بوابة التاريخ المكلّلة بالعار والدم

10 اغسطس 2019
الصورة

كارول سماحة..هل انتبهت ليأس السوريين في دمشق؟ (11/1/2005/فرانس برس)

للفنانة اللبنانية كارول سماحة شريط مسجل، وهي في طريقها إلى الشام، لإحياء حفلةٍ في دمشق. التسجيل من سيارةٍ تقلها مع أعضاء من فرقتها. في الخلفية، يصدح صوت فيروز بأغنية "يا شام عاد الصيف متئدا"، والتي غنّتها ذات يوم في معرض دمشق الدولي. كانت كارول سماحة (غيرت شكلَها عملياتُ التجميل كليا) تدندن مع فيروز بصوت عال. لم يكن اختيار هذه الأغنية لترافق الفنانة في رحلتها عن عبث، حسب ظني، فكلمات القصيدة التي كتبها الأخوان الرحباني تشي بالكثير في هذا التوقيت: "أصوات أحبابي/ وعيناها/ ووعد غد متاح"، "يا شام يا بوابة التاريخ/ تحرسك الرماح". لقد انتصرت دمشق على أعدائها الكونيين، حسب ما يرى فريقٌ لا يستهان به من السوريين والعرب، منهم فنانون ملتزمون بقضايا الإنسان والحرية، وعادت الحياة والفرح والبهجة إلى الشام. هذا ما عبّرت عنه كارول سماحة في التسجيل المصوّر في طريقها إلى دمشق. أحيت حفلتها في القلعة التي تشرف على معظم دمشق، ولم تر من بوابة التاريخ سوى ما تريد رؤيته: أناس سعداء يغنون ويرقصون معها، ولا مشكلة لديهم بدفع مبالغ طائلة في مقابل حضور حفلة من حفلاتها. عن أي غلاء معيشة وانهيار اقتصادي يتحدّث أعداء بوابة التاريخ إذا؟ 
أظن أن هذا كان لسان حال الفنانة اللبنانية التي غالبا لم ترَ أطراف دمشق وغوطتها المدمّرة. ولم تسمع أنين مئات آلاف المعتقلين والمعتقلات في السجون السورية التي تطل عليها قلعة دمشق. ولم تمش في شوارع الشام، لترى المشرّدين وأطفال الشوارع والمدمنين والمتسولين. لم تلحظ ملامح الذل والقهر والفاقة في عيون السوريين المهجّرين، ولم تلفتها نظرات اليأس التي تطل من السوريين في شوارع دمشق، كما يصفها الدمشقيون أنفسهم. وبالطبع، هي غير معنية بما يحدث مع اللاجئين السوريين في لبنان. لا تسمع بالتنكيل بهم، ولا بتسليمهم لمخابرات الأسد، ولا بحرق خيامهم. هؤلاء ليسوا من بوابة التاريخ ومجتمعها المتجانس، هؤلاء هم الذين تقف بينهم وبين دمشق الرماح التي غنّت فيروز عنها يوم كان السوريون يعتقدون أنها رماحٌ تحمي دمشق من العدو الصهيوني، لا من أهلها وناسها.
ليست كارول سماحة وحدها السعيدة بهذا "الانتصار العظيم" لدمشق، فصيف سورية المتجانسة هذا العام يعجّ بالمغنين اللبنانيين، والمصايف السورية، كما يكتب سوريو الداخل، تقدّم الحفل وراء الآخر لروادها، وخصوصا أن مناسبة عيد الأضحى تستلزم هذا الفرح الذي لا بد أن يعيشه السوريون، مهما ارتفعت أسعار بطاقات هذه الحفلات! مرة أخرى، أين هو الغلاء والانهيار الاقتصادي الذي يتحدّث عنه أعداء "بوابة التاريخ"؟ إذ تم تقديم الأضاحي خلال تسع سنوات متواصلة، مئات آلاف من السوريين، أغلبهم من الشباب، لا فرق بين ضحيةٍ وأخرى، لا في الهوية ولا الطائفة ولا في الهدف من الأضحية: بقاء نظام الأسد وعائلته ودائرته في السلطة بالتضحية بالسوريين معارضي بقائه وقتلهم وتغييبهم، وعبر زجّ السوريين مؤيديه في حربٍ مجنونة، لا تختلف كثيرا عن الحرب الأهلية، إلا بأنه وحده المسؤول الأول عنها، وعن الاحتلالات المتعدّدة في سورية حاليا. الاحتلالات التي يغني المطربون اللبنانيون ويحيون حفلاتهم تحت حمايتها العسكرية والسياسية، من دون أن يكترثوا، ولو قليلا، للألم المفرود في الشوارع السورية، ولا للغضب المخنوق في الهواء السوري. يؤدّون وظيفتهم، ويتلقون الأجور عنها. لا يعنيهم شيء آخر، لا علاقة للوظيفة بالإنسانية ولا بالأخلاق. هذا ما تثبته الحياة يوما بعد يوم، وما تثبته طبقة اجتماعية جديدة في سورية، أثْرت في زمن الحرب عبر الفساد والنهب والاحتكار والخطف مقابل الفدية، وتجارة الممنوعات، الأعضاء البشرية والسلاح والآثار والمخدرات، وليس انتهاء تجارة الأطفال والبشر أنفسهم!
تكرّم التلفزيونات اللبنانية التي ينضح خطابها اليومي بعنصريةٍ مقرفةٍ ضد السوريين نجوم دراما سوريين، غير معنيين بما يحدث للسوريين في لبنان من التنكيل والعنصرية والتنمّر والقتل، ولا تعنيهم الكراهية التي تنمو بسرعة بين الشعبين، والتي ستكون نتائجها أشد هولا مما يحدث الآن، ولا يتجرأ أحدهم/ن على التحدّث عما يحدث في لبنان ضد السوريين، فهؤلاء بالنسبة لبعض نجوم الدراما السورية لا ينتمون إلى "بوابة التاريخ"، بل إلى تاريخٍ كلّل بوابة التاريخ بالعار إلى الأبد.