بوتين "بيمون"

26 سبتمبر 2015
الصورة

منظرو الممانعة تغافلوا عن طمأنة بوتين إسرائيل (24 سبتمبر/2015/Getty)

+ الخط -
يحلو لكثيرين، ممانعين، ومؤيدين للنظام السوري، إطلاق تسمية "أبو علي" على الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، على اعتبار أنه يقف بوجه "المؤامرة الكونية" التي تحاك ضد بشار الأسد، ومن خلفه النظام الإسلامي في إيران. لا يلتفت هؤلاء إلى أي مؤشرات لدى بوتين تناقض الشعارات التي يقوم عليها النظامان، السوري والإيراني، والتي قد تكون في مقدمتها إسرائيل. هذه أمور ثانوية في ظل الدعم، غير المسبوق، الذي يظهره الرئيس الروسي. دعم أساسي لإبقاء نظام الأسد في دمشق، ومنعه من الانهيار، وحفظ ماء الوجه الإيراني هناك، وبالتالي، فإن أي أمور أخرى "لا تفسد للود قضية".
من هذا المنطلق، لم يقف أحد من منظّري الممانعة، أو أنصار الأسد، عند التصريحات الصادرة عن القيادة الروسية، أو المعلومات الواردة في الصحف الإسرائيلية، بعد القمة التي جمعت بوتين مع رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو. هي تصريحات ومعلومات حالياً "هامشية"، ولا تصب في لب "الصراع الأساسي"، أي صراع البقاء. ولا بأس من تقديم تعهدات إلى إسرائيل بأن النظام في سورية سيكون حامياً أبدياً للحدود مع دولة الاحتلال، وأن الحدود الشمالية لفلسطين المحتلة ستكون في مأمن دائم. أساساً لا فرق مع تعهداتٍ أو بدونها، فهذا هو الحال في الجولان المحتل، منذ أكثر من أربعين سنة، وما كان النظام السوري إلا ظاهرة صوتية في هذا المجال، أو داعماً من بعيد لقتالٍ بالوكالة، يقوم به حزب الله بسند مباشر من إيران. يتحدث الروس بالتأكيد مع إسرائيل باسم إيران، وهم الوكلاء الحصريون اليوم لترويج إيران ما بعد الاتفاق النووي في المجتمع الدولي، بصرف النظر عمّا حكي سابقاً عن بنود مخفية في ذلك الاتفاق، تدعم ما أبلغه الروس رسمياً للإسرائيليين.
"بوتين بيمون"، هذا التعبير العامي المشرقي الذي يؤشر إلى أنه يحق للرئيس الروسي ما لا يحق لغيره، قد يكون لسان حال النظامين السوري والإيراني؛ وهما يتلقيان تصريحات الرئيس الروسي من جهة، والدعم العسكري والسياسي المباشر من موسكو من جهة ثانية. كيف لا؟ وهذا الدعم أصبح عنصراً أساسياً وحاسماً في معركة بقاء النظام السوري، والحفاظ على النفوذ الإيراني في المنطقة. فالدخول الروسي المفاجئ على خط الوضع القائم في سورية ليس وليد رغبة موسكو بالتمدد خارجياً فقط، بل هي رأت فيه خياراً لا بد منه، لإنقاذ ما تبقى من نظام الأسد، وخصوصاً مع شعورها أنه بات على شفير انهيارٍ لا يمكن لموسكو تحمله في الوقت الراهن، على الأقل ليس قبل ترتيب النفوذ في المنطقة مع "الشركاء" أو "الخصوم" الغربيين. أيضاً التدخل الروسي ناجم عن إدراك أن الاستراتيجيات الأخرى التي كانت معتمدة على الأرض من النظام وحلفائه الإيرانيين، والمليشيات التي تدور في فلك الاثنين معاً، ما عادت ذات جدوى، فالأمور تزيد سوءاً، ومحاصرة دمشق تقترب، فكان لا بد بالنسبة لهم من وضع استراتيجية مختلفة بديلة، تعطي النظام على الأقل جرعة من المعنويات. وهذا ما ظهر في تصريحات وزير الخارجية السوري، وليد المعلم، والذي خرج، للمرة الأولى، ليتحدث بنبرة شبه عسكرية عن أن الدخول الروسي "سيقلب الطاولة على الذين تآمروا على سورية".
مثل هذا التهديد العابر لحدود المعارك الداخلية ما كان يصدر سابقاً عن أي مسؤول سوري، حتى في ذروة الدعم الذي كان يتلقاه النظام من الحليف الإيراني الأساسي، والذي بدا من معارك الزبداني، وغيرها، أنه أضعف مما كان يظن، وأن ترويجه نفسه بأنه قوة عظمى غير قابل للصرف ميدانياً. لذا، كانت الأمور محتاجة قوة عظمى حقيقية، تنقذ ما يمكن إنقاذه، حتى لو كان ذلك عن طريق تأمين "كيان بديل" لنظام الأسد، وليكن الساحل السوري.
هذه الخدمات والمعنويات التي يؤمنها بوتين، بالنسبة للنظامين السوري والإيراني ومريديهما، أهم بكثير من أي تعهدات تقدّم لإسرائيل في هذه المرحلة، خصوصاً أن "بوتين بيمون".