بوتين و"أسلمة" روسيا

09 ديسمبر 2015
الصورة
لا فارق بين أردوغان وبوتين في أسلمة بلادهما اقتصادياً(Getty)

 

قبل أيام خرج علينا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بتصريح غريب قال فيه إن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ومعه قادة تركيا السياسيون يشجعون أسلمة المجتمع التركي، وهو "أمر يمثل مشكلة" حسب قوله.

ونقلت وكالات أنباء روسية، عن بوتين، قوله إن المشكلة ليست في المأساة التي شهدناها (يقصد إسقاط تركيا مقاتلة روسية لاختراقها مجالها الجوي)، المشكلة أعمق بكثير.. نلاحظ أن القيادة التركية الحالية على مدار عدد كبير من السنوات تتبع سياسة متعمدة لدعم أسلمة بلادها".

تصريح بوتين كان موجها بالأساس للدول الغربية وتم تسويقه من قبل الإعلام الروسي وكأنه اكتشاف خطير، وبما أن البعض بالغرب يساوي بين الإرهاب والإسلام، إذن يجب محاربة أردوغان والمساواة بينه وبين تنظيم داعش، هذا ما فهمه هؤلاء وغيرهم من كلام بوتين الذي حرض الغرب بشكل مباشر ضد تركيا المسلمة.

لا أحد ينكر أن أردوغان القادم من خلفية إسلامية، وقاد لسنوات طويلة حزب العدالة والتنمية يسعى لأسلمة تركيا، عبر تطبيق إسلام معتدل وسطي منفتح على الجميع بما فيه الغرب، إسلام يحترم قواعد الديمقراطية وتداول السلطة ويسمح بتعدد الثقافات ويحترم حقوق الأقليات والحريات العامة مثل العقيدة والرأي والتعبير.

إسلام يقر قوانين عصرية وسياسات اقتصادية ومالية حديثة تتفق مع قواعد السوق الحرة، وليس الإسلام الذي يفهمه بعض المتشددين الذين يسعون لإبادة الأخر وتصنيف المجتمع ما بين كافر يجب قتله وابادته، ومؤمن يحظى بكل الحقوق وطريقه للجنة مفروش بالورود.

كما يسعى أردوغان أيضاً لأسلمة القطاع المصرفي ببلاده عبر سماحه بتأسيس مصارف إسلامية، تعمل إلى جانب المصارف التقليدية، ويتم من خلالها جذب مزيد من الأموال الخليجية والثروات العالمية الباحثة عن هذا النوع من الأنشطة والخدمات المصرفية.

وإذا كان بوتين قد هاجم أردوغان لأنه يسعى لأسلمة تركيا كما قال، فإن ما يفعله الرئيس الروسي في بلاده ويتعلق بالنظام الاقتصادي والمصرفي لا يختلف كثيراً عما يفعله الرئيس التركي، فبوتين وحكومته وبرلمانه يقومون حالياً بأسلمة روسيا اقتصادياً لكن على طريقتهم الخاصة.

فقد اتخذت روسيا خطوات للتمهيد لإطلاق أنشطة المصارف الإسلامية بالبلاد، وأمر بوتين مؤخراً بتأسيس لجنة لاعتماد النظام المصرفي الإسلامي والاستفادة من النظام الاقتصادي الإسلامي في تطوير الاقتصاد، وحسب تصريحات للشيخ راوي عين الدين، مفتي روسيا، فإن بوتين يريد الاستفادة من الإسلام لتطوير اقتصاد البلاد.

بل إن مجلس الدوما شهد خطوات فعلية في هذا الشأن حيث تقدم نواب فيه بمشروع قانون يسمح بأنشطة البنوك الإسلامية في روسيا بناء على توصيات من رابطة البنوك الروسية، وحسب رئيسة الإدارة الاقتصادية بمجلس الإفتاء الروسي مادينا كليمولينا فإن الدوما شكل لجنة لتحديد التعديلات التشريعية اللازمة لعمل المصارف الإسلامية لإدراجها ضمن القطاع البنكي الروسي.

وهناك تطورات أخرى شهدتها روسيا مؤخرا في إطار خطة "أسلمة" القطاع المصرفي الروسي، فقد أكدت الكنيسة الأرثوذوكسية الروسية أنها تعمل مع البرلمان وخبراء قانون واقتصاد ومصارف لتطوير نظام تمويل يتجنب سعر الفائدة المحرم في الديانة المسيحية وبذلك تحصل صناعة المال الإسلامية على حليف غير متوقع يعبر عن كتلة سكانية تعد 142 مليون نسمة.

كما تسلمت حكومة جمهورية تتارستان النسخة النهائية من دراسة الجدوى الاقتصادية لإنشاء مصرف إسلامي أو نوافذ مصرفية إسلامية في هذه الجمهورية الروسية ذات الغالبية الإسلامية.

بل أن بعض البنوك الروسية بدأت بالفعل بممارسة أنشطتها بالفعل وفق الشريعة الإسلامية خصوصا في جمهوريات تتارستان وشمال القوقاز.

وقال متحدث باسم "فنيش إيكونوم" البنك الروسي التابع للدولة إن البنك يسعى للحصول على المساعدة والخبرة من شركات بالشرق الأوسط لتطوير خبراته في قطاع التمويل الإسلامي.

إذن لا فارق بين أردوغان وبوتين في أسلمة بلادهما اقتصادياً، فكل يأخذ من الإسلام ما يحقق مصالح اقتصاد بلاده حتى وإن تعارض مع معتقداته والمبادئ التي يعتنقها.



اقرأ أيضاً:
روسيا المتناقضة
داود أوغلو: العقوبات الاقتصادية لن تتمكن من تركيع تركيا