بوتفليقة يخسر صراعه مع الجيش: استقالة قبل نهاية الولاية

02 ابريل 2019
الصورة
من تظاهرات ضد بوتفليقة (العربي الجديد)
+ الخط -
انتهت الجولة الحالية من الصراع المحتدم بين الرئاسة الجزائرية والجيش، بإعلان الرئاسة الجزائرية في بيان أن الرئيس عبد العزيز بوتفليقة سيترك منصبه قبل نهاية ولايته في 28 إبريل/ نيسان الحالي، لكنها أعلنت في الوقت نفسه أن الرئيس سيُصدر خلال الأيام المقبلة "قرارات مهمة طبقاً للأحكام الدستورية بهدف ضمان استمرارية سير مؤسسات الدولة أثناء الفترة الانتقالية التي ستنطلق اعتباراً من التاريخ الذي سيقرر فيه استقالته". وفيما لم يحدد البيان أي تفاصيل إضافية عن موعد رحيل بوتفليقة أو القرارات التي سيصدرها، فإن الأيام المقبلة ستكون حاسمة لجهة تحديد طبيعة العلاقة بين مؤسسة الرئاسة والجيش، لا سيما أن معسكر الرئيس وظّف ما يمكن وصفه بحسب مراقبين آخر أوراقه، عبر إعلان حكومة جديدة برئاسة نور الدين بدوي. جاء ذلك بعد تبادل رسائل أمنية بين الطرفين، فبعد إقدام جهاز الاستخبارات على اعتقال علي فضيل، مدير قناة "الشروق" المحلية الموالية لقائد الجيش، ما دفع الأخير إلى التدخل للإفراج عنه، برز توقيف زعيم الكارتل المالي، علي حداد، الذي يُعتبر أبرز داعمي بوتفليقة، بالتوازي مع منع رجال أعمال آخرين من مغادرة البلاد. في المقابل، برز ما نقلته قناة "النهار" التي تُعتبر موالية لبوتفليقة، عن مصادر سياسية، أنها لا تستبعد إعلان بوتفليقة مغادرة منصبه اليوم الثلاثاء. كما عنونت صحيفة "المجاهد" الحكومية افتتاحيتها بـ"بداية النهاية"، وهي الصحيفة المعروفة بنقل رسائل السلطة.

وظل الجزائريون ينتظرون منذ 11 مارس/ آذار الماضي المآلات التي ستنتهي إليها حكومة نور الدين بدوي، التي ولدت أول من أمس الأحد، في ظل مناخ من الرفض الشعبي لها، لكن أعين القوى السياسية والمدنية والناشطين في الحراك الشعبي كانت مركّزة باتجاه وزارات مركزية سيكون لها دور محوري، سواء في العلاقة بترتيبات الانتقال الديمقراطي أو تفكيك القاعدة المالية والسياسية للسلطة والكارتل المالي.
وتزامن الإعلان عن الحكومة الجديدة مع توقيف زعيم الكارتل المالي، علي حداد، الذي كان فاراً إلى الخارج عبر تونس، ولفت ذلك الأنظار إلى أبرز الملفات الواجب التكفل بها في المرحلة المقبلة، وهي فتح مجمل ملفات الفساد السياسي والمالي لرجال الأعمال والسياسيين الذين كانوا يمثّلون الذراع السياسي والمالي لنظام بوتفليقة. كذلك فتحت النيابة العامة تحقيقات "في قضايا فساد"، وأصدر وكيل الجمهورية أوامر بمنع "مجموعة من الأشخاص" من مغادرة الجزائر. وأتى قرار النيابة العامة بعد منع الجزائر كل الطائرات الخاصة من الإقلاع أو الهبوط في مطارات البلاد حتى نهاية الشهر الحالي.

وفيما احتفظ بوتفليقة بمنصبه كوزير للدفاع، وبقي قائد الجيش نائباً لوزير الدفاع في الحكومة، اتجهت الأنظار لمعرفة من سيشغل منصب وزير العدل الجديد، والذي أحيل إلى القاضي سليمان براهمي الذي استلم المهمة من سلفه الطيب لوح، في ظرف حساس أبدى فيه القضاة تحرراً كبيراً ورفضاً للأوامر الفوقية التي كانت تدير عبرها السلطات الملفات القضائية. وقبل تعيينه، شغل براهمي منصب رئيس مجلس قضاء الجزائر، وكان قاضياً في عدد من المجالس القضائية. وإذا كان تعيين براهمي له صلة بتكفله بواحدة من أكبر قضايا الفساد التي شهدتها الجزائر "قضية بنك الخليفة"، لكن منصبه السابق وجّه إليه الأنظار قبيل نهاية السنة الماضية، في خضم حملة اعتقالات لناشطين ومدونين وفنانين ورياضيين في ما عُرف بقضية التشهير، والتي تبيّن لاحقاً أن الجزء الغالب منها كان تلفيقاً واستغلالاً للقضاء من قبل السلطة السياسية.

وفي سياق المخاوف من استمرار تلاعب الكارتل المالي أو محاولته طمس ملفات، تأتي المخاوف من تعيين محمد لوكال وزيراً جديداً للمالية. ولوكال مصرفي وكان ضمن الفريق الإداري الذي يدير بنك ما بين القارات الجزائري الليبي، الكائن مقره في باريس، كما شغل منصب مدير البنك البريطاني العربي التجاري، وكان مسؤولاً في بنك المغرب العربي للاستثمار، وشغل منصب المدير العام لبنك الجزائر الخارجي في باريس، وهو البنك الذي يتولى إدارة ودائع ومبيعات شركة النفط الجزائرية "سوناطراك" من النفط والغاز الجزائري. التوجسات من لوكال تنطلق من بعض التقارير التي تحدثت عن مسؤوليته سابقاً في بنوك كانت ممراً لعبور الأموال الجزائرية لصالح كبار رجال الأعمال المرتبطين بالسلطة وبمحيط بوتفليقة، ويعتبر البعض أن تعيينه يستهدف تأمين ودائع والعمليات المالية لرجال الأعمال.

أما وزارة الداخلية، عمق الأزمة ومربط القمع السياسي وتزوير الانتخابات، فتولّاها صلاح الدين دحمون، الذي يعرف أروقة مقر وزارة الداخلية، إذ كان يعمل قبل تعيينه في منصبه الجديد أميناً عاماً لهذه الوزارة التي تتقاسم مقرها مع رئاسة الحكومة وسط العاصمة، وكان يشرف من موقعه على البلديات والدوائر وشؤون تسيير الولايات. ورأت قوى في المعارضة أن تعيين دحمون قرار مستفز، لكونه أشرف بشكل مباشر في منصبه السابق على الانتخابات النيابية والبلدية التي جرت على التوالي في مايو/ أيار ونوفمبر/ تشرين الثاني 2017، والتي شابها تزوير لافت واحتجت بشأنها قوى المعارضة، وهو ما جعل الرجل في دائرة الاستهداف السياسي منذ الإعلان عن تعيينه مساء الأحد.


في السياق نفسه، أدى الرفض الشعبي تجاه وزير الخارجية السابق رمطان لعمامرة، الذي شغل المنصب لفترة 19 يوماً فقط، إلى استبعاده من الحكومة الجديدة، بسبب محاولته تدويل القضية الجزائرية في الخارج، واستُبدل بصبري بوقادوم الذي استدعي من نيويورك، حيث كان يشغل منصب الممثل الدائم للجزائر لدى الأمم المتحدة منذ ديسمبر/ كانون الأول 2013. وسبق له أن عمل مستشاراً في الأمم المتحدة في نيويورك بين عامي 1988 و1992، ثم مديراً مساعداً لملف نزع السلاح لدى الأمم المتحدة في الفترة من 1993 إلى أكتوبر/ تشرين الأول 1995، ويُعتبر تعيينه رسالة طمأنة للقوى والشركاء الغربيين.

وخلال فترة الحراك، لم تغب وزيرة التربية والتعليم السابقة، نورية بن غبريط، عن دائرة الاستهداف الشعبي، بسبب مواقفها وسياساتها التعليمية التي يعتبرها الجزائريون معادية للقيم الوطنية. وإذا كانت تنحية بن غبريط قد أراحت مجمل القوى السياسية والمدنية، فإن تعيين الأمين العام لوزارة التربية، ومساعد الوزيرة السابق، عبد الحكيم بلعابد، مكانها لم يرق للنقابات المستقلة في قطاع التربية، والتي تحمّله مسؤولية إقصائها من الحوار ومحاولة التضييق على العمل النقابي. وأشرف بلعابد من موقعه في وزارة التربية على إعادة صياغة ومراجعة المناهج التعليمية، والتي أثارت لغطاً كبيراً في الجزائر بسبب تقليص الساعات المخصصة للتربية الإسلامية واللغة العربية.

وفي السياق، كان الترقب في الوسط الإعلامي مركزاً على الشخصية القادمة إلى مبنى وزارة الاتصال، والذي دخله حسان رابحي كوزير للاتصال، بعدما كان يشغل منصب الأمين العام لوزارة الشؤون الخارجية منذ عام 2016. تعيين رابحي أيضاً متحدثاً رسمياً باسم الحكومة، لأول مرة منذ إلغاء هذا المنصب عام 2003 من قبل بوتفليقة، يؤشر إلى رغبة السلطة في انفتاح نسبي في الاتصال المؤسساتي والحكومي.

لكن أكثر الأسماء التي شكّلت مفاجأة في الحكومة كان يوسف بلمهدي، الوزير الجديد للشؤون الدينية، الذي يحظى باحترام في الأوساط الدينية والفكرية لمواقفه المعتدلة، وهو أستاذ وباحث في الشريعة مهتم بالدراسات القرآنية الحديثة، ويقدّم برامج تلفزيونية في القنوات الحكومية يرد فيها على الأسئلة الدينية والفتاوى للجزائريين. يحسب بلمهدي على التيار الإسلامي المعتدل، لكن تعيينه خلفاً للوزير المثير للجدل محمد عيسى، أثار قلقاً في الشارع بشأن قبوله تولي المنصب والمشاركة في الحكومة الجديدة التي لم تلقَ رضا الشارع، ومن إمكانية استغلاله سياسياً.

أما الشخصية التي يُمكن اعتبارها الممثلة الوحيدة للحراك الشعبي في الحكومة، فهي وزيرة الثقافة مريم مرداسي، وهي كاتبة وابنة الباحث المعروف عبد المجيد مرداسي. تُعد من الوجوه الثقافية الشابة التي برزت في السنوات الأخيرة، وعُرفت بمعارضتها للسياسات الثقافية التي فرضتها السلطة في عهد بوتفليقة، وعبّرت عن مواقف سياسية شديدة ضد سياسات الإنفاق الثقافي غير المنهجي والفساد المالي في القطاع، وانخرطت مبكراً في الحراك. في المقابل، لم تمض ساعات قليلة على تعيين فتحي خويل وزيراً للعلاقات مع البرلمان، حتى تبرأت منه الكتلة البرلمانية للمستقلين في البرلمان التي ينتمي إليها، وحمّلته تبعات قبوله الانضمام للحكومة. خويل ممثل فكاهي ومسؤول عن عدد من البرامج الفكاهية، عرف كيف يستغل شعبيته التي اكتسبها من برامج الترفيه، وفاز بمقعد نيابي. يعتبر نفسه عصامياً في التكوين السياسي ونائب الشعب، وينحدر من منطقة الجلفة وسط البلاد.

ولم تتأخر المعارضة في مهاجمة الحكومة، بعد تظاهرات في العاصمة مساء الأحد، رفضاً لحكومة بدوي. وقبيل اجتماع لقوى المعارضة اليوم الثلاثاء لإعلان موقف موحد بشأن الحكومة، وصف حزب "طلائع الحريات" الذي يقوده رئيس الحكومة الأسبق علي بن فليس، الحكومة الجديدة بأنها "فشل آخر يضاف للقائمة الطويلة من نكسات نظام سياسي منتهٍ ولا يرغب سوى في أن تخلفه الفوضى والدمار". واعتبر الحزب أن "تشكيلة الحكومة لا تعبّر سوى عن مواصلة التصميم على التحدي، فهي لا تنم عن أي إرادة للتهدئة". وفي السياق، تبرأت "جبهة القوى الاشتراكية" من الحكومة الجديدة، واعتبرتها مجرد محاولة من النظام "لإعادة تنظيم السلطة لصفوفها، واحتقاراً وتجاهلاً للمطالب المشروعة والملحّة لجميع الشعب الجزائري الذي يطمح ويكافح من أجل التغيير الجذري لهذا النظام". من جهته اعتبر حزب العمال اليساري هذه الحكومة مجرد "محاولة يائسة لإعادة تزيين الواجهة من خلال إعلان وهمي للحكومة في محاولة جديدة لإنقاذ النظام". أما رئيس "جبهة العدالة والتنمية" عبد الله جاب الله، فاعتبر الإعلان عن الحكومة الجديدة نوعاً من "التعنّت الذي يبديه نظام بوتفليقة".