بن سلمان والصراع على الحكم

23 نوفمبر 2018
الصورة
+ الخط -
حصلت حادثة معبرة في أحد شوارع لندن قبل أشهر، حين اعترض ناشطون بحرينيون طريق الأمير أحمد بن عبد العزيز، ورددوا هتافات ضد آل سعود تندّد بالحرب على اليمن. وتوقف الأمير الذي يعد السديري الأخير، بعد الملك سلمان، الباقي على قيد الحياة (76 سنة)، وردّ على المتظاهرين بالقول، لا تهاجموا آل سعود، فهم لا يتحمّلون مسؤولية ما يقوم به سلمان ونجله.
وجرى تفسير كلام الأمير أحمد الذي تم تداوله في وسائل التواصل أنه موقفٌ معارضٌ صريح لسياسة سلمان وولي عهده، وجاء في سياق رفضه تعيين محمد بن سلمان وليا للعهد، حين تم طرح الأمر داخل هيئة البيعة، وسبب ذلك أنه يعتبر نفسَه أحق بالمنصب، وفق نظام التراتب الذي وضعه الأب المؤسس عبد العزيز آل سعود، وتم احترامه، وسار عليه نظام الحكم، حتى جاء سلمان ليكسره، وينقل العرش إلى جيل أحفاد عبد العزيز، لكنه اختار أكثر أبنائه شراسة، وأقلهم ثقافة وخبرة، الأمر الذي أثار غضبا شديدا داخل الأسرة.
ويمكن تفسير حملة الاعتقالات التي قام بها محمد بن سلمان في نوفمبر/ تشرين الثاني من العام الماضي أنها عملية تطويع وإخضاع للمعارضين له، وتجريدهم من أسباب القوة التي يتمتعون بها، وهي المال أولا، والملاحظ أن ممن احتجزهم في فندق الريتز في الرياض أبناء عمومة مثل متعب بن عبدالله النجل الأكبر للملك السابق، والوليد بن طلال الملياردير المعروف، وآخرين.
وتبين بعد جريمة اغتيال الكاتب والصحافي جمال خاشقجي أن مفعول تلك الحملة انعكس سلبا على بن سلمان، حيث لم يبرز أي موقف تضامني معه من داخل العائلة، بل على العكس تفيد معلومات مؤكدة بأن الجريمة كانت فرصة لتصفية حساب بعضهم معه، ولذا اضطر إلى تقديم تنازلات والإفراج عن معتقلين كثيرين من المحيط العائلي، وتم استدعاء الأمير أحمد من لندن، وقبل العودة بشروط ضمان سلامته، وجرى الحديث أن طلب عودته هو من أجل إظهار التضامن العائلي، لكن ذلك لم يترجم على أرض الواقع، بل كان التشفي ببن سلمان يكبر مع تطورات الكشف عن تفاصيل الجريمة، حتى صار أمر إزاحة بن سلمان من المنصب مطلبا يحظى بتأييد واسع من داخل آل سعود.
صار واضحا أن بن سلمان بث الشقاق داخل آل سعود، بين السديريين أنفسهم، فهو على خصومة مع عمه أحمد وأبناء أعمامه فهد وسلطان ونايف، حيث سجن بعضهم ووضع آخرين تحت الإقامة الجبرية، كما حصل مع عبد العزيز بن فهد ومحمد بن نايف. ومن ناحية ثانية، أشعل الخلاف بين السديريين والآخرين، مثل متعب بن عبدالله والوليد بن طلال، وهذا أمر يحصل للمرة الأولى داخل العائلة السعودية الكبيرة التي بقيت تحسم خلافاتها دائما في الداخل، وتتوجه نحو الخارج موحدة. وهناك حديثٌ يجري بصوت عال في مجالس الرياض أن عمر بن سلمان السياسي قصير جدا، حتى لو خرج من ورطة جريمة جمال خاشقجي، وسيجد نفسه أمام جبهاتٍ من الخصوم ينتظرون اللحظة الحاسمة، بمجرد رحيل والده الذي يشكل سور حماية له، وتبين أنه لم يعد يتحرك إلا بمعية والده.
والأمر الثاني الذي أثار النقمة ضد بن سلمان أنه هدم الركائز التي قام عليها حكم أسرة آل سعود على مدى ما يقرب من قرن، متمثلة بالأسرة ودعاة الدين والقبائل والعائلات صاحبة النشاط التجاري، وهذا يعد عاملا مزعزعا للاستقرار في نظر الأسرة والمجتمع السعودي الذي اعتاد على نمط من الحكم، قائم على توازن حفظ المملكة من الانقلابات التي تعرّضت لها المنطقة.
لن ينعكس هذا الوضع على مستقبل بن سلمان فقط، بل على المملكة ككل.