بيان مريد البرغوثي

بيان مريد البرغوثي

10 مايو 2015
الصورة

مريد البرغوثي: الحاجة ملحة للمحرر الأدبي

+ الخط -
استاء كتاب وروائيون عرب، ضيوفٌ في حفل الجائزة العالمية للرواية العربية "بوكر"، في أبوظبي الأربعاء الماضي، من إشارةٍ وردت في ما أسميه هنا "بيان مريد البرغوثي"، أي كلمة الشاعر المعروف في الحفل، لدى إعلانه فوز رواية الطلياني، للتونسي شكري المبخوت، بالجائزة، باعتباره رئيس لجنة التحكيم. وجاءت بعد تأكيد البرغوثي إحدى عشرة نقطة توضيحية لعمل اللجنة في اختياراتها روايات القائمتين، الطويلة ثم القصيرة، ثم الرواية الفائزة، وهي نقاط يصلح بعضها أن تعد "متطلبات" إجرائية وأساسية، عند قراءة أي عمل أدبي سردي، الرواية خصوصاً. أما تلك الإشارة التي لم يرتح لها بعض أصدقائنا، فهي قول مريد البرغوثي (أو السيد الرئيس حسب مزحة بعضنا) عن غياب "المحرر الأدبي" لدى دور نشر عربية كثيرة، وغياب دوره، وقد شدد على أن الناشرين في بلادنا "بحاجة إلى تعيين محرر، يناقش المخطوط مع المؤلف مراجعة فنية أولى"، و"إنه يتدخل في تقنيات الرواية ونسيجها وبنائها وإيقاعها وحوارها، هو الذي يقترح الإضافة والحذف، وهو الذي ينبه المؤلف، عندما ينزلق السرد إلى مقال أو أطروحة، سعياً إلى إنقاذ العمل من الابتسار أو الترهل أو المباشرة، أو وضع النهاية قبل الأوان أو بعده"، وعلى ما يرى البرغوثي، فإن هذه كلها توصل الرواية إلى شكلها المطبوع "سالمةً من هذه الفخاخ".

لم يجترح رئيس محكمي "بوكر"، في دورتها الجديدة، أمراً نافراً ولا نافلاً، وإنما جهر بما تعمل به دور نشر أجنبية كبرى ومهمة في الغرب، والمؤكد أن حاجة الرواية العربية، تحديداً، في طفرتها الراهنة، شديدة جداً إلى الأخذ بهذه النصيحة التي لا غلو في الزعم، هنا، أنها استحقاق واجب. وبالنظر إلى نقائص ظاهرة وكبيرة، فادحة أحياناً، في أعمال روائية عربية غير قليلة، وبعضها نالت جوائز في "بوكر" وغيرها، فإن غياب ذلك المحرر الأدبي، النابه والعارف والخبير، من أسباب الثرثرة والترهل الغزيريْن في تلك الأعمال، ومنها ما يكون لافتاً في أجوائه وخياراته الأسلوبية وفضاءاته. ويقال هذا الأمر، مع التأكيد على أن عيوباً غير هيّنة بشأن النحو، والتعبير اللغوي السليم، تُصادفها في نصوصٍ محترمة، وجذابة، على صعيد الفن الروائي نفسه، وتستدعي إلحاحاً على وجود ذلك المحرر الأدبي، وتعاونه مع المصحح والمدقق اللغوي، في دور النشر، مع التسليم البديهي بأن من المفترض في من يُباشر الكتابة الإبداعية أن يكون مؤهلاً وذا لياقة لغوية كافية. ومن باب الصراحة الواجبة، يجوز التأشير، هنا، إلى أن عيوباً نحوية وتعبيرية غير قليلة تحضر في رواياتٍ وصلت إلى قوائم جائزة "بوكر"، في دوراتها الثماني كلها.

أما نقاط مريد البرغوثي الإحدى عشرة، في بيانه، فمنها ما يتعلق بإيضاح تفاصيل التحكيم في دورة "بوكر"، منها القول عن نقاشات أعضاء اللجنة و"مشاجراتهم العذبة"، وتقييمهم الروايات لا الروائيين، وعدم التفاتهم إلى "محاصصات جغرافية وجنسانية وعمرانية"، وإذ هذه تفاصيل تخص الجائزة الشهيرة والجدال الموسمي بشأنها، فإن حديث شاعرنا عن متعة القراءة شرطاً أول، وأن الإسراف في شرح كل شيء يهين القارئة والقارئ، وأن الرواية ليست قاعة محاضرات، وأن الركاكة والتسطيح والإملال تتنافى مع أي فن، ولا تقتصر على اللغة، فمثلها "ركاكة الشخصيات"، والحبكة والصور والحوار، هذا الحديث عن هذه الشؤون وغيرها له أهميته، ويجوز البناء عليه، في المواقف ووجهات النظر، الانطباعية كما النقدية، في خصوص التلقي والتعاطي مع الرواية، قراءةً ودرساً.

إنها الذائقة المعافاة، والمطالعة المحبة للنصوص، وكذا الرغبة في المعرفة والبحث عن متعة الكشف، من عتاد قارئ الرواية، ولم يتجاوز صديقنا مريد البرغوثي حدوده، (كما تساءل)، لما بسط قدامنا، نحن حضور حفل "بوكر"، إشاراته البرقية الموجزة، الكثيفة الإيحاءات والمعاني، وإنما قال بياناً طيباً، لم نسمع مثله، من أسلافه رؤساء لجان التحكيم السابقة في "بوكر"، على أهمية ما أوضحوه وقالوه.