعة أيام، قبل نهاية عمليّة "داني" في 18 يوليو/ تموز.



وذكرت صحيفة نيويورك تايمز أن وحدة من قوات المغاوير الإسرائيليّة اقتحمت مشارف القرية، في 11 يوليو/ تموز، من أجل إحباط محاولة عربيّة لاستعادة "ويلهلما" المجاورة لقرية طيرة دندن؛ وهي مستعمرة زراعيّة أسسها رهبان "التمبلار" (Templar/ الهيكليون) الألمان قبل الحرب العالميّة الأولى. لكن جاء في نبأ عاجل، عقب ذلك، أن القوّات العربيّة استردّت القرية في 12 يوليو/تموز، من أجل إقامة مرابض مدفعيّة لصدّ الهجمات الإسرائيليّة على اللد. وجاء في رواية الصحيفة أن مصفّحات الجيش العربيّ دخلت القرية، إلّا أنّها وصلت متأخّرة جداً وكانت عاجزة عن نجدة اللد.

وذكرت البرقيّات أن الإسرائيليين استولوا على بيت نبالا في 13 يوليو/تموز، بعد قتال شديد اصطدمت فيه الدبّابات والمصفّحات الإسرائيليّة بمصفّحات الجيش الأردني. وفي اليوم التالي، تواردت أنباء تفيد بأن القرية غدت أرضاً محايدة، لا تمثل أي خطر على اللد والرملة اللتين أمستا في يد الإسرائيليين. وبعد أيّام قليلة قالت صحيفة "نيويورك تايمز" إن القرية احتُلت قبل توقيع الهدنة الثانية في 18 يوليو/تموز. أمّا القرية نفسها فقد تقدّم رئيس الحكومة الإسرائيلية آنذاك دافيد بن غوريون، في 13 سبتمبر/أيلول 1948، من اللجنة الوزاريّة الإسرائيليّة الخاصّة بـالأملاك المهجورة، بطلب الإذن في تدميرها، مثل أغلبيّة القرى الفلسطينيّة المهجّرة.




في سنة 1949، أُنشئت مستعمرة كفار ترومان (تكريماً للرئيس الأميركي هاري ترومان)، غربي القرية. أمّا مستعمرة "بيت نحميا"، والتي أُسست في سنة 1950، فتقع جنوبي الموقع. وكلتا المستعمرتين قائمة على أراضي القرية.

غلبت على الموقع الحشائش والنباتات الشائكة الملتفة وشجر السرو والتين. ويقع الموقع نفسه في الجانب الشرقي من مستعمرة "بيت نحميا"، على خط مستقيم شرقي الطريق المؤدّي إلى مطار اللد. وتقع على تخومه بقايا مقالع حجارة، وبعض المنازل المتهاوية. ولا يزال بعض الأجزاء من حيطان تلك المنازل قائماً. أمّا الأراضي المحيطة، فيزرعها الإسرائيليون. ومن الجدير بالذكر أن مقبرة القرية ما زالت قائمة رغم الظروف ومرور ما يقارب السبعين سنة من التهجير، ولربما تبقى آخر معلم وإثبات على وجود وموقع هذه القرية التي تشرّد أهاليها إلى شرقي فلسطين والأردن.

وفي حديث مع الناشط المقدسي طارق بكري، والذي يوثّق القرى الفلسطينيّة، قال لـ "العربي الجديد"، إن ما تبقّى من قرية بيت نبالا المهجّرة هو مبنى المدرسة الابتدائيّة التي تحوّلت إلى مشتل وبعض القبور وبئر القرية وبعض ركام المنازل المهدومة، وبالطبع هنالك الصبّار الذي تمت زراعته من قبل أهالي القرى الفلسطينيّة في كافة أنحاء فلسطين، وهو الأثر الأبرز في بيت نبالا.

وأضاف بكري "أنا شخصيًا أصوّر القرى الفلسطينيّة بجودة عاليّة وذلك من أجل استفادة اللاجئين الفلسطينيين الذين يطبعون هذه الصور للتذكار والمحافظة على ذاكرة قراهم المهجّرة، كما أقوم بهذا المشروع بتطوّع كامل ولا أنوي الربح من ذلك".

من الناحية التقنية، أفضل الصور كانت فقط خلال التصوير وقت فصل الربيع، لأنّها تكون بجودة عالية بسبب الظروف الطبيعيّة الملائمة للتصوير، على العكس من فصل الصيف على سبيل المثال. لذلك جميع الصور عند اللاجئين موجودة بجودة عالية.

ويتابع بكري "أذكر الحدث الأهم وهو مرافقة الحاجة نعمة شقديح من مواليد القرية، والتي تهجّرت مع أهلها حينما كانت في السادسة من العمر عام 1948، وحينما وصلنا إلى موقع القرية تذكّرت العديد من التفاصيل مثل معالم القرية والبئر والبيوت المهدومة وغيرها، وحينما صادفت شجرة الدوم، قطفت من ثمارها وابتدأت تغنّي أغنية محليّة... وكلماتها ما يلي:

عالدوم خيا عالدوم .. شو جاب امبارح لليوم
امبارح باقت شاريد .. واليوم مطر وغيوم
عالدوم خيا عالدوم .. عالدوم دمي ودمك يجمع شملي مع شملك
تمنيت عمري وعمرك قصر عليّ دايم دوم
خيّال وين مغرّب .. ميّل وإتريّح عندي
لعملك كاسه شراب .. سكر مع تمر هندي
عالدوم خيا عالدوم .. شو جاب إمبارح لليوم