بيت موندريان.. تجريد في ضوء الشمس

29 سبتمبر 2019
الصورة
"بيت بالقرب من داوفندريخت" (من المعرض)

في عام 1911، سيرسم بيت موندريان لوحته الشهيرة "الشجرة الرمادية" التي تُعدّ محطّةً فاصلة في تجربته؛ حيث سينتقل منها بشكل مدروس إلى التجريد، مروراً بسنوات قليلة تأثّر فيها بالتكعيبية، وصولاً إلى مربّعاته الملوّنة في اختزال ملغز للطبيعة، في قليل من الخطوط المتقاطعة بينها.

عند تلك الأشكال الهندسية والشرائط، ربما توقّفت تجربة الفنان الهولندي (1872 - 1944) عن التطوّر، لكنها أثّرت بشدّة على مجالات عديدة في العمارة الحديثة والتصميم الداخلي والديكور والأثاث وواجهات المحال التجارية، وتصميم الأجهزة الكهربائية أيضاً.

"مجازية موندريان" عنوان المعرض الذي افتتح في الثاني عشر من الشهر الجاري في "متحف مارموتان مونيه" الباريسي، ويتواصل حتى السادس والعشرين من كانون الثاني/ يناير 2020، ويضمّ لوحات تمثّل عوالم شبه منسية من حياة صاحبها.

سبعةٌ وستّون عملاً يتضمنّها المعرض، هي حصيلة ما اقتناه سالومون سليبير (1884 - 1971) الذي كان مهتمّاً بهذا الجانب من إبداعات الفنان التي قدّم معظمها أثناء إقامته في العاصمة الفرنسية، في محاولة لإعادة اكتشاف مرحلة لم يُلقَ عليها الضوء من قبل.

لوحة "طاحونة الهواء في ضوء الشمس" رسمها موندريان عام 1908، وتتميّز باختيار الألوان وتظليلها، فرغم كل هذه التدرّجات في استخدامها وإظهار ظلالها، إلّا أنها تقتصر على ثلاثة ألوان أساسية فقط: الأحمر والأصفر والأزرق، واعتُبرت حينها تطوّراً نوعياً ضمن الانطباعية الجديدة.

في تلك الفترة، سيقرّر تغيير رسوماته بالكامل، معلناً أنّ "ألوان الطبيعة لا يمكن استنساخها على قماش"، وسيعيد الكرّة في لوحة "الغابة بالقرب من أولي" (1908)، التي رسمها لمنطقة توينتي في شرق هولندا، وفيها تبرز قوة في استخدام اللون والضوء في تكوين حدود لا منتهية وراء الأشجار التي تتكاثف حركتها إلى الأعلى، في مشهد درامي يتصاعد باتجاه القمر الذي يتوسّط السماء.

أمّا العمل المسمّى "التكوين رقم 4" (1920)، فيشكّل أول أعماله في سياق التجريد الهندسي، حيث يبرز الاستخدام الصارم للخطوط الأفقية والرأسية والألوان الأساسية، وسيوضع إلى جوار واحدة من لوحاته التقليدية التي رسمها في هولندا عام 1891 بعنوان "القواع الميّت"، ولا تعدو عن كونها تصويراً متطابقاً لذلك الأرنب البرّي في موته.

ظرة جديدة باتجاه الواقع ستحكم تجربة موندريان، وتتسرّب إلى لوحته "بيت بالقرب من داوفندريخت" (1916) التي رسمها أثناء الحرب العالمية الأولى، مكثّفاً استخدام الألوان النقية المشعّة التي تُذكّر بلوحات مواطنه فان غوخ، لكن خيوط اللون القوية كرّست خطوة جديدة ستُفضي في نهاية المطاف إلى شرائط ملوّنة تُخفي خلفها عشرات اللوحات لتلك الأشجار التي كانت مفتاح التجريد لديه.

إلى جانب الطبيعة الصامتة، يشتمل المعرض على عدّة بورتريهات منها "إخلاص" (1908)، وهي لوحة لفتاة يتشابه تلوينها مع اللوحات السابقة؛ حيث تعكس الفلسفة المسيحية الصوفية التي آمن بها، وتقوم على تضاد الثنائيات في الطبيعة، وكذلك ثلاثة بورتريهات رسمها لذاته، تضيء في مجموعها على تحوّله الطويل من الانطباعية إلى التجريد.