بوتين في الصين: أوكرانيا تسرّع "حلف" المصالح

21 مايو 2014
الصورة
تحالف استراتيجي روسي - صيني بمواجهة الغرب (GETTY)
+ الخط -

لطالما تحدثت روسيا عن النظام السوري في ما يخص العقوبات الدولية من جانب واحد، خشية الوصول إلى اليوم الذي تتعرض فيه موسكو نفسها لمثل هذه العقوبات، وها هو ذلك اليوم قد وصل على خلفية الأزمة الأوكرانية.

لذلك، لم يعد مستغرباً أن يتم التركيز، في خبر نشرته وكالة "ريا نوفوستي" الروسية، في اليوم الأول لزيارة فلاديمر بوتين إلى بكين، أمس الثلاثاء، على أنّ "روسيا والصين اتفقتا على مواجهة التدخل الخارجي في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، ودعتا إلى التخلي عن لغة العقوبات الأحادية الجانب"، وأكدتا "على ضرورة احترام التراث التاريخي للدول وتقاليدها الثقافية، والنظام السياسي الذي اختارته بنفسها ونظام القيم وطرق تطويرها"، مع التلويح بأن بكين وموسكو "ستواجهان معاً محاولات بعض الدول، التدخل في الشؤون الداخلية لدول أخرى وفرض عقوبات أحادية الجانب". وفي حين أن الصين ليست بمنأى عن مثل هذا التهديد، إلا أن وزنها الاقتصادي يحول دون تطوير مشاريع في هذا المنحى.

أميركا تدفع إلى تقارب صيني ــ روسي

في لقاء أجرته صحيفة "روسيسكايا غازيتا" معه، يشير البروفيسور في معهد العلاقات الدولية بموسكو، سيرغي لوزيانين، الثلاثاء، إلى أن الصين يمكن أن تنتقل من "الحيادية الإيجابية" إلى دعم واضح لسياسة روسيا، إذا ما واصل الرئيس باراك أوباما "سياسته الاستفزازية المعادية للصين في آسيا".

والحديث يدور عن جولة أوباما في اليابان وكوريا الجنوبية التي صرح خلالها بأن الجزر المتنازع عليها بين بكين وطوكيو "تعود لليابان"، وأشار في حينها إلى أن بلاده ستدافع عن هذه الجزر لأنها مشمولة بالاتفاقية الأمنية الموقعة بين البلدين، ناهيك بالحديث عن تحالف "أطلسي ــ آسيوي"، على حد تعبير لوزيانين، موجّه ضد الصين، تقوم الإدارة الأميركية بإنشائه.

الجانب العسكري، لم تغفله زيارة الرئيس الروسي إلى الصين، فقد تم الخروج بإعلان، في اليوم الأول من الزيارة، يحمل بعداً رمزياً شديد الأهمية بالنسبة لروسيا في مواجهة الولايات المتحدة، التي لا تني تمسخ الدورين الروسي والأوروبي في الحرب العالمية الثانية، عن إجراء مناورات عسكرية صينية ــ روسية في العام المقبل، تمجيداً للذكرى السبعين للنصر على ألمانيا النازية، علما بأن تدريبات برية مشتركة تجريها قوات البلدين سنوياً، تحسّباً لتأزم محتمل للوضع في دول آسيا الوسطى. ومعلوم أن الصين تتزود من روسيا بطائرات مقاتلة وطائرات شحن وإمداد بالوقود في الجو، وغواصات نووية، والحديث يدور اليوم عن احتمال التعاقد على منظومة صواريخ "إس-400" روسية الصنع.

بكين مع موسكو ضد من؟

وأعلن المكتب الصحافي في وزارة الخارجية الروسية، قبيل زيارة بوتين إلى بكين، أن موسكو وبكين ستتابعان تنسيق جهودهما في مجلس الأمن، بخصوص ملفات عدة، من بينها الملف السوري.

وكانت الصين قد امتنعت، في شهر مارس/ آذار الماضي، عن التصويت على قرار يدين الاستفتاء في القرم، فيما استخدمت روسيا حق النقض الفيتو ضد القرار.

وتحدثت مصادر مقرّبة من وزارة الخارجية الروسية، عن أن روسيا راضية تماماً عن موقف الصين من الأزمة الأوكرانية.

وفي السياق، كان نائب رئيس الوزراء الروسي، ديمتري روغوزين، خلال استقباله النائب الأول لرئيس مجلس الدولة الصينية، تشانغ قاو لي، قد أوضح، في أبريل/ نيسان الماضي، أن الصين" تصرفت بصورة مفاجئة كشريك صلب، حين حاولوا إنزال العقوبات على روسيا".

غير أن بوتين لم يتفاجأ بسياسة بكين حيال موسكو، وهو ما أعرب عنه خلال اللقاء الدوري الأخير عبر "الخط المفتوح" مع مواطنيه، قائلاً إن "علاقاتنا (مع الصين) تتطور بشكل جيد جداً، وتقع الآن عند مستويات تاريخية من نواحي الثقة ومستوى التعاون. نحن جيران، وبهذا المعنى، نحن حلفاء، إلى حد ما".

اقتصاد سياسي وتكنولوجيا

في خطوة، أُريِد منها القول إن عقوبات أوروبا لن تخنق روسيا، وستعجز عن إجبارها على تغيير سياساتها في أوكرانيا، صرّح نائب وزير الطاقة الروسي، أناتولي يانوفسكي، في 12 مايو/أيار، عن جاهزية شركة النفط الروسية الحكومية، "غازبروم"، لإبرام اتفاق مع الصين. وكشفت وكالة "إنترفاكس"، أن العقد يمكن أن يوقَّع خلال زيارة بوتين لبكين بالفعل.

وكان المكتب الصحافي في الكرملين، قد أوضح، قبيل الزيارة، أن المحادثات ستتناول المسائل المتعلقة بآفاق التعاون بين روسيا والصين على الحلبة الدولية، وأن حزمة من الاتفاقيات ستوقع في مجالات الطاقة والاقتصاد والتجارة وسواها. وفي السياق، تم الإعلان عن "بدء توريد الغاز الروسي إلى الصين قريباً".

إضافة إلى ذلك، فبحسب صحيفة "فزغلاد"، فإن "روسيا والصين ستردّان على الغرب سوياً في مجال التكنولوجيا، وذلك فضلاً عن التعاون العسكري التقني وإنشاء كتلة في أقصى شرق روسيا، إضافة إلى رفع التبادل التجاري بين البلدين ليبلغ 200 مليار دولار" سنوياً. وتعاني روسيا اليوم من مشكلة الافتقار إلى تكنولوجيات غربية حرمتها العقوبات منها، في مقابل محركات صواريخ فضاء ستحرم روسيا الجانب الأميركي منها.

الغاز يشعل الصراع

المفاوضات حول تزويد الصين بالغاز الروسي، مستمرة منذ 10 سنوات. ويتوقع أن يتم خلال وجود بوتين في بكين، حتى يوم الأربعاء، إبرام اتفاق مدته 30 سنة، لتوريد 30 مليار متر مكعب من الغاز الروسي إلى الصين سنوياً، ما يقلل فرص استخدام أنابيب نقل الغاز الأوكرانية إلى أوروبا كورقة ضغط، ويضع أوروبا في مأزق، إذا بقي الموقف الأوروبي على حاله حتى الشتاء. والنقطة الإشكالية الوحيدة التي كانت لا تزال عالقة إلى حين بدء الزيارة هي مسألة السعر.

ويرى الخبراء أن هناك مصلحةً روسية صينية مشتركة في عقود الغاز بين البلدين، فروسيا بحاجة إلى إيجاد سوق رديف للسوق الأوروبية التي تزداد إشكاليتها مع احتدام الأزمة الأوكرانية، والعقوبات المفروضة على روسيا، مثلما أن الصين بحاجة إلى تغطية احتياجات سوقها المحلية المتنامية من الطاقة، بأسعار مناسبة. على الرغم من أن الجانب الصيني، ممثلاً بشركة النفط الوطنية الصينية CNPC ، تبعاً لموقع vesitfinance.ru ، لا يستغل الأزمة الأوكرانية للضغط على روسيا لتخفيض الأسعار.

المال الصيني يحتفي بالعقوبات على روسيا

ويشير الموقع، في تحليله لزيارة بوتين إلى بكين، وقراءته لسلة الاتفاقات والعقود التي يمكن توقيعها، إلى أن الصين تستفيد من تراجع المنافسة على استثمار الأموال في روسيا نتيجة العقوبات المفروضة على الأخيرة، من قبل أوروبا والولايات المتحدة، والتي يتوقع إنزال المزيد منها بما يضر بمصالح الغرب نفسه. ويُتوقع أن يستغل رأس المال الصيني هذه الفرصة.

ونظراً لأن الصين لديها نقص في خام الحديد والفحم، فستهتم بشكل خاص بمشاريع الحديد الخام والفحم، مثل مناجم "إيلينسكوية" في ياقوتيا، المطورة من قبل "ميتشيل"، وأصول "تيمير" للخام الحديد العائدة إلى هيئة الأوراق المالية "الروسا". ويذكر الموقع إياه، بأن الصين مستعدة لمضاعفة الاستثمارات المشتركة، ملاحظاً أن الصين تحتل المرتبة الرابعة في مؤشر حجم الاستثمارات الأجنبية المباشرة بروسيا.

ويدور الحديث عن أن زيارة بوتين إلى بكين، يمكن أن تجعل روسيا تعوّض عن الخسائر المترتبة على العقوبات الاقتصادية المحتملة ضدها من قبل الغرب. أما البروفيسور لوزيانين، فيكشف سراً بالقول إن "هناك جانباً قد لا يعلن عنه احتراماً لحيادية الصين، وهو أن الرئيس الأوكراني المعزول، فيكتور يانوكوفيتش، كان قد وقّع في ديسمبر/كانون الأول الماضي، اتفاقات لبناء ميناء مدني كبير في القرم وتجهيزه، ومن الواضح أن هذا الاتفاق سيتحول إلى روسي ــ صيني".

المساهمون