بوريس جونسون... قائد "بريكست" رئيساً لوزراء بريطانيا

لندن
إياد حميد
23 يوليو 2019
+ الخط -
وصل بوريس جونسون إلى 10 داوننغ ستريت متأخراً ثلاثة أعوام، بعدما قاد بنجاح حملة تأييد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي عام 2016 (بريكست)، وفشل آنذاك في حشد الدعم الكافي لتزعم حزب المحافظين بعد استقالة ديفيد كاميرون، رغم كونه المرشح الأوفر حظاً.

وفاز جونسون، اليوم الثلاثاء، في انتخابات زعامة حزب "المحافظين"، ليصبح بذلك رئيساً لوزراء بريطانيا، خلفاً لتيريزا ماي، التي استقالت بعدما عجزت عن التوصّل لاتفاق مع بروكسل بخصوص خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي "بريكست".

ويشتهر جونسون بشخصيته الخلافية التي مكنته من احتلال مساحة رئيسية في الحيز العام البريطاني. فجونسون يعرف عن نفسه بأنه محافظ ذو أفكار ليبرالية يعبر عنها تيار الوسط (الأمة الواحدة) في حزب المحافظين، يشار إليه بأنه "ترامب بريطانيا" نظراً لخطابه الشعبوي الذي يدغدغ المشاعر اليمينية القومية في بريطانيا، ويجد له صدى في اليمين المتطرف.

وبالرغم من اقتران اسم جونسون بتأييد "بريكست"، إلا أن مسيرته المهنية شملت باعاً طويلاً في الصحافة البريطانية المحافظة، إذ تنقل بين "ذا تايمز" و"تلغراف" و"سبكتاتور". كما كان عضواً في البرلمان البريطاني منذ عام 2001، ولكن تخللتها فترة عمل فيها من خارج البرلمان بين عامي 2008-2016، عندما انتخب عمدة لمدينة لندن. وبعد نجاح حملة بريكست، تولى جونسون حقيبة الخارجية في حكومة تيريزا ماي لمدة عامين قبل أن يستقيل عام 2018 احتجاجاً على خطة "تشيكرز".

وبخلاف الصورة التي يرسمها جونسون لنفسه كإنكليزي محافظ، فهو من مواليد نيويورك في الولايات المتحدة، ويحمل الجنسيتين البريطانية والأميركية. كما يعود نسبه إلى وزير داخلية عثماني يدعى علي كمال وزوجته الإنكليزية ونفريد جونسون من جهة أبيه، بينما يرتبط نسبه من جهة أمه بالمؤرخ الأميركي اليهودي من أصول روسية إلياس أفري لو. وبالرغم من تلقي جونسون تعليمه في مدرسة إيتون وجامعة أوكسفورد، اللتين ينتمي إليهما معظم قادة حزب المحافظين، إلا أنه قضى سنوات طفولته في بروكسل، التي خدم فيها والده أثناء عمله في المفوضية الأوروبية.


ولكن موقف جونسون من الاتحاد الأوروبي بدأ في الظهور إلى العلن نهاية الثمانينيات من القرن الماضي، عندما عمل كمراسل للشؤون الأوروبية في صحيفة "تلغراف" حتى عام 1994. وعرف جونسون منذ تلك الحين بمواقفه المشككة بالاتحاد الأوروبي وسياساته، مستخدماً خطاباً مختلفاً في تغطية التطورات في بروكسل يبتعد فيه عن لغة الحقائق والأرقام، لاجئاً عوضاً عن ذلك إلى السخرية والأمور الخلافية التي منحته شعبية بين الجمهور المحافظ البريطاني الذي لا يكن بمجمله المودة لبروكسل. وترقى جونسون في "تلغراف" ليصبح مراسلاً حربياً مثيراً المزيد من الانتقادات للأوصاف التي يستخدمها في كتاباته، والتي وصلت لاتهامه بالعنصرية. واتهم جونسون بعدم امتلاك ثوابت سياسية عدا عن معارضته للاتحاد الأوروبي.

ومستفيداً من شهرته التي بناها أثناء عمله الصحافي، تمكن جونسون من دخول البرلمان البريطاني عام 2001 عن دائرة هانلي، ليعاد انتخابه مرة أخرى عام 2005. كما دعم جونسون ديفيد كاميرون لزعامة المحافظين في العام ذاته، وكافأه كاميرون بتعيينه وزيراً للتعليم العالي في حكومة الظل. إلا أن نقلة نوعية في عمل جونسون السياسي كانت عام 2008 عندما نجح في انتخابات عمدة لندن، ليعاد انتخابه مرة أخرى عام 2012. وتنتقد مسيرة جونسون في عمادة لندن أيضاً بأنه لم يخلف إرثاً يمكن الاعتداد به كما فعل سلفه كين لفنغستون، والذي طور البنية التحتية للمدينة ورفع أداء شرطتها وساهم في تخفيض مستوى التلوث البيئي فيها، بينما يقتصر إرث جونسون على بضعة مشاريع صممت لتجلب الشهرة مثل "دراجات بوريس".

إلا أن الإنجاز الأكبر لجونسون كان عندما نجح في قيادة حملة "بريكست" عام 2016، والتي نالت دعم نحو 52 في المائة من البريطانيين. ونجح جونسون حينها في مخاطبة الناخبين بلغة عاطفية تمكنت من ترجيح كفة الموازين، مبتعداً فيها عن سرد الحقائق والأرقام، إلا في حالة وحيدة عندما جال في حافلة تزعم أن بريطانيا ستستعيد 350 مليون جنيه إسترليني أسبوعياً تضعها في ميزانية الخدمات الصحية، وهو ما تبين عدم صحته لاحقاً. ودفع سلوك جونسون هذا خلال حملة "بريكست" إلى مقارنته بترامب.


وسرعان ما انهار تحالف حملته بعد نجاحها في الاستفتاء، حين تخلى عنه حليفه مايكل غوف في انتخابات زعامة المحافظين عام 2016، بعد استقالة كاميرون، والتي نجحت فيها تيريزا ماي. واستلم جونسون في حكومة ماي حقيبة الخارجية، والتي شهدت أثناء ولايته عددا من الأخطاء، كان أسوأها عندما هدد حياة المعتقلة البريطانية لدى إيران نازانين زاغاري راتكليف، عندما قال إنها كانت تدرس الصحافة في إيران، بينما كانت في مجرد إجازة، وهو ما عزز شكوك الإيرانيين في تجسسها لصالح المخابرات البريطانية. أما في ما يتعلق بالشرق الأوسط، فعرف عنه دعمه للسعودية في حرب اليمن ودعم مبيعات الأسلحة، رغم خروقات حقوق الإنسان. بينما زار السعودية بعد أيام من اغتيال الصحافي جمال خاشقجي في القنصلية السعودية في إسطنبول.

وفي صيف 2018، استقال جونسون من عمله في وزارة الخارجية احتجاجاً على خطة تشيكرز التي طرحتها ماي كخارطة للمفاوضات مع الاتحاد الأوروبي. وعاد ليمارس ما يجيده وهو الانتقاد من الصفوف الخلفية بخطاب بلاغي يثير المشاعر ويحرض الجمهور. واتجه جونسون للتشدد تجاه الاتحاد الأوروبي، ليدعم "بريكست" من دون اتفاق، مستخدماً مفردات تشير إلى الشراكة الأوروبية البريطانية على أنها "احتلال" و"استعمار"، وضرورة "استقلال بريطانيا". ونجح من خلال تحالفه مع متشددي "بريكست" في حزبه بتعطيل تمرير اتفاق الخروج من الاتحاد الأوروبي في البرلمان البريطاني، والذي انتهى باستقالة تيريزا ماي من منصبها، بداية يونيو/ حزيران الماضي، ليتمكن بعد شهر من المنافسة الداخلية في حزب المحافظين من التغلب على تسعة مرشحين آخرين وتولي مهام رئاسة الوزراء.

المساهمون