بيان الإخوان إثبات لا إنكار

25 مارس 2019
الصورة
+ الخط -
أصدرت جماعة الإخوان المسلمين بياناً تردّ فيه على مقال كتبه الإعلامي أحمد منصور، تناول فيه مواقفها من وقائع وأحداث مفصلية شهدتها مصر خلال ثورة يناير في العام 2011 وبعدها. وعلى الرغم من أن المقال لم يكن يهدف إلى انتقاد الجماعة بصفة خاصة، إلا أن القيادات القديمة للجماعة أصدرت بيانها لما وجدته في المقال من طعن مباشر في طريقة إدارة الجماعة وأدائها شديد السوء، سواء خلال فترة حكم المجلس العسكري، أو بعد ذلك خلال رئاسة محمد مرسي، وبالطبع فيما بعد 3 يوليو. اجتمعت في البيان مساوئ عدة، أولها إنكار واستنكار مبدأ توجيه اتهامات للجماعة وتحميلها مسؤولية كوارث وقعت بالفعل، بسبب خطايا كارثية ارتكبتها. وتجلت في لغة البيان حالة الكراهية لأحمد منصور بشخصه، أكثر من الغضب والاستنفار إزاء ما كاله من اتهامات، وما ذكره من وقائع، بل إن تعمد إغفال اسمه وصياغة البيان العمومية، من دون تحديد الموجّه إليه، كان بحد ذاته دليلاً على عمق الكراهية تجاه منصور إلى حد التقليل من شأنه بتجاهله. كما لو أن الاشارة إليه تحديداً سترفع قدره، وتمنحه شرفاً لا يستحقه، بأن تعتبره الجماعة خصماً وترد عليه.
في المضمون، ركّز بيان الجماعة على نفي معاني ما ورد في مقال أحمد منصور ودلالاته. ولم ينف الوقائع التي سردها المقال ذاتها، ولم يناقشها، فهُم لا يكذّبون منصور ولا ينكرون تلك الوقائع، لكنهم ينفون عن أنفسهم المعاني والتفسيرات المنطقية التي استخلصها الرجل. أي أن بيان "الإخوان" يقول ضمناً "نعم حدث ذلك لكننا لم نفعل ذلك"! كمن يسرق أو يقتل، ولا ينفي وقوع الجريمة، لكنه يصر على أنه ليس مجرماً. بل يذهب "الإخوان"، في بيانهم، إلى ما هو أبعد، بتأكيد أن كل خطوة قاموا بها كانت نتيجة إلمام ووعي كامل بالسياقات المحيطة، والمتغيرات الجارية الداخلية والخارجية. يهدف ذلك التنبيه إلى إثبات وضوح الرؤية لدى الجماعة، وشمولية عملية اتخاذ القرار لكل المعطيات اللازمة.
ولم ينتبه "الإخوان" إلى أن هذا التوضيح يعني مباشرة أن قيادات الجماعة ترزح تحت وطأة إنكار، فالاطلاع على مواقف الاطراف ومعرفة السياقات يثبت المسؤولية عما جرى وينفي كلية أي إمكانية للعذر بالجهل. وهو ما قصده "الإخوان" بالفعل، نفي الجهل ونقص المعلومات والسذاجة عن قيادات الجماعة وأصحاب القرار فيها، فقد أكد البيان أن كل القرارات المهمة التي وصفها منصور في مقاله بالكارثية خضعت لآليات مستقرّة عند اتخاذها في الجماعة، خصوصاً "الشورى" التي وصفها البيان بالمُلزمة، أي أن القيادات كانت على وعي وعلم ودراية بالمحدّدات والمحاذير، وكل الظروف المحيطة في الداخل والخارج، والقرارات التي اتخذت جاءت كلها وفق الشورى المُلزمة. وتقع المسؤولية، هكذا ببساطة، على الدوائر التشاورية الأوسع من دائرة اتخاذ القرار الضيقة، أما القيادات داخل تلك الدائرة، فلا تثريب عليهم اليوم، ولا أمس ولا غداً.
إذن، لم يصدر بيان "الإخوان المسلمين" بغرض تحسين صورة الجماعة أمام المصريين عامة، أو أمام النخب السياسية أو أي طرف آخر. إنه مُوجه حصرياً لأعضاء الجماعة. وهدفه ليس تبرئة الجماعة ككل، وإنما، فقط وحصرياً، تبرئة قيادات الجماعة، وغسل أيديهم من دماء الضحايا التي سالت، ومن كل الخطايا التي ارتُكبت. ويبدو أن وراء البيان محاولة جديدة لتحصين مواقع القيادات وتقوية موقفهم. وهي محاولة بائسة، ليس فقط لأنها تتوهم ضعف ذاكرة القواعد بشأن ما جرى بعد 2011، ولكن أيضاً لأن قيادات الجماعة انكشفت أمام قواعدها منذ وقع فض الاعتصام في ميدان رابعة العدوية قبل خمس سنوات. ومنذئذٍ، تزداد الفجوة بين القيادات والشباب اتساعاً، بسلوك القيادات أنفسهم، وبمعالجة خلافاتهم مع الشباب بمزيدٍ من الأخطاء. مأزق "الإخوان" وانكشاف قياداتهم، مصدره منهم وفيهم. وليس من مقالٍ يكتبه أحمد منصور أو غيره.